الدكتور : عبدالوهاب آل مرعي
لبرالي في سجون غونتنامو
روايـــــــة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لبرالي في سجون غونتنامو ــ
الإهداء
إلى...
أطفال العرب...
وأطفال أمريكا...
وأطفال الكيان الصهيوني...
أهدي هذه الرواية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصل الأول
" حُجْرة... من تصميم طفل "
يتقدم بهدوء وحذر... ابتسامته تستعرض بين شفتيه... في صورة هي أقرب لانبلاج الفلق... يتبع خطوة بأخرى... ثم يقف... ويرفع يده قليلاً... ويمسك بمقبض الباب... ويعود إلى هدوءه من جديد... ويفتح الباب ببطء... ثم تتضح أمامه مفردات الحُجرة... تزداد ابتسامته إتساعاً... بعدها يقول:
- "مرحباً حبيبي جمال... أنت تذاكر... كم يسرني ذلك"
يفزع جمال بفرح... ثم يدفع الطاولة الصغيرة للأمام... ويترك كرسيه يدور خلفه... ليتجه مُسرعاً نحو والده... وهو يردد:
- "بابا... بابا... هل أحضرت الـ - سي دي -... الذي طلبت منك إحضاره؟"
- " الـ (سي دي)... نعم... نعم... (القطة والرجل العملاق)... أنت لا تنسى شيئا... لقد أحضرته... ولكن... عليك أن تكمل مراجعة دروسك... قبل أن تباشر وقت الراحة".
- "أنا رائع في مذاكرتي يا أبي... وأنا أفضل طالب في الفصل... بلا منازع".
يرفع كامل اسطوانة الـ (سي دي)... قليلاً... ويقلبها أمام عيني ابنه جمال... في حين يقول جمال:
- " أبي... أبي... طيِّرني للسقف "
يبتسم كامل... ويتقدم قليلاً... ليضع اسطوانة الـ (سي دي)... على منضدة الكمبيوتر... هناك... بجوار منضدة المذاكرة... ثم يجيل طرفه في الغرفة... ويقول في إعجاب:
- " جمال... غرفتك رائعة... رائعة جدا... الحقيقة أنك لم تترك شيئاً جميلا... إلا وضعته في مكانه المناسب... أشبه بمعرض لوحات فنية... يالها من الغرفة... أنت بالفعل فنان "
يتقدم كامل قليلاً... ثم يضع يده على تمثال الحرية... البرونزي... ذو الارتفاع... لنصف متر... ثم يقول:
- " هل تلمعه جيداً؟ "
- " نعم أبي... نعم... أحب هذا التمثال... أقدسه... ولكن... (طيِّرني)... (طيِّرني) للسقف".
يضع كامل كفيه تحت إبطي جمال... ثم يرفعه لأعلى وهو يقول:
- " هُبّا ".
في تلك الأثناء... تدخل الدكتورة نورة... ثم ترفع نظارتها لأعلى أنفها... وتبتسم بإعجاب... وتقول بصوت ناعم:
- " صباح الخير "
يترك جمال يد والده... ويتجه نحو أمه... ويقول مُترجياً:
- " أمي... ارفعيني للسقف "
- " أوه يا جمال... لقد أصبحت ثقيلاً الآن"
- " لا... أنا لست ثقيلا"
- " أقصد وزنك... وزنك أصبح تقيلا بالنسبة لي... هل فهمت ما أقصده "
- " فهمته قبل أن تشرحيه"
- " قل لي إذن يا حبيبي... ما هي أخبار حجرتك الرائعة... هل لا زلت مُصمماً على تحويلها لمتحف؟ ".
يدير جمال ظهره لوالدته وهو يقول:
- " هذا أمر حتمي... أمي... هذه الحجرة ستكون هي بعينها... الولايات المتحدة الأمريكية ".
قال الأب:
- " الولايات المتحدة... أوه... يالها من فكرة"
قالت الأم:
- " سنرى... ولكن... لا يشغلك اهتمامك بحجرتك عن الدراسة ".
- " لا... لا... تعالي وانظري... أنظري يا والدتي... هذه الصورة الرائعة... إنها صورة الكلبة لوسي... وهي أول كلبة تنزل على سطح القمر "
يتقدم الأب باهتمام... يلقي نظرة فاحصة نحو الصورة... ثم يقول:
- " كلبة رائعة... ولكن... قل لي يا جمال... من أين أحضرت هذه الصورة؟ ".
- " من الإنترنت... لقد طبعتها على ورق صقيل... إنها رائعة ".
نظر كامل إلى زوجته ببهجة... ثم قال:
- " لقد أحسنتِ تربيته... إنه مُذهل ".
شعرت نورة بشيء من الفخر... رفعت نظارتها لأعلى... ثم قالت:
- " أنت الخير والبركة ".
قطع جمال حديثهم بقوله:
- " أمي... قولي لي... ماذا ينقص هذه الغرفة؟"
نظرت نورة لكامل في حيرة... ثم قالت:
- " هل ينقص الغرفة شيء؟! "
- " لا... لا... لا أظن ".
- " أنتما لا تهتمان بميولي... ولم تصْدقا معي هذه المرة ".
قال كامل:
- " كلا... صدقني... غرفتك معرض مُصغر لأمريكا... إنها مُذهلة ".
بدأ كامل ونورة يدققان النظر من جديد... نحو مفردات الغرفة... هناك... تبدو ملامح التمثال البرونزي... وتبدو الإلتماعات المضيئة مُذهلة في زواياه الداكنة... وعن يمين التمثال... تبرز أحجار القرميد الحمراء... في اللوحة الزيتية الرائعة... بارتفاع ثلاثة أمتار... وعرض مترين... وتبدو فيها الأسقف المائلة الحمراء... مُتسللة من بين أشجار البلوط العملاقة... وشلال مُذهل... ينحدر لمترين... وأسفل منه بحيرة خضراء.
وفي الجدار الآخر... تبدو صورة قطعان الخيول... ورجل يتبعها على جواده... وقد غمرت مياه النهر جزءاً من أقدام الجواد... وتطايرت قطرات الماء هنا وهناك... وعجوز يضع نظارة كثيفة على عينيه... ويُدني غليونه منها... كي يحشوه بالتبغ... وصورة تحتل ربع الجدار... لمركبة فضائية تعمل بالطاقة الشمسية".
قال جمال بخيبة :
- " هل عرفتما ما الذي ينقص حجرتي"
قال كامل:
- " صدقني... غرفتك متحف مكتمل لأمريكا"
قال جمال بحزن مصطنع:
- " بل ينقصها أهم شيء... البيت الأبيض"
- قالت الأم في دهشة:
- " البيت الأبيض!"
- " نعم... أريد مُجسماً رُخامياً للبيت الأبيض... أمي... إنه عريق... إنه التاريخ الحقيقي للسياسة الأمريكية... سأضعه هنا... سيكون مُقابلاً لتمثال الحرية ".
نظر كامل لابنه بإعجاب أكبر... ثم أدار بصره نحو زوجته نورة وقال:
- " السياسة الأمريكية... الحرية... الديمقراطية...وفي هذا السن؟... ابنك يا نورة... يتحدث بكلام كبير... إنه يكبر عمره بسنوات... هذا كلام مذهل ".
قالت نورة بعد أن ألقت بصرها من زاوية عينها:
- " ولكن من الصعب... من الصعب أن... نجد مُجسماً للبيت الأبيض ".
رد جمال في مكر:
- " بل من الصعب أن تدفعوا النقود ".
أخرج كامل صوتاً قصيراً ينبئ عن ضحكة صغيرة... ثم رفع يده كي يغطي أنفه وفمه... في حين قالت نورة:
- " يا بُني... نحن هنا في بلد عربي... كما ترى... البلاد العربية من بلدان العالم الثالث... ليست كالولايات المتحدة... هنا تحتاج الكثير من الأشياء ولا تجدها ".
قال كامل في سخرية:
- " من حُسن الحظ... أننا نجد مطاعم الوجبات السريعة! ".
اتجه جمال لسريره الصغير... المُغطى بصوف دبٍ قطبي... ربما كان صناعياً... وربما كان طبيعياً... وقال في حزن:
- " هل سنعود إلى بلدنا؟"
- "أي بلد".
- " أمريكا؟ ".
أخرج كامل صوتاً أطول من سابقه... وبدا وكأنه يقهقه... لذا عاد للخلف قليلاً... في حين قالت الأم:
- " نحن عرب يا جمال... وأنت أيضاً عربي... هذا قدرنا... واجبنا أن نتعلم... وأن ندفع عجلة نمو بلدنا... كما دفع الأمريكيون عجلة النمو في بلدانهم ".
- " ولكنكِ وعدتيني من قبل... أن نعود للعيش في أمريكا... هنا أكاد أختنق... حتى زملائي في المدرسة... إنهم يسخرون مني... كلما تلفظت بكلمات إنجليزية".
قالت الدكتورة نورة في انفعال:
- " إنهم يحسدونك... لا عليك... أنت أفضل منهم... أنت تجيد لغتين... أنت عشت في أمريكا... قل لهم ذلك... لن يسخروا منك أبداً... قل لهم أنا ولدت في أمريكا... وعشت فيها حتى بلغ عمري عشرة أعوام... قل لهم إني بقيت طيلة عمري هناك... في أحضان العالم الأول... أما أنتم... فأنتم من أبناء العالم الأخير".
قال كامل ليُهدئ من انفعال نورة:
- " لا عليك من هذا الآن... لماذا لا نعود لموضوع البيت الأبيض؟! ".
أشاحت نورة بوجهها في حيرة... وقالت بصوت خافت:
- " لقد نسنا الموضوع... لماذا بعثته من جديد؟! ".
ابتسم كامل وهو يدق بسبابته على جبهته... ثم يقول في ذكاء:
- " لقد وجدت الحل... إنه حل رائع... أروع مما تتصورون... لماذا لا نحضر صورة للبيت الأبيض... ونحضر كرتوناً... ونضع الصورة على الكرتون... سيكون لدينا مجسم رائع للبيت الأبيض... أليس هذا حلاً مُناسباً؟ ".
جلست نورة على حافة المقعد... وهي عازفة عن الاشتراك في الموضوع... في حين فرح جمال باهتمام والده... ولكنه قال:
- " أبي... تعال هنا... أجلس بجواري... لقد طرأت في ذهني فكرة رهيبة... إنها حقاً مُذهلة".
- " فكرة مُذهلة... قل لي... ما هي؟! ".
وقف جمال في اهتمام... ورفع بصره نحو السقف... ثم رفع يده الصغيرة... ومدَّ سبابته... وقال:
- " هنا يا أبي... في هذا السقف ".
بدأ جمال يرسم مُربعاً بسبابته في الهواء... ليوصل لوالده أنه يقصد مساحة مترين في ثلاثة أمتار... في حين أكمل جمال شرحه وهو يرفع يديه الاثنتين... وقال:
- " سنُحضر صورة كبيرة... للبيت الأبيض... وسنلصقها في السقف... وسنضع في الأركان... إضاءات خافتة... لتُعطي للصورة بُعداً ثُلاثياً... نعم يا أبي... هناك صور ذات بروز واضح... ستكون أنسب من الصور المسطحة... ما رأيك؟".
صفق الأب بحرارة... ونظر إلى نورة... ليقترح عليها أن تصفق... انتبهت نورة من إيغالها داخل فكرة ابنها الذكية... وبدأت تصفق بحرارة .
(2) المعمل
الشمس أشرقت للتو... ونسائم باردة... توقظ الدنيا من جديد... وشجرةُ ظلٍ ذات أوراق دائرية... تجد نفسها في حوض بلاستيكي مستطيل... بجوار باب عودي اللون... وجوار الباب... لوحة سوداء... كُتِبَ عليها (مكتب الدكتورة نورة بنت مشاري).
لا يطول الوقت... لقد أقبلت الدكتورة من هناك... عليها تبدو سمات النشاط والحيوية... إنها تُعيد لف خمارها... بالطريقة الاعتيادية... ثم تقلِّب أدراج حقيبة يدها... لتُخرج المفتاح... وما أن تصل الباب... حتى تُدخل المفتاح... وتفتح.
تدخل... وتتقدم أكثر... وتضع حقيبة يدها على المكتب... ثم تتجه لبابٍ آخر... داخل مكتبها... كُتِبَ عليه (معمل الدكتورة نورة بنت مشاري)... تفتح الدكتورة الباب... وتدخل.
وبعد أن تتقدم خطوات... تهز رأسها بشيء من التقزز... ثم تتجه للنافذة... تفتحها... وتعود لقفص الفئران... تنظر إليه بدقة... ثم تتركه... وتعود خارجة إلى مكتبها... وتفتح خزانة صغيرة من الألمونيوم... وتحمل أغراض إعداد القهوة... ثم تضع الماء... وتوقد السخان الكهربائي... وتجلس على المقعد.
وبعد مرور خمس دقائق... بدأت الدكتورة نورة في احتساء رشفات صغيرة من فنجان القهوة أمامها.
في تلك الأثناء... سُمعت أصواتُ قرعٍ لأقدامٍ مُسرعة... وبعد لحظات... كانت ندى داخلة مع باب المكتب... كانت مرتبكة بعض الشيء... قالت:
- " السلام عليكم يا دكتورة... هل تأخرت؟ ".
ابتسمت نورة وقالت:
- " كلا... أنا من أتى مُبكراً... لا عليكِ... ولكن... أريد تجهيز المعمل... خاصةً قفص الفئران... هل هناك حالات جديدة؟"
- " نعم يا دكتورة... استشارات نفسية ".
- " ناوليني الملف إذن "
فتحت ندى درج مكتبها... وأخرجت إضبارةً فيها العديد من الأوراق... قدمتها للدكتورة نورة... ثم اتجهت نحو المعمل .
رفعت الدكتورة نورة فنجان القهوة... وبعد أن ارتشفت منه قليلا... وضعته... وبدأت في تقليب الأوراق... كانت تدير عينيها في الأسطر بتلقائية... وفي بعض الأحيان... تهز رأسها موافقة... أو تهزه مُتعجبة... وربما حملت القلم الفسفوري... لتظلل مقطعاً مُهماً.
مر من الوقت ما يقارب النصف ساعة... وخرجت ندى من غرفة المعمل... وقالت:
- " دكتورة نورة... لقد انتهيت من إعداد حقل الفئران... وحقنتها بالإبر... ووضعت قطرات من مُركب الأحماض الأمينية... في فم الفأر رقم (3) ".
نظرت الدكتورة نورة بعفوية... ثم قالت:
- " هل دونتِ كل ذلك في الجدول؟ ".
- " نعم يا دكتورة ".
- " متى ستبدأ أولى محاضراتك؟ ".
- " الساعة التاسعة ".
- " شكراً لكِ... تستطيعين الذهاب الآن... ربما احتجتكِ في الساعة الحادية عشرة".
- " لن أتأخر دكتورة ".
هزت الدكتورة نورة رأسها... وأكملت مُطالعة الأوراق أمامها.
مرت ثلاث دقائق... قلَبت الدكتورة صفحة جديدة... بدأت تقرأ... أكملت قراءة أربعة أسطر... رفعت يدها نحو فمها في قلق... وبدا عليها شيء من الارتباك... حملت الأوراق ووقفت... وأكملت القراءة وهي تدور في غرفة المكتب... نظرت يمنة ويسرة... ثم اتجهت لباب المكتب... قفلته بتوتر... ثم عادت لتُلقي نفسها على المقعد الجلدي... جوار النافذة... وضعت يدها على جبينها... وشدته بحيرة... ثم رفعت التليفون... واتصلت بالرقم المدون في أسفل آخر صفحة... ودخلت في محادثة طويلة... تخللها نحيب ودموع... وبعد وعدٍ من الدكتورة نورة باهتمام خاص بالموضع... أُقفلت السماعة... وقامت الدكتورة نحو المعمل... وفتحت أدراجاً زجاجية... وحملت قناني وعلباً بلاستيكية... لقد بدت جادةً فيما تعمل.
(3) صديقة قديمة
سحبَ الكرسي الخيزراني قليلاً... وجلس... وبدأ يطالع في استرخاء... أغصان الأشجار المتمايلة... داخل الفناء... إنه في شرفة الدور الثاني... والنسمات العليلة... تجعله يستنشق الهواء... باستجمام كبير.
الوقت قارب الغروب... والنافورة الرخامية في منتصف الفناء... بدأت في ضخ الماء لأعلى... بطريقة (أوتوماتيكية) متقطعة... وبينما هو يطقطق أصابعه... في انسجام مترادف مع أصوات الدنيا... وهي تتغزل في لوحة الغروب... ألقت نورة تحيتها عليه.
عدل جلسته في اهتمام... وقال:
- " أوه... حبيبتي... لقد أحضرتِ كاسات (الكاباتشينو) "
- " أنت تعشقها ".
- " وأعشق صانعتها ".
جلست نورة بعد أن وضعت الكأسين على المنضدة الخيزرانية الصغيرة... وبدأت تشارك زوجها فيما ينظر إليه... قال في حرص:
- " أنتِ تُنهكين نفسك في المعمل... الإعياء مرتسم على ملامحكِ "
- " هذا قدري... لابد من العمل ".
- " ولكن... ملامح وجهك متغيرة... هل أنتِ حزينة؟! "
- " بعض الشيء... حالاتٌ مرضيةٌ مُذهلة "
- " تريدين الصراحة... أنتِ مُخطئة... وألف مخطئة... عليك أن تحصري نفسك... أن تختاري... إما أبحاثك ومعملك... أو الحالات العلاجية الإكلينيكية... صدقيني... من ينهك نفسه في متابعة حالات المرضى... لا يُكمل شيئاً من أبحاثه".
ابتسمت نورة بصفاء... ثم ألقت بصرها للأفق البعيد وقالت:
- " لا يا دكتور... هناك تكامل بين ما أعمل... أبحاثي أستقي عيِّناتها من المرضى... والمرضى أطبق عليهم أهم نتائج الأبحاث... إنهما عينان في رأس واحدة "
هز كامل رأسه وقال:
- " ربما... ولكن... عليك أن تمنحي نفسك شيئاً من حقوقها "
- " ليت الأمر كذلك يا حبيبي... المسألة لا تتعلق بالأبحاث... ولا بالمرض "
- " بمَ تتعلق إذن؟! "
- " أوراق قرأتها اليوم ".
- " أوراق؟!... أوراق ماذا؟ ".
- "إنها إحدى الحالات التي عُرضت علي اليوم... المصحة النفسية تريد استشارتي في التشخيص".
- " وما الغريب... المصحات النفسية ترسل لكِ تقارير عن الحالات... حتى عندما كنتِ في أمريكا... وتطلب توصياتك ".
بدت الدكتورة نورة مُطأطئة رأسها... وكأنها تريد البكاء... في حين اقترب الدكتور كامل... ووضع يده على رأسها بعطف... وقال:
- " هل من مشكلة؟ ".
رفعت الدكتورة نورة عينيها بشُكر... ثم قالت:
- " قصة رهيبة... مأساوية ".
- " المخدرات... أليس كذلك؟ ".
- " لا يا حبيبي... مسرحية أحد فصولها المخدرات... شخصية هي في حقيقة الأمر... مستودع للأمراض النفسية ".
- " أحيلي هذه الحالة لطبيب آخر... لا تشغلي نفسك لهذا الحد ".
- " قسراً عني... سأنشغل بهذه الحالة ".
- " لماذا؟! ".
- " لأن المريض امرأة أعرفها... إنها زميلتي طيلة أيام الدراسة... حتى تخرجنا سوياً من المرحلة الثانوية... كانت فتاة سويَّة للغاية... ولكن... ظروفٌ ما... قد أحالتها لمخلوق آخر... مخلوق غريب... تستطيع أن تقول... إن... إن أهون ما لديه من مشكلات... الإدمان... الهيروين ".
- " الهيروين!... ألذلك أحيلت لكِ حالتها ".
- " لا يا عزيزي... لقد عرفت حالتها منذ عامين... أرسلت إليَّ مديرة المصحة النفسية... تقريرا عن حالتها... عندما كنا في أمريكا... أرسلته عن طريق البريد الإلكتروني... كانت مديرة المصحة تعرفني... وتعرف أيضاً... أنني صديقة للمريضة... وحينها... درست الحالة من خلال الأغراض التي وصلتني... وأرسلتُ رسالة تحوي بعض التوصيات... توقعت أن تكون فعَّالة... ولكن للأسف... لم تكن الصورة واضحة لدي... شيء مفزع... لم أتوقع أن حالتها تتدهور بهذه الطريقة".
- " أظن أني عرفت المشكلة... أهي الخيالات ".
- " الخيالات... نعم... إنها الخيالات... المظاهر ".
- " أوه!... ياله من مرض!... المرض النفسي المُذهل... والمحير ".
- " واللعين... تصور... يشعر الإنسان معه أنه يرتبط بعالم آخر... وأنه يتصل بكائنات أخرى... وربما يتصور أنه سيتحول لإنسان آخر ".
انقطع الحديث... لأن جمال أقبل بسرعة وهو ينادي:
- " أمي... أمي... صورة الرئيس الأمريكي... كلينتون... في الشاشة ".
قالت الأم وهي تبتسم لزوجها:
- " سأكمل لك الرواية لاحقاً... سأقوم بعمل ميداني لأتقصى كل الحقيقة... أمر إيناس يهمني كثيراً... والأقربون أولى بالمعروف ".
- " ستنجحين حتماً يا حبيبتي ".
(4) استقبال
تتوقف السيارة... مُظللة الزجاج الخلفي... وينزل رجل في الأربعين من عمره... باكستاني الجنسية... ثم يفتح الباب الخلفي... وتنزل امرأة منتقبة تحمل في يدها حقيبة كبيرة... بعض الشيء... وفيما يبدو... بداخلها أوراقاً وحاجيات... ثم تقول:
- " شكراً... انتظر هنا... قد أحتاجك ".
شجرة صغيرة... ذات أزهار صفراء... يتسلل ساقها ببطء... من بين أحجار الرصيف المتراصة... جوار الجدار... والبوابة السوداء.
تدخل الدكتورة نورة... إلى المبنى الذي كُتِبَ فوق بوابته (المصحة النفسية)... ثم تكشف نقابها في الداخل... وتتجه لمكتب المديرة... وفي تلك الأثناء... تعلم المديرة بقدوم هذه الزائرة... لذا تخرج من مكتبها للاستقبال.
اصطفت المديرة مع أربع نسوة... في حين تقدمت الدكتورة نورة... وصافحت الجميع... وتبادلت معهن قبلات حارة... ثم دخل الجميع للداخل.
بدأ الحديث مُتشعباً حول موضوعات عدة... ولكن... بعد دقائق... انصب حول إيناس... المرأة التي أصبحت لا تطاق... قالت مديرة المصحة:
- " دكتورة... في حالات كهذه... ألا يكون الحل الأمني... هو الحل الأفضل؟"
- " أستاذه علياء... تقصدين الحبس... هـ هـ هـ... بالفعل إنها مشكلة... في مثل حالة إيناس... قد يُعادي المريض أُناساً لظنه أنهم آذوه... يشعر أنه بالفعل... قد رآهم وهم يؤذونه... أو ينالون منه... أوهام تُخلق في المخ دون أي رصيد من الحقيقة... قولي لي... هل كل شيء جاهز؟ ".
- " نعم عزيزتي... لقد صعدت الجبل منذ ساعة ".
- " إذن علينا أن نتبعها... لقد أعددت كل شيء... جميع الأدوات جاهزة ".
- " أنتِ لا تُبالين إذن بالخطورة ".
- " الخطورة عزيزتي في أن نبقى ونتركها دون مُساعدة ".
(5) مغارة
جبل وعر... تبدو أحجاره مُدببة... ذات لون أسود... وتنتشر شُجيرات قصيرة هنا وهناك... ولا شيء يُسمع... سوى وقع أقدام ثلاث نسوة... همسهن يوحي بقلقهن... استمر الصعود... واستمر... وأخيراً... بدت هوَّة سحيقة... وبدت نهاية الجبل المخيف... المقصوص من جهته الأخرى... بعمق مئتي متر... تنهدت النسوة... وتفقدت الدكتورة نورة تلك الحقيبة... في يدها... ثم قالت:
- " أرجوكِ أستاذة علياء... صوِّري هذا المكان... التقطي مجموعة من الصور ".
بدأت الأستاذة علياء... في التقاط مجموعة من الصور... وبعد انتهائها من مهمتها هذه... ابتسمت لها الدكتورة... نورة ثم سألتها:
- " أين نتجه؟ ".
- " لنسلك هذا الطريق... لم يعد الموقع بعيداً ".
مر قليل من الوقت... الخطوات تسير بحذر... ومن هناك... بدت صخرة سوداء... وجوارها عدد من شجيراتٍ قصيرة... ذات أوراق قليلة... وجوارها شجرة صبار مائلة... ذات أوراق طويلة... وأمامها ببضعة أمتار... يتوقف كل شيء... لتبدو بوابة نصف دائرية... لمغارة مُذهلة.
كل شيء يَشِي بالكثير من أسرار الرعب... ابتلعت الدكتورة نورة ريقها... وبدا عليها شيء من التوتر... ولكنها حاولت تناسي كل ذلك... ابتسمت وهي تنظر للأستاذة علياء... ثم فتحت حقيبتها... وأخرجت ثوباً أبيضاً... وقد ارتص في جهاته أعداد هائلة... من الريش الملون بألوان زاهية.
خلعت الدكتورة نورة عباءتها... ولبست هذا الثوب... ذو الريش التراص... وأدخلت يديها في كُمي الثوب... نظرت لنفسها باستغراب... لقد بدت كُمّا الثوب... كجناحي طائر... أخرجت الدكتورة من حقيبتها مصباحاً... أضاءته... كان لون ضوءه أزرقَ هادئاً... أدخلت يدها أخرى في الحقيبة... أخرجت صحناً فيه قطعة من الحلوى... ابتلت ريقها... وتقدمت بهدوء.
دخلت الدكتورة نورة مع باب الكهف... لقد هدأت ضربات قلبها قليلاً... تنهدت بعمق... ورفعت المصباح في يدها قليلاً... ثم ابتلعت ريقها... وواصلت السير.
لا شيء سوى الصمت... وأخيراً... بدت من هناك... امرأة في الثلاثين من عمرها... ثيابها متهالكة... تجلس على صخرة كروية... شعرها منتفش... نظراتها شاردة... لا شيء في هذا الكهف... سوى الظلام الدامس... وكتاب قديم... بجواره مصباح مُطفأ... وأوراق مُبعثرة... رُسِمَ عليها صور لأشباح.
وعلى حجرة مكعبة الشكل... ذات لون أسود... كانت إيناس جالسه في وحدتها وصمتها... أحست أن شيئا يقترب منها... ألقت نظرة حالمة جهة الدكتورة... ذات الوجه الذي بدأ يتلألأ... من وقع الأشعة الزرقاء عليه... قامت إيناس في هدوء... بدا وكأنها تنتظر شيئا كهذا... فردت يديها.
لم تتمالك الدكتورة نفسها... أحست بخفقان شديد... ولكنها حاولت أن تتجلد... لذا قالت بصوت بطئ:
أنتِ... وصلتِ... لما تريدين... وصلتِ لما تريدين... سوف يكون كل شيء طوع أوامركِ ".
تقدمت إيناس مُرتجفة... وتقدمت بخطوات مُتهالكة... كانت تقول:
- " لا أحد يصدقني... جميعهم يكذبونني... أنا في نظرهم كاذبة ".
- " لا عليكِ... ولكن قبل كل شيء... خذي قطعة الحلوى هذه... إنها مُذهلة... سوف تُنسيكِ عناء السنين ".
- " قطعة حلوى! ".
- " نعم... قطعة حلوى ".
أخرجت الدكتورة نورة كيساً بلاستيكياً... فيه قطعة حلوى... فتحت الكيس... ومدت الحلوى... في حين تناولت إيناس الحلوى... قلّبتها... لم يطل تفكيرها... لقد وضعتها في فمها... استطعمتها... ثم قالت:
- " إنها حلوى رائعة... رائعة ".
لم يطل الوقت لقد جلست إيناس... ثم تمددت... ثم دخلت في نوم عميق.
نظرت الدكتورة نورة حولها بشيء من الذعر... ثم خرجت... استقبلتها الأستاذة علياء بقلق... قالت:
- " قولي لي... ماذا حصل... ماذا حصل؟".
- " لا عليك... الأمر على ما يرام... علينا أن نتصل بسائق الإسعاف... في الأسفل... ليحضر النقالة... لقد دخلت في النوم... نومها ستستمر لساعتين... سنتمكن خلال الساعتين من نقلها للمصحة... وحقنها بحقنة منومة أخرى... أوه لازال أمام علاجها وقت طويل... ربما احتجنا لإبقائها مدة شهرين ".
بدأت الأستاذة علياء في ضرب أرقام جهاز المحمول لديها... وطلبت في حضور النقالة فوراً.
وبعد إنهاء الاتصال... قالت الدكتورة نورة... وكأنها تذكرت شيئاً مهماً:
- " أوه أرجوكِ خذي النور... والتقطي صُوراً بقدر ما تستطيعين... للمكان... وللكهف من الداخل... ولإيناس... كل هذه الأشياء مهمة... وصورتي وأنا أرتدي هذه الملابس... وأيضاً صورة إيناس عندما تُحمل في النقالة... وعندما توضع في الإسعاف... بقدر ما تستطيعين... اجمعي الصور ".
- " حاضر دكتورة ".
(6) أفغاني
في فناء القصر الساحر... كل شيء يوشك أن ينفلت بقصيدة شاعرية... ضوء الشمس المنطلق من أحضان الغروب... وصوت النافورة الرخامية هناك... وحفيف الأشجار... وتلألؤ مياه البركة... على انعكاس أضواء جوانبها الخافتة.
الدكتورة نورة... إنها موجودة هنا... إلا أن وجودها هنا... لا يعدو كونه وجودا بجسمها فقط... نظراتها مخنوقة خلف رمش جفنيها... أشبه بسجين... يخنقه وجوده خلف القضبان... ولا تلبث يدها أن ترتفع... لتمسح العرق المتفصد على جبينها... وربما الدموع المنحدرة على خديها... ولا يخفي مرورها بنوبة من التوتر.
في يدها أوراق... وأمامها على الطاولة الخشبية أوراق... وكتب أيضا... وكأس من عصير البرتقال... في جانبه تستدير شريحة كيوي خضراء... وقصبة... إلا إن الدكتورة نورة... لم تهتم لشأن العصير كثيراً... فعقلها مكدود بما يعتمل داخله.
أخيراً... سمعت الدكتورة نورة صوت السيارة المرسيدس... إنها تقترب من القصر.
مرت لحظات... ثم فُتحت البوابة بطريقة كهربية... وبجهاز التحكم الالكتروني.
أيقنت الدكتورة نورة... أن السيارة التي ستخل... عبر البوابة... هي سيارة زوجها كامل... بيد إن السيارة... توقفت قليلا قبل أن تدخل.
استغربت نورة... سألت نفسها:
- " لماذا توقفت السيارة بعد أن فُتحت البوابة"
أرخت الدكتورة سمعها أكثر.
الواقع أن الدكتور كامل... بعد أن أوقف السيارة أمام البوابة... فتح النافذة المجاورة... ومد يده جهة شخص على الرصيف... يحمل مقص أشجارٍ في يده... ناداه في حال شعور كبير بالكبرياء.
وعندما أقبل الرجل... صاحب الثماني والخمسين عاما... قال له كامل:
- " ماذا تعمل هنا ؟ ".
- " أنا ؟ ".
نظر الدكتور كامل نحوه باحتقار أكبر... وقال:
- " نعم أنت!... ماذا تفعل جوار القصر؟"
- " تكلمني أنا؟"
زفر الدكتور كامل زفرة طويلة... ثم قال:
- "نعم... أكلمك... وهل تصنع من نفسك أحمقاً؟... أم أنك تظن أنك مهرج؟ ".
أجاب الرجل بلغته العربية المكسرة:
- " سامحك الله ".
- " ماذا تفعل هنا؟... قل !".
- " أنا!... يا صديقي... كما ترى... أقلم أشجار الشارع ".
- " آه... أشجار الشارع... قل لي... من هو كفيلك ؟ ".
- " هـ... هـ... هـ... كفيلي وكفيلك... هو الله ".
نظر الدكتور نحوه بغضب... ثم أردف:
- " لحساب من تعمل ؟ ".
- " أنا... عامل في الشئون البلدية"
هز الرجل معطفاً قديما يربض على عاتقيه... وبدا مكتنزا بداخلة نفسا عزيزة... لا تقبل الذل والضيم... ثم أردف في ثقة:
- " أنا هنا مسئول... نعم... مسئول"
قالها بافتخار... في حين رد كامل بتشنج:
- " مسئول!... كيف؟"
- " مسئول... عن أشجار هذا الشارع... أرويها... آ... أُنظف أحواضها... آ... وحين يجيء وقت تقليمها... أقلمها ".
- " ما جنسيتك ؟ ".
- " إنسان... أنا إنسان مسلم... مثلك تماماً... لا فرق ".
- " إنسان مسلم؟!... نعم نعم... جميل... لم أقل أنك كافر... قل لي... من أي بلد أنت؟ ".
- " أنا... هـ... هـ... هـ... أنا أفغاني ".
- " آه... هـ... هـ... هـ... أفغاني؟... طالباني!... لقد عرفت ذلك من شعر وجهك ".
- " أراك تضحك مبتهجا... هل أنت سعيد بنفسك ".
- " كلا... من يراك لا يكون سعيداً أبداً"
- "فلم تضحك إذن... هل أنت ممن يضحكون دون سبب؟"
قطب كامل قليلا... لأنه عرف مغزى الكلمة الأخيرة... ولكنه تجاهل الوضع... وأردف:
- " أنت تجيد العربية... وتجيد أيضا رصف الكلمات... هل تعلم سبب استدعائي لك؟"
- " كلا... قل"
-" لقد استدعيتك... لأقول لك... إن مهنة قص الأشجار... في أمريكا... أصبحت مهنة محترمة... مهنةٌ لا يعمل فيها إلا كفاءات مختصة... من حملة الشهادات العليا... إنهم يقصون الأشجار بطريقة تجعل من الشجرة لوحة فنية... هل تتصور ذلك؟ ".
قال الرجل... وهو يتكئ بعفويه... على عمود رخامي جوار البوابة:
- " نعم... صدقت... هُم يقصون الأشجار... ويقصون الأخلاق ".
- " أوه... الأخلاق... أراك فيلسوفاً... على كلٍ... لا علينا... كل ما أريد تنبيهك له... هو... ألاّ تقترب من الأشجار التي أمام منزلي... لا تقربها أبداً... لا تقصها... هل فهمت... سوف أحضر خبيراً مُختصاً في تصميم الحدائق... ليقصها... بشكل يتناسب مع إطارات الفيلا... لحُسن حظك... أنني أتيت قبل أن تقصها... وإلا... قصيت لحيتك... هـ... هـ... هـ".
بدا الغضب على وجه خليل أسد الرحمن... الرجل الأفغاني... واعتدل في وقفته... وقال في إزدراء:
- " لا أحد يستطيع أن يقص شعرة من لحيتي... نحن قصَّينا رؤوس الروس ".
أدار خليل أسد الرحمن ظهره للدكتور... وانصرف... في حين ابتسم الدكتور كامل... وقال يُحدِث نفسه:
- "هـ... هـ... هـ... بشع... بقية باقية... من القرون الوسطى... رجعيون... قطعنا رؤوس الروس ؟!... هـ... هـ... هـ... مسكين... أمريكا هي من قطعها لكم ".
تحركت السيارة للداخل... وأُقفلت البوابة الكهربائية... لقد كانت سعادة كامل عارمة... عندما رأى زوجته جالسة بجوار النافورة... نزل من السيارة... ومد يده مُحيياً... ثم قال:
- " ابقي مكانكِ... سأُبدل ثيابي... وآتيكِ... فوراً... ".
7- قصة إيناس
بدت أرجاء الدنيا مُظلمة... وبدا أنها تتنفس بصعوبة... من بقية بقايا النور... الموجودة في الأفق... و بدا البدر في السماء الشرقية... لاهثا هناك... يبعث برقيات نور حثيثة... إلى كل أفراد الدنيا القريبة... المخنوقين بشيال العتمة.
ما زالت نورة جالسة مكانها... إنها تكتب وتدون... وأخيراً... خرج كامل... لقد لفّ على رأسه منشفة كبيرة... والخادمة تتبعه... وفي يدها طبق يحوي كأساً من عصير البرتقال... تحدث كامل رافعا صوته:
- " عزيزتي... نورة... لقد تأخرت قليلاً... أعرف... ولكني قررت أن أستحم... وبقيت قليلاً مع جمال ".
وصل كامل إلى زوجته... قامت له... في حين قبلها بإخلاص... وقبلته هي أيضاً... سحب الكرسي... ووضعت الخادمة كأس العصير... ثم أكمل كامل حديثه وهو يجلس:
- " إنه مُذهل... جمال هذا... إنه مُذهل... أنا مُتابع جيد للمتحف الرائع... الذي يعتزم بناءه في غرفته ".
نظرت نورة إلى كامل... بدا وأنه سرِّي عنها قليلا... ثم قالت:
- " بالطبع يا حبيبي... إنه رائع... جمال يسبق سنه بكثير... إنه يفكر بطريقة مُدهشة ".
- " تربيتك يا عزيزتي... تحوي السر كاملاً... أنتِ تمنحينه الحرية... تعطينه أفقاً واسعاً... وتمكنينه من الاختيار... إنها طريقة مُذهلة في التربية ".
- " لا... لا... يا عزيزي... أنت السبب... صدقني... أنا واثقة من ذلك... أنت منحته حُباً وعطفاً... أنت تُثني عليه وتُشجعه دائماً... خاصةً مع انشغالي... إنه لا يشكو من أي عُقد نفسية... ولا يعرف التوتر ".
- " صحيح... لقد استفاد مني المنطق والعقلانية... واستفاد منكِ الحرية والثقة في النفس... إنها مفاتيح التربية الناجحة ".
- " ولكن... قل لي يا كامل... لماذا توقفت خارج البوابة... قبل قليل... ومن هو الشخص الذي كنت تتحدث معه؟! ".
- " هـ... هـ... هـ... هل سمعتِ الحوار؟... إنه مُدهش هـ... هـ... هـ... أفغاني هـ هـ هـ".
- " سمعت الحوار... نعم... ولكنك كنت قاسياً عليه ".
- " أنا قاسي؟!...لا... لا... بالعكس... كنت فقط أمزح... ولكنه كان بشعاً ".
- " تحمل في قلبك... حقداً كبيراً للأفغان... أليس كذلك؟ ".
- " ليس حقداً بمعنى كلمة الحقد... ولكن... من يعيش في الدول المتقدمة... ذات القوانين وذات الحريات... وذات النظم الديمقراطية... ثم يقارنها بتلك الشعوب... التي لا زالت في المراحل البدائية الأولى... للإنسان... يجد نفسه - قسراً عنه- ينظر لهم باحتقار... لست أدري لماذا... ولكن... أنا دائما أسأل نفسي... لماذا لا تضع الدول المتقدمة... برنامجاً... لاستعمار دول العالم الثالث؟... استعمارها وإعمارها من جديد... وسن القوانين فيها... وجعل الحريات والديمقراطية ممارسات فعلية ".
- " تقصد احتلال ؟! ".
- " نعم... تصدقين... من أهم مسئوليات الدول المتقدمة... أن تُعيد استعمار دول العالم الثالث... وبالأخص... أفغانستان ".
مدت الدكتورة نورة يدها لتأخذ العصير... وقالت أثناء ذلك:
- " إنها أفكار جديرة بالدراسة... مع أني غير مهتمة بالسياسة... أنا أستاذة الطب النفسي في الجامعة... وباحثة في الأمراض النفسية... ومُعالجة إدمان... أظن هذا كاف جداً ".
- " نعم... إنه كاف لأبعد حد... أنتِ ثروة وطنية كبيرة... ولكن... قولي لي... ما أخبار صديقتكِ؟ ".
- " إيناس... إيه... وضعها مأساوي... مأساوي للغاية ".
مد كامل يده ليأخذ العصير... أمسك الكأس... رفعه وهو يقول:
- " أحب أن أسمع القصة كاملة... قولي لي... ماذا حصل لها بالضبط؟ ".
- " القصة... يا حبيبي... كالتالي... قبل أسبوع... شرعت إيناس... في جريمة مذهلة... تصور... كادت تقتل طفلها الوحيد".
جلس كامل مهتمَّا... وقال في ذعر:
- " ماذا؟... تقتله؟! ".
- " تصور!... لقد وضعته في المسبح... وتركته... ودخلت في عالم أوهامها الخاص ".
- " ما حقيقة مرضها؟ ".
- " لا أحد يدري... ولكن... المهم في الأمر... أن زوجها الهالك... هو من أغراها... بتعاطي المخدرات ".
- " زوجها!... أمر غريب... لماذا؟! ".
- " لأنه مُدمن... وسُجِنَ أكثر من مرة... وفُصِلَ من وظيفته... لذا كان عليه أن يجد من يشتري له المُخدر ".
- " كيف؟!... لم أفهم ".
- " أنا أشرح لك... إيناس كانت موظفة... وكان راتبها مرتفع بدرجة ما... وكانت تقوم بمصاريف المنزل... وبعد أن فُصِلَ زوجها من عمله... احتاج المخدر... ولم يكن يجد ثمنه... طلبها المال... ولكنها لم تكن تعطه ما يشتري به المخدرات... لذا قرر أن يعطيها جرعات من المخدر... دون علمها... كي يضمن إدمانها... وبعد إدمانها... يكون من السهل أن يجعلها تشتري المخدرات ".
- " أوه... فكرة جهنمية... هذا المجرم ".
- " لم تقف المأساة عند هذا الحد... لقد قتلته في النهاية ".
- " ماذا... قتلته؟! ".
- " نعم... قصة مرعبة... سيطول سردها"
- " قولي... قولي... كيف ذلك؟"
- " سأقول لك... مرة من المرات... أحضر هذا الزوج... أصحابه للمنزل... وبعد تعاطيهم للمخدر... هجموا على المرأة المسكينة... جميعاً... المذهل... أنه كان واحداً منهم"
- " قولي... ثم ماذا؟... يا الله"
- " لقد انقلبت الموازين... لأنها قد احتاطت لنفسها... خوفا من يوم كذلك اليوم... لقد وضعت قطعة من السلاح بين ملابسها"
-" المهم؟"
- " المهم... أطلقت عليهم النار جميعا... كانوا أربعة... مات اثنان وبقي اثنان... جُرحا... وشهدا بالجريمة... لذا برأها القضاء ".
- " مُذهل ".
- " المشكلة ليست هنا... وإنما في حدث آخر ".
- " المشكلة ليست هنا؟!... إذن أين تكون؟ ".
- " أهلها... نعم... فبعد خروجها من السجن... ومعرفة أهلها... بأنها أصبحت مُدمنة... وجدوا وأنها لا تستغني عن المخدر... وأنها بدأت تتعامل مع أحد المروجين... عرفته عن طريق زوجها"
-" مروج؟"
-" نعم... رجل في الثلاثين... كان يحضر لها ما تطلبه من المخدر... مسكينة... كانت مبتلاة... وكانت تحاول الاستشفاء... ولكنها لم تستطع... لذا قرر أهلها التصرف معها... بطريقتهم الخاصة... لينزعوها من أتون الإدمان ".
- " ماذا فعلوا ؟ ".
- " لقد حبسوها في غرفة منزوعة الأثاث... لا يوجد فيها شيء... سوى الأسقف والجدران... ويُدخلون لها الطعام... على شكل أرغفة محشوة... ومن تحت الباب... والماء يدخلونه عن طريق أنبوبة صغيرة... حبسوها... وبقيت شهراً كاملا... على هذا الحال"
- " هذه قسوة"
- نعم... قسوة... وجهل مركب... لقد خرجت بعد انتهاء المدة التي قرروها لها... ولكنها خرجت معتوهة... تعيش في عالم آخر... مع الأشباح... وتسميهم الملهِمين لها... إنها مسكينة ".
- " نعم... إنها مسكينة... ولكن قولي لي... هل ما زالت تتعاطى المخدر؟ ".
- " كلا... لقد تركته... ولكني أفكر في شيء ما... إنها الآن في المصحة... نائمة... سأبقيها مدة شهر... أفكر في أن أحقنها بكميات محددة... من المخدر ".
- " أنا لا أفتي في أمور كهذه... أنت أعرف... ولكن... أبحاثك... إلى شيء أوصلتك؟ ".
- " لست أدري... أنا أفكر بجد... هناك خطوة مهمة... نقلة نوعية... لو نَجَحَت... لا أدري ماذا أستطيع أن أقول ".
- " قولي... ماذا لو نَجَحَت؟ ".
- " لو نَجَحَت... لكان أقل ما تستحقه الأبحاث... أن تنال جائزة نوبل ".
صرخ كامل بفرح:
- " نوبل ".
ثم قام يرقص... وأمسك بيد نورة... وبدأ يتمايل... في شبه هستيريا... ثم قال:
- " يا سلام... من هذا البلد... أستاذة في الطب النفسي... تأخذ جائزة نوبل... شيء رهيب ".
سحبت الدكتورة نورة يدها في خجل... ثم قالت:
- " لا تستعجل يا حبيبي... هناك خطوات طويلة ".
- " اطمئني... سأقف إلى جوارك بكل طاقتي... سأساعدك... بكل ما أستطيع ".
ابتسمت... ومدت يدها نحو يده... ثم رفعتها لتقبلها عرفاناً... ثم قالت:
- " أنت زوج عظيم ".
- " سيكون في منزلنا جائزة نوبل... ولكن قولي لي... فيم تتلخص الفكرة؟ ".
- " المصل... المصل المضاد... لمادة المخدر"
- " مصل مضاد لمادة المخدر... جميل"
- " بعد أن تسري مادة المصل المضاد... في جسم المدمن... يقوم الجسم... وبعملة ديناميكية... برفض مادة المخدر... مقاومتها... وعندما يعاود المدمن تعاطي المخدر... يشعر بضيق شديد... ويشعر أن جسمه يرفض المخدر"
-" رائع... رائع جدا "
- " وعندها... تتغير مشاعر المدمن تجاه المخدرات... ويكرهها كرها شديداً... ويبدأ الجسم في محاربة مادة المخدر... ويعتبرها أجساماً دخيلة... حرب من الداخل ".
- " رائع... رائع... هل توصلتِ للمصل؟ ".
- " لا... لا... لا تستعجل... هذه هي بداية الفكرة... المصل يحتاج لأبحاث مُضنية... حتى نحصل إليه... وأصعب من ذلك... قد نحتاج إلى أنواع كثيرة من المخدرات... نفحصها... ونعيد تركيبها... ونضعف محتوياتها... أمر يطول... أرجو أن لا يكون مستحيلاً ".
-" أوه... ليتني لم أفرح؟... هـ... هـ... هـ"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق