الأحد، 19 سبتمبر 2010

الجزء السابع

الجزء السابع


 

الفصل السادس والعشرون
 

1- تردد حول شخصيته
يحك صلعته… ثم يُخرج غليونه… ويضع فيه قليلا من التبغ… ثم يضعه أمامه على الطاولة… دون أن يشعل فيه النار.
يعظّ على شفته السفلي… وينظر للسقف… داخلا في تفكير عميق… ثم يسند ظهره… ويمد يده للفأرة أمامه… يحركها… ويفتح عددا من الملفات المغلقة… ثم يكبس زرا أمامه… وتدخل السكرتيرة… ثم تتجه لمكتبه… وتُعد بعض أوراقه… في حين يقوم… ويسير خطوتين… ليرتدي بدلته المعلقة هناك… بعدها يسأل:
 

-       " هل حضر الجميع؟"
 

-       " بالطبع… هم في انتظارك"
نظر الجنرال بون… للمرآة… تفحص أنفه جيدا… لأنه تذكر أنه كان يعبث فيه… منذ قليل… وتفحص شعره… ثم غادرها.
سار بخطوات متسارعة… دخل قاعة الاجتماع… ألقي التحية… ثم جلس… ونظر للجميع… دون أن يبتسم… بعدها قال:
- " كل التقارير… التي تتحدث عن أشرف… جيدة… إنه يعمل باجتهاد… وكما هو مخطط له… بيد إن المشكلة الأهم… هي ضمان مشاعره… ولائه… انطباعاته نحو حقيقة عمله… لا نستطيع أن نشك في نجاحاته… حسب الخطة… بيد أن المهمة الأصعب… لم تحن بعد… التقارير التي أمامي… تشير إلى وصوله للذروة… لقد استطاع أن يكسب ثقة عدد من القادة… في القاعدة… ولكن… في رأيي… قد يكون من الاستعجال… تكليفه بالمهمة الكبيرة… إنه أمر دقيق وحرج… لقد قرأت توصياتكم جميعا… وفخامة الرئيس بذاته… مهتم بآخر التطورات… ثقوا أننا نعمل من أجل أمريكا… أمريكا تستحق ذلك… بالطبع"
نظر الجنرال بون عن يساره… ثم قال:
 

-       " تفضل سيادة البروفيسور… الوقت لك الآن:
تقدم البروفسور ديفد قليلا على مقعده… وبدأ يحرك أصبعه على المربع المتوسط في جهاز الكمبيوتر الشخصي… أمامه… ثم قال:
 

-   " عليكم أن تطالعوا لوحة العرض… سأتصفح عددا من الصور أمامكم… جميعها التقطت لأشرف… وهو في مصر… أو.. في دبي… أو في باكستان… وأخيرا في أفغانستان… إنه بالفعل رجل ذكي… وقد اقتنع به العديد من المستهدفين… بيد أن المشكلة الحقيقة… فيه هو… هل هو مقتنع بشخصيته الجديدة… هـ… هـ… لا أحد قادر على معرفة ما يدور بخلده… قد تتغير قناعاته بالفعل… هناك تجارب سابقة… صدقوا أو لا تصدقوا… الإسلام يحوي شيئا ما… بداخله… أنا لا أعرفه بالضبط… ولكن… علينا أن ندرك أهناك فرقاً كبيراً… بين أن نوظف شيوعياً… ليعمل لمصلحتنا… في الاتحاد السوفيتي… وبين أن نوظف مسلماً… ليعمل لمصلحتنا… في بلاد المسلمين… انظروا للصور"
 بدأ البروفيسور في تدوير الصور الثابتة… كان جل الصور… تُبدي جلسات جلسها أشرف… مع أصدقائه… جميعها تركز على وجه أشرف… قال البروفيسور:
 

-       " أنظروا… إنها علاقات حميمة… ألا يخيفكم هذا… أنا لا أدري"
قال الجنرال بون:
 

-   " كلامك جدير بالملاحظة… بيد أننا لو نظرنا في تفسير كل ما يقوم به العميل… فلن نثق أبدا في عميل… لقد راجعت تاريخ كل عملاء أمريكا… في معظم البلدان… سيرهم الذاتية تجعلنا مضطرين لعدم التراجع… العميل هو العميل… أعطه الثقة في نفسه… وراقبه جيدا… وإذا تأكدت من خيانته… فلا تتوان في قتله… هذا كل ما في الأمر… نحن نستطيع الشك في أشرف… ونستطيع قتله… ولكن… من أين لنا برجل مثله… قادر على تنفيذ مخطط يغير وجه الدنيا… نحن مضطرون لعدم التراجع… هل من آراء؟"
دار الحوار قرابة الساعة… كان الحديث فيها عقلانيا وهادئا… بعدها قال الجنرال بون:
 

-   " أذن… هناك شبه إجماع… على أن نكشف لأشرف… حقيقة المهمة التي سيقوم بها… سنرسل له الخطوات القادمة… التي عليه أن يتبعها… أنا واثق أنه سينجح"
 
 

2- السلاح…التجارة القذرة
يركب سيارة (كاديلاك)… بثمانية أبواب… يبدو مضطربا لأقصي حد… ثم تمرق سيارته بسرعة… من بين حشود المتظاهرين… أمام بوابة المصنع.
إنه المالك الأكبر… لأسهم الشركة.
المشكلة الآن… تكمن في أن صناعته… في قطع الغيار الصغيرة… للدبابات… على وشك الانهيار… ليس ثمة عقود جديدة… ولا أموال لسد جَوعة كل هؤلاء الموظفين… كلهم مؤهلين بدرجات علمية عليا… ولديهم تخصصات دقيقة… ولا يوجد عمل ليعملوه في هذه المصانع… لقد كسدت تجارة الأسلحة… أصبحت وبالا على أصحابها.
بعد مرور ما يقارب الساعة… تصل السيارة… للبنتاجون… ويُسمح لها بالدخول… بشكل اعتيادي.
تسير السيارة في الشوارع بسرعة… وعند مدخل أحد المباني… يقف عدد من الأشخاص لاستقباله… ينزل… ولا يهتم كثير لشأن المستقبلين… يدخل من البوابة… ويتجه لأحد المكاتب… يدخل… ويقف الشخص الجالس على كرسيه هناك… يتصافح الرجلان… ويجلسان بجوار الشرفة… على مقعدين متقابلين… بينهما طاولة صغيرة بعض الشيء… ويدور الحديث التالي:
 

-   " كل الأمور تسير في الاتجاه الخطأ… جميع الاستراتيجيات تتحدث عن العراق… أو إيران… أو ليبيا… لا يمكن إدخال كل هؤلاء… في المعادلة… وأفغانستان… أفغانستان ليست الطعم… أفغانستان يصعب خوض حرب فيها… الغبي من لا يعتبر… جميع التقارير تشير لكون الجغرافيا والديموغرافيا… ليست معنا في هذا البلد… ونفط قزوين… لم نتحقق من كمياته… لا توجد دراسات جدية في هذا الإطار"
 

-   " عزيزي… لا تكن متشائما… أنتم هكذا دائما… يا تجار السلاح… لا يمكن أن تفكروا إلا في حروب طاحنة… لا تعجبكم الحروب السريعة… أنتم تفكرون في الدمار الشامل… لأن فيه سر بقائكم"
 

-       " وأنتم السياسيون… ماذا عنكم؟ "
 

-       " ضربات سريعة… تغير أنظمة الحكم… شركات استثمار… مشاريع بنية تحتية… تجارة حرة… وبعدها نكسب"
 

-       " هـ… هـ… هـ… وكيف تجدون كل ذلك في أفغانستان… كم من الأفغان سيكون معكم؟"
 

-       " الأمر سهل… التحالف في الشمال"
 

-       " أحمد شاه مسعود… أنت واهم… أنه أحد المجاهدين"
 

-       " لا… لا… لم تكن مصيبا في حدسك"
 

-       " لم؟"
 

-       " لن نظمه معنا"
 

-       " وماذا ستفعلون به؟"
 

-       " سيتم اغتياله… من قبل خطة محكمة… ينفذها بعض من سيعمل لصالحنا… وستقع التهمة على طالبان"
 

-       " اغتيال… أنتم أكثر سوءا من تجار السلاح… ثم ماذا؟"
 

-       " ثم يبحث التحالف الشمالي… عمن يقف معه… كي ينتصر لزعيمه الذي اغتيل… فلا يجد إلا نحن"
 

-       " ثم ماذا؟"
 

-       " ثم تبدأ القصة… ونكون مع تحالف الشمال… في خندق واحد"
 

-       " فهمت… وبعدها نفتح فم النار"
 

-   " هكذا يجب أن تكسب الحلفاء… وقبل أن تبدأ حربك… عليك ألا تحارب بيدك… وإنما بيد خصمك… لأن يدك… لو قُطعت… فسوف تهزم… ولكن… يد عدوك… لو قطعت… هـ… هـ… سيزداد ضراوة في قتال عدوك الآخر… وعندها… لن تعرف الخسارة"
 

-       "ومن سيشتري منا السلاح… في هذه الحرب… هل سنشتريه من أنفسنا" 
 

-       " لا عليك… بترول قزوين… سيعوضنا… عن كل رصاصة… الأبحاث تؤكد… أن نصف بترول العالم… في قزوين"
 

-       " إلى أي نقطة وصلتم في خطتكم… وما أخبار أشرف"
 

-       " أشرف يعجبك… لقد توغل في القاعدة لأقصي الحدود… لم يبق إلا السيناريو الأخير… إنه الإرهاب… والحرب ضد الإرهاب"
 

-       " مصطلح جيد… لو تمت خدمته جيدا"
 
 

الفصل السابع والعشرون
 

1- المجموعة المحددة
أشرف… بعمامته وسمته… يتقدم من هناك… ممسكا شعرات في لحيته… ثم يدخل.
وبدخوله… يقف عدد من الشباب… عددهم يزيد قليلا عن العشرين… وكلهم من العرب… كانوا جالسين في حلقة دائرية…. في بهو المركز الدعوي… في كابول.
يصافحهم أشرف… فرداً فرداً… ويتحدث مع بعضهم باللهجة المصرية الصرفة… وتبدو على قسمات الجميع… تباشير السعادة… ثم يجلس بينهم… ويسألهم… فردا فردا… عن أحوالهم… يردون بكل ابتهاج… ويسألونه بدورهم… عن حاله… ثم يقوم أحدهم… ليعد القهوة.
كانت علامات الإعجاب… بالشيخ أشرف تبدو عليهم… قال أشرف… في إعجاب بهم:
 

-   " أهلا بالمجاهدين… الذين تركوا الأهل والمال… وهبّوا في سبيل الله… لينفضوا تراب الركون للدنيا… وزخرفها… يحبون الموت… كما يحبون الحياة… وأي حياة… في ظل ظلمات الكفر… التي عمت سرابيلُها… وغطت كل شبر… ولم يبق فيها مُنادٍ بحق… إلا فئام قليلة… يصدق فيها قول رسول الله… صلى الله عليه وسلم… الغرباء… فطوبي للغرباء… وانتم من الغرباء… الذين على أيديهم سينزل النصر… وسيعود للأمة مجدها الضائع… ويعود دمها المسفوح… للشريان… كما قال الشاعر"
سحب أشرف ورقة كانت أمامه… وبدا يقرأ منها:
- " (قَدْ قُلْتُ مِتْنَا فِيْ الْمَتَاهَةْ…
                  أصبح الماضي هباء.
لَكِنَّ طِفْلاً…
    قَالَ لِيْ :
      - «كَلاَّ …
               فَمَا مِتْنَا…
                      وَمَا مَاتَ الإِبَاءْ»
لَنْ يَدْفِنُوا…
          دَمَنَا المُرَاقَ…
           عَلَى التُرَابْ.
فَدِمَاءُنَا…
        سَتَعُودُ لِلشِّرْيَانْ…
        كَيْ…
                تُحْيِي القُلُوبَ الغَافِلَةْ.
وَتَثُورَ مِنْ…
       أجْلِ العَقِيْدَةِ…
                 وَالبَقَاءْ.
وَعَزاءُنَا…
          طِفْلٌ سَيَرْمِيْ الْحَجَرَا…
ثُمَّ يُرْمَى…
     بالقَنَابِلْ…
     كَيْ يَمُوتْ.
حُقَّ لِلْمَوْتِ بِهِ…
       دَوْمَاً يُفَاخِرْ.
قَدْ يَمُوتُ الطِّفْلُ لَكِنْ…
     لَنْ تَمُوتَ الأُمَّةُ العُظْمَى الَّتِي…
     غَرَسَتْ فِي الطِّفْل…
                    مَعْنَى الاعْتِلاَءْ.
وَقَعَ الْخِزْيُ بِمَنْ…
        نَادَى …
              بِأَسْمَاءِ السَّلاَمْ.
وَفِيْ الْمِيْدَانِ أُوْرُوبَّا…
        تُقَطِّعُ لَحْمَنَا إرَبَاً…
     تُوَزِّعُهُ…
            عَلَى فِئَةِ الذِّئَابْ.
     وَتَهْذِيْ أمَّةٌ حَيْرَى…
                 تُسبّح بالسَّلاَمُ.
وَلَكنْ…
        لاَ سَلاَمْ .
سَنَقْتُلُهُمْ…
         وَلَوْ كُنَّا قَلِيْلاً…
سَنَقْتُلُهُمْ…
          وَلَوْ كُنَّا…
                بِجَيْشِ النَّمْلِ.
نَقْتُلُهُمْ…
           وَنَقْتُلُ كُلَّ أفَّاكٍ أَثِيمْ…
             فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ جُنْدَهُ…
                             وَالْمُؤْمِنُونْ)"
دفع أشرف الورقة عنه قليلا… ثم أكمل:
 

-   " قولوا لي بربكم… ما نصنع بين يدي الله… حين نُسأل… عن دماء الأطفال… في فلسطين… في العراق… في الشيشان… أليس الغرب… هم من بدأ الحرب… أليسوا… هم من جاء بجحافل الاحتلال… وقطّع أمتنا إربا إربا… ويتناسون ذلك… ويسمونه استعمار… أي استعمار… إي استعمار يتحدثون عنه… ولم يتحقق منه… سوى ذبح الشعوب… والقتل… والإبادة الجماعية… وسرقة المقدرات… ونحن الآن… لا نظلمهم… وإنما… نعيد الحق إلى نصابه"
استمر حديث أشرف… ينساب بهدوء أخاذ… في الوقت الذي تصغي فيه… عقول الموجودين… وقلوبهم… لقد عرض لأحداث التاريخ… وطبيعة الجغرافيا… وأحوال الشعوب… ولا يلبث أن تدمع عينه… عند تلاوته آية من القرآن الكريم.
وفي النهاية… تحدث أشرف… عن الانطلاقة الفعلية… لحركة المجاهدين العرب… الذين ستكون على يديهم الفتوحات… بعد توفيق الله… وذكر الموجودين… بأهمية التقوى… والتقلل من الدنيا… والبعد عن زخارفها… قال تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وزينة… وتفاخر بينكم… وتكاثر في الأموال والأولاد… كمثل غيث أعجب الكفار نباته… ثم يهيج… فتراه مصفرا… ثم يكون حطاما).
استمر اللقاء ساعة ونصف… بعدها… انصرف الشباب إلى سكنهم… الذي أعده المركز… في إحدى زواياه… خصيصا لهؤلاء الشباب… حيث تم توفير غرف نوم جماعية… بأثاث جيد… وطعام وشراب… مع مكتبة خاصة… وهم هنا… في ضيافة المركز.
بيد إن أشرف… حال انصرافهم… طلب من بعضهم… الجلوس… وبعد دقائق… أنفرد معهم في جلسة خاصة… شبه سرية… وتحاور معهم… حول العديد من القضايا.
 
 

2- مع نفسه
يتصفح مواقع هامة… ويدخل معظمها… برقم سري… ويراجع دراسات عسكرية… واستخباراتية… ويفتح ملفات إستراتيجية… دقيقة… يقرأها… ثم يحذفها… من جهازه… ثم يعيد التصفح… ويدخل على مواقع لبنوك أجنبية… يُدخل كلمات المرور فيها… ثم يحول مبالغ كبيرة… من حساب لآخر… لا يوجد حدٌ أعلى للتحويل.
يستمر أشرف… في استعراض العديد من الحسابات البنكية… بعضها في أمريكا… وبعضها في بريطانيا… وبعضها في باكستان… ثم يقفل الحسابات… ويقفل الجهاز… ويرجع ظهره للخلف… مسترخيا.
يدخل في تفكير عميق… بعدها… يقوم… يتجه لمكتبته الكبيرة… ويتناول عددا من الكتب… بعضها ديني… وبعضها سياسي… يجلس متربعا… ويبدأ في القراءة… والمراجعة… والمقارنة… ويستمر على هذا الحال لساعات.
 
 

الفصل الثامن والعشرون
 

1- عقلية اللا مؤامرات
إطلالة رائعة… عبر الشرفة الجنوبية… لمبنى البنتاغون الرئيسي.
يسحب الرئيس كرسيه… ويشبك أصابعه… ويضعها على المكتب… ثم يقول:
 

-       "(الحرب ضد الإرهاب)… يا لها من نظرية… ستكون هي البداية الحقيقية… لإمبراطورية أمريكا… أليس كذلك"
ترد المستشارة… بعد أن ترفع ساقا لتضعها على أخرى:
 

-       " حالها حال نظرية…(التفكير بعقلية المؤامرة)" 
 

-       "أوه… كانت نظرية عبقرية؟ "
 

-   " بالتأكيد… نظرية (التفكير بعقلية المؤامرة)… من أهم النظريات… في حربنا ضد العرب… لقد سادت هذه النظرية… عقول كثير من المثقفين… العرب"
 

-   "بالفعل… كانت ذكية جدا… لأن المثقفين من خلالها… كانوا ينفون أن يخطط الآخرون ضدهم… هـ…هـ… غريب… كيف انطلت عليهم… يمتلكون ثروات العالم… ويريدون من بقية البشر… أن يقفوا دور المتفرج… وأن لا يخططوا ضدهم"
 

-   " وكان كل من يفكر في انتقادنا منهم… يتوقف عن نقدنا فجأة… خشية أن يقال عنه… إنه يفكر بعقلية المؤامرة… كانت نظرية ساحرة"
 

-    " ولكن… أتدرين… تتميز نظرية (الإرهاب… الحرب ضد الإرهاب)… بأهم خاصية… وأروع خاصية…إنها أهم من نظرية… (التفكير بعقلية المؤامرة)"
 

-       " صحيح؟… وما هي؟ "
 

-   " نظرية الحرب ضد الإرهاب… تمكننا من عمل أي شيء… دون أن يقف في وجهنا أحد… الإرهاب… شيء… لا لون له… لا طعم له… لا رائحة له… لذلك… نحن… نستطيع تتبعه… في كل مكان… في كل اتجاه… في كل غرفة نوم… هـ… هـ… هـ…"
 

-       " هـ… هـ… هـ… صحيح"
 

-   "حتى القانون… القانون… لن يرصدكِ… لن يسألكِ… لأنك حين تفتشين في الجيوب الخلفية… لسراويلهم… فلا أحد يحق له… أن يسألكِ… فأنت ربما… تفتشين عن الإرهاب… لأنه… ربما… كان هناك"
 

-       " بالفعل… والإرهاب الذي نحاربه… لا يمكن لأحد أن يدافع عنه… لأنه أصلا غير مرئي… وهنا تبدأ اللعبة"
 

-       " ولكن… قولي لي يا دكتورة… ما نتائج الدراسات التي تتحدث عن آثار أعمال كهذه… على الشعب الأمريكي"
 

-   " جميع علماء الاجتماع… المشاركين معنا في المشروع… يؤكدون ثقة الشعب… في حكومته… وفي إعلامه… وعندما يتم توظيف الإعلام… لمصلحة فكرتنا… فلن يخرج الشعب عما نريده… وكما تعلم… الإعلام يملك الرؤية نفسها… حول الشرق الأوسط… والشرق الأدنى… ولكن"
 

-       " ماذا؟"
 

-       " ننتظر من سيادتكم… إصدار الأوامر النهائية… حول تكليف أشرف"
 

-       " لن يكون ذلك بالبعيد"
 
 
 

الفصل التاسع والعشرون
 

1- من قتل شاه
قال… وهو يضع يده تحت ذقنه… ويضع قدما على أخرى:
 

-       " لقد تم تنفيذ العملية… وبكل نجاح… وقتل شاه مسعود"
 

-       " يبدو أن أشرف… كان بالفعل… الرجل المناسب… في المكان المناسب"
 

-       " بالتأكيد… والآن… نستطيع أن نرسل له… وبكل ثقة… ما يجب أن يعمله… من خطوات مستقبلية"
 

-       " ليس قبل أن تجري دراسة كاملة… لردود الفعل… التي سيتعاطى بها تحالف الشمال… مع مقتل زعيمهم"
 

-       " لا عليك… بعد هذه اللطمة… سيصيبهم العمى… ولن يمانعوا أبدا… في دخول حرب ضروس… ضد طالبان"
 

-        " ولكنهم… قد يمانعوان… في دخول حرب… نحن طرف فيها"
 

-       " لا… لا… اطمئن… سينظرون لنا… على أننا المحرر… ألم يدخلوا من قبل… معنا… في حربنا ضد الروس"
 

-       " الروس… كانوا مختلفين معهم… في العقيدة… أما الطالبانيون… فهم منهم"
 

-       " ربما… ومن ترشح… لعمل دراسة ردود فعل تحالف الشمال… وإمكانية تعاونهم معنا… من عدمه"
 

-       " مركز براون واشنطون… إنه مختص في القبائل الأفغانية… وله دراسات أفادتنا كثيرا… في حربنا مع الروس"
قام كل من الرئيس… وباول… واتجها سويا… للجلسة الخاصة… في إحدى زوايا المركز… وبدءا في متابعة إحدى القنوات الإخبارية.
 
 

2- الجنرال… وهندسة العمليات
اجتماع في الهواء الطلق… يمد يده… وحمل الشوكة… ثم يغرسها في قطعة من الكيك أمامه…… ثم يرفعها لفمه… يتركها هناك… ويخرج الشوكة… ثم يمد يده… ويأخذ كوب عصير الليمون… ويشرب منه جرعة… ثم يعيده مكانه… ويلقي بصره للبحيرة الاصطناعية… أمامه… في مزرعته الضخمة… ثم يقول:
- " قل لي يا هالري… ما أخبار المهمة الأخيرة… التي كلفناك بها؟"
يعدل هالري كرسيه البلاستكي… ليقابل البحيرة… ثم يقول كعسكري متقاعد:
 

-       " شروط محددة… وواضحة… في العمل الذي خططنا له… وسينفذه عدونا… سينفذه ضدنا"
 

-       " نعم… جيد… نخطط لعدونا… كي يضربنا"
 

-       " بالتأكيد"
 

-       " يالها من حكاية… قل لي… كيف؟"
 

-   " أولا… يجب ألاّ يكون عدد المدنيين كثيرا… سلامة المدنيين… في غاية الأهمية… ثانيا… يجب أن تكون التكاليف المادية… جراء العملية… كبيرة جدا… ثالثا… يجب أن يعمل الإعلام… باحتراف وبراعة… ليقنع الشعب الأمريكي… وشعوب العالم… بأن الإرهاب… هو وحده من دبر العمل… رابعا… أن تصبح الحرب على الإرهاب… إستراتيجية يتطلع لها كل الشعب الأمريكي… أليس هذا كل ما في الأمر"
صمت الرئيس… في حين تحدث الجنرال ديك براون معلقا :
 

-   " ليس من السهولة… التكهن… بما يدور داخل رأس الشخص… الذي سيقوم بالعملية… نحن نخطط خططا عامة… ونقنعه بإمكانية أن ينتصر علينا… ثم نتغاضى عنه… حتى ينفذ مخططه… ثم نلقي القبض عليه متلبسا… ونلاحقه في كل مكان… هذه بالضبط… فلسفة خطتنا… إنه كمين… مجرد كمين"
قال الجنرال باني بليار:
 

-   " بيد إنك كلما نجحت في استدراج المتطرفين… كلما كنت غير قادر على توجيههم… يجب أن نكون حذرين… حذرين جدا… أشرف هناك… يعمل معهم بجد… أعلم ذلك… لقد استطاع جمع الكثيرين من العرب… وهم يسيرون في فلكه… ويمكنه أن يخوض بهم البحر… ولكن… نخشى أن نفتح لهم باب إيذائنا… فيكون الأذى الذي يوقعوه… رهيب… غير محتمل… لأننا في الواقع… نفتح صدرنا… ونغري عدونا… بأن يطعننا… ونتصرف… كأننا لا نراه… فإذا حمل الخنجر… وأهوى بها علينا… نمسك يده قبل انغراس الخنجر… ثم نقول للعالم… هذا المجرم… يريد قتلنا… ثم نعيد الخنجر لقلبه… المشكلة… أنه…قد يكون… أسرع… ويدخل الخنجر لقلوبنا… قبل أن نحدث شيئا… وهنا… علينا أن نحدد أهدافهم بدقة… ولا نسمح لهم بغيرها… يجب أن يكونوا تحت الرقابة الشديدة"
قالت الدكتورة جلوريا:
 

-   " لا… لا… هنا سيتسلل الشك إلى قلوبهم… إن شعورهم بالرقابة… قد يدخلهم في التراجع… خاصة وأنهم إسلاميون… متشددون… وكما أعلم… الإسلام يمنع قتل الأبرياء… قد يعود أحدهم لما يدين به… ويتفهمه بدقة ويحجم"
قال الرئيس:
 

-       " سنسمح لهم بضرب عدد من القواعد الأمريكية"
قال هالري… في عدم اهتمام:
 

-   " كلا… كلا… ستكون هذه حربا ضد حرب… لا نريد منهم قصف الأماكن العسكرية… لأن علينا عندها… أن ندخل معهم في حرب تقليدية… لا حرب مفتوحة… نحن نريدها… حربا ضد الإرهاب… إن ما نريده بالضبط… هو أن يستهدفوا المدنيين… لنفتح بعدها نوعا جديدا من الحرب… حرباً غير تقليدية… حرباً مبتكرة… إضافة إلى أن استهدافهم المدنيين… هو ما سيجعل العالم بأسره… معنا… هنا يكمن السر"
قالت جلوريا:
 

-   " سنسمح لهم إذن… باختطاف طائرات… وسيكون هناك… انتقائية… في كميات المسافرين… ونوعياتهم… وسنسمح لهم… بتفجير الطائرات… في الجو"
قال الرئيس:
 

-       " كم من المفترض… أن يكون عدد الضحايا… العدد الكافي… لنقُل… لفتح حرب ضد الإرهاب"
قال هالري:
 

-       " بالطبع… يجب ألاّ ينقصوا عن المائة"
 

-       " المائة كثير"
 

-       " هذه حرب… يجب أن يكون وقودها الضحايا"
هزت الدكتورة جلوريا رأسها… وقالت:
 

-       " ولم لا يكون العمل… مثلا… تفجيرٌ في مبني ضخم… في وقت لا يكون فيه عدد كبير من السكان؟"
قال هالري:
 

-   " ولم لا يكون تفجيرا ضخما؟… ولكن… لا يحصد الكثير من الأرواح… أو… لم لا يكون أكثر من تفجير… في أكثر من ولاية… وتكون التفجيرات متزامنة… وفي أوقات متقاربة؟"
قال الرئيس:
 

-       " بالفعل… من المهم أن تجد كل ولاية نصيبها… كي يشعر بذلك كل أفراد الشعب… ويتضامنون معنا"
قالت هالري:
 

-       " الشعب سيتضامن على كل حال… أنا لا أحمل هم تضامن الشعب الأمريكي… معنا… فحياته مقدسة عنده"
قالت جلوريا:
- "ولتكن التفجيرات… إذن… في عدد من الولايات الكبرى… في أمريكا… لتكن ستة… أو سبعة تفجيرات… ولتكن في مباني ضخمة… وأسواق… وأنفاق مترو… وربما… ربما… اختطاف طائرات… طائرات صغيرة… لحد ما… وتفجيرها في الجو… إلا أن الأمر المهم… في هذا كله… ألا نترك أثرا… لضلوعنا في الموضوع… مهما كان أثرا صغيرا… ستكون كارثة مرعبة… لو وجدوا ما يستدلون من خلاله… على أننا نخطط لهم… لينفذوا… أو… لو وجد شعبنا… أي أثر… يستدل من خلاله… على أن لنا يدا في الموضوع"
قال الجنرال هالري
 

-   " الحقيقة… إن أشرف… سينجح في عمله هناك… كل ما نريده منه… هو أن يختار من بين أتباعه… مجموعة من الشباب… ويقنعهم… بالقيام بعمل انتحاري… يقنعهم بذلك… تحت ما يسمى… الجهاد… ويعزز الفكرة في رؤوسهم… ويؤكد لهم… أن عملهم هذا… نبيل للغاية… وأنه سيقلب وجه العالم… من بعدهم… وأن أمريكا… ستنهزم بعده… للأبد… وأن النصر… سيعود للمسلمين… كما يتغنون دائما بأشياء كهذه.
بعدها… عليه أن يرسل أولئك الشباب… إلى هنا… وسيبقون على اتصال معه… وسندخلهم في الحياة العامة… سينسابون بهدوء… لن ندقق الحصار عليهم… ولن نرصدهم باهتمام… سنتغاضى عن تصرفاتهم… ولو جاءنا بلاغ ضدهم… من أي موظف استخبارات… سنعتبره بلاغا عاديا… غير جدير بالاهتمام… وهم بدورهم… سيخططون للحصول المتفجرات… أو سيدرسون مواقع وضعها… أو حتى سيدرسون قيادة الطائرات… الواقع… إننا لن نشغل أنفسنا بغير الصمت… وسيبدأ عملنا الحقيقي… بعد أن ينجح عملهم"
قال الرئيس:
 

-   " ولكن… المهم… المهم لدي… عدد الضحايا… يجب ألا يزيد عن المائة… إذا كان لدينا ستة أعمال تخريبية… يكفي أن يذهب في كل عمل… من العشرة إلى العشرين"
قالت الدكتورة قلوريا:
 

-       " وماذا عن الطائرات… إذا فُجرت طائرة… أو اختفت… وكان بداخلها مئة راكب… ما الحل"
قال الجنرال:
 

-       " هذا سهل… علينا أن نحدد الطائرات… التي سيتم اختطافها من قبلهم… فلا نسمح بالحجز عليها… إلا لعدد محدد"
قال الرئيس:
 

-       " كلا… كلا… نحن نريد أن نكون بعيدين عن مسرح الجريمة"
قال الجنرال:
- " إذن نتجاهل عملهم… ولا تتم مراقبتهم… إلا في أضيق الحدود"
 
 

الفصل التاسع عشر
 

1- حديث النفس
تفتح الدكتورة نورة… باب المنزل… تدخل… ثم تستدير… لتغلق الباب… تسير خطوات بطيئة… وتلقي حقيبة يدها… على مقعد في الصالون… ثم تدخل غرفة النوم… لتبدل ملابسها.
نورة… منهكة جدا… بعد عمل يوم كامل… يالها من أيام مليئة بالكد… ولكن… لا حيلة… إنها الآن… في منتصف الطريق… وعليها ألا تستسلم.
لم يطل الوقت… تخرج الدكتورة… وهي تحمل المنشفة في يدها… تدخل دورة المياه… لتستحم.
خرجت من دورة المياه… ارتدت ملابس المنزل… وذهبت للمطبخ… كي تعد شيئا من الطعام.
لم يطل الوقت… ها هي تخرج من المطبخ… إنها تحمل صحنا يحوي رغيفا وبيضتين… مقليتين… وصحن مربا… وجبن… وزيتون… وبرتقالة… هذا كل شيء.
جلست الدكتورة نورة… على المقعد… وسكبت قليلا من الشاي… في الكوب الصغير… ثم أدارت جهاز الراديو… وبدأت تستمع… إذاعة الـ ( بي بي سي).
تناولت الدكتورة نورة… حبة من صحن الزيتون… وضعتها في فمها… وأتبعتها بقطعة خبز صغيرة… ودخلت في متاهة من الأفكار.
 

-   " لماذا أنا هنا؟… هل يعقل؟… هل يعقل… أن أضحي بكل الاستقرار… والسعادة… التي كنت فيها… وأحمل نفسي إلى هنا… إلى المجهول.
ها نحن نعيش في متاهة رهيبة… كمال في سفرياته التجارية… لم يعد يستقر به حال… وجمال هناك… في باكستان… أقابله كل شهر… مرة واحدة… أسرتنا التي كان يلمها الليل… بين جدران دافئة… أصبحت ممزعة هنا وهناك.
أنا أحلم بالشهرة… أحلم… بأن أكون امرأة حديدية… تتغلب على كل الصعاب… أريد أن يقول العالم… إن نساء خليجيات… هن أشبة بنساء أوروبا… الحديديات… أريد أن يتحدث الناس… عن امرأة… تملك قلبا… لا يملكه الرجال… ونفسية متحدية… لا تنهزم للصعاب.
وفي سفري إلى هذا البلد… رأيت أفقر الناس في العالم… ورأيت العيش… مع مجريات الحياة البسيطة البدائية… وعملت في حقل أبحاث الإدمان… لأكون رمزاً للمرأة العربية… التي تساير المرأة الأوروبية… حيث تعشق التحدي… وتسافر… هنا وهناك… متحدية الصعاب.
ولكن… هل أنا بالفعل… مصيبة؟… أم أنني… مخطئة؟… هل تستحق الشهرة… التي منّيت بها نفسي… كل هذا العذاب؟… هل أنا بالفعل… أعمل من أجل مرضى الإدمان؟… أم أنني أعمل لشيء آخر؟.
لو عملت امرأة أوروبية… ما أعمله الآن… لكان الأمر طبيعيا… طبيعيا جدا… فهن يسافرن لإفريقيا السوداء… ويبحثن عن مناجم الألماس… ويضحين بأنفسهن… من أجل إلـ (إلدورادو)… ولا أحد يعلم عنهن… يبدأن وينتهين… كشيء اعتيادي… يحصل كل يوم.
بل هن يذهبن في رحلات الفضاء… ويتغيبن عن الوجود الإنساني… أشهرا… ولا أحد يرى في عملهن… شيئا من إعجاز.
الأمر بالنسبة لي… مختلف… أنا العربية الوحيدة… التي تريد التحدي… بالفعل… بل إنني… أختلق صورا جديدة… من العناء لأدونها في سطور تجربتي… لأكون أنا الخارقة… سيقال… المرأة الخليجية المذهلة… ضحت بعملها المريح… في جامعة ذات قيمة… وضحت بأسرتها الدافئة… حتى بأمومتها… لقد تحملت بُعد ابنها عنها… من أجل الكشف عن دواء مذهل… لم يكن للرجال أن يكتشفوه… أو يتجرؤوا على خوض تجربة مماثلة"
 
 

2- مخدر ضعيف
الشمس… هناك… تغزل أشعتَها الذهبية… من بين الأغصان… والدكتورة نورة… هناك… تسير في الحقول… بخطوات ثابتة… وتحمل على ظهرها… قُفّا… تضع فيه عددا من أوراق الخشخاش… وتمد يدها… مسلمة على الحاج حنيف أحمد… في حين يتقدم نحوها حنيف… بخطوات متزنة.
قال باحترام:
- " السلام عليكم"
ردت نورة:
 

-       " وعليكم السلام… ماذا فعلت مع البذور… التي أعطيناك؟… هل تراها نبتت بطريقة سليمة"
أجاب بلغته العربية المكسرة:
 

-       " بالتأكيد… لقد نبتت… ولكني أستغرب… من طلبك زراعة مثل هذه البذور… ستكون أوراقها رديئة"
 

-       " لا عليك… أنا لا أحتاجها للتخدير"
 

-       " أعلم… قلتي لي ذلك من قبل… أنت تحتاجينها كعلاج… غريب… أناس يُُحرّمون هذا الحشيش… وأناس يزعمون أن فيه علاج "
 

-       " وما تقييمك أنت للمسألة؟ "
 

-       " تريدين الحقيقة!"
 

-       " بالتأكيد "
 

-       " أنا لا أستخدمه… ولا أسمح لأبنائي باستخدامه "
 

-       " غريب… ولم! "
 

-       " معلوم… الحشيش ضار"
 

-       " هـ… هـ… هـ … على كل… هل يمكنني رؤية النباتات؟ "
 

-       " بالتأكيد "
سار حنيف… وتبعته الدكتورة نورة… في ممرات ضيقة… بين نباتات الذرة… دخلوا مزرعة الخشخاش… وفي طرفها هناك… رأت نورة النباتات الصغيرة… ذات اللون الأصفر… قالت في دهشة:
 

-       " أهذه هي ؟"
 

-       " نعم… أنظري… إنها شاحبة… وأقرب للموت… منها للحياة "
 

-       " هذا ما أريده… قد أضعفنا فيها كمية الحياة… على أمل أن يضعف المخدر… إنها تجربة…. قد ننجح… آمل ذلك " 
 

-       " لو ضعف المخدر… فلن يشتريها الزبائن "
- " هـ… هـ… هـ"
 
 
 
 

الفصل الثلاثون
 

1- رحلة خلوية
ها هو أشرف… في رحلة خلوية… يشارك في بناء المخيم… ويحمل مع أولئك الشباب… بعض الأمتعة… ويتسابقون في الحمل عنه… بيد إنه كان يشير بيده… ويقول:
 

-       " لست أفضل من رسول الله… بأبي هو أمي… صلى الله عليه وسلم… لقد كان يجمع مع أصحابه… الحطب"
هكذا عمل أشرف… لنفسه… مملكة مصغرة… في قلوب أولئك النفر… وهكذا… ازداد تعداد الشباب المنتظم في سلك تنظيمه… إنهم أولئك المشردون… المبعدون عن أوطانهم… المطرودون… الذين تلاحقهم أيدي رجال الأمن… أين حلوا… وأين رحلوا… لقد وجدوا من منظمة أشرف… مأوي وسكنا… وجدوا فيها… دعما روحيا ومعنويا… وجدوا فيها… قيمة حقيقية… لما يجب أن يعيش عليه… كل من تعلق قلبه… بقضية… إنهم هنا… في هذه الرحلة البرية… إخوة متحابين… يفترشون الأرض… ويلتحفون السماء… ولكنهم سعداء… سعداء بأخوَّتهم… وبما شعروا أنه وطناً جديدا… ويشاركهم فيه… على قدم المساواة… من جعلوا منه رئيسا لهم… وهو في أعينهم… أزهد ما يكون عن الرئاسة… أنه يحبهم ويحبونه… ويعمل معهم… باجتهاد… ولا يشعرهم أنه أفضل منهم في شيء.
لقد ازداد تعدادهم… حتى جاوزوا الألف… وقد وفر هذا التنظيم… لبعضهم… أعمالا… في الشركات التابعة للمؤسسة الخيرية… وبعضهم… دعمه برأس مال… ليمارس بعض المناشط التجارية المستقلة… وبعضهم وقف نفسه لطلب العلم… ويأخذ ما يكفيه من أوقاف الجمعية.
لقد أصبح لأشرف… علاقات حميمة… مع كبار المجاهدين القدامى… العرب منهم والأفغان… إنه يحضر عددا من اجتماعاتهم… وأصبح يحظي بمكانة مرموقة… ورأيه عندهم مسموعا… بل إن عددا من القيادات… يستشيره باستمرار… في حل القضايا الحادثة.
 دخل أشرف إلى الخيمة… فيما بدأ في الخارج… التدريب الرياضي… لشباب المخيم… بعد أن تم تقسيمهم لمجموعات.
استمر التدريب… قرابة نصف الساعة… ثم بدأت الفنون العسكرية… بداية بالرماية… عن طريق عدد من الأسلحة.
الحماس يغمر الجميع… وأشرف… يطالعهم من داخل الخيمة… ويتأمل.
 
 

2- كوكبة مؤمنة
 

-       " أنتم الكوكبة المؤمنة"
هكذا وصفهم أشرف… وهو يتحدث إليهم… بكل هدوء… في وادي بيان شيدر… شرق كابول… إنهم مجموعة قليلة من أتباعه… لا يجاوز عددهم الخمسين شابا… اختارهم بعناية فائقة… واحدا واحدا… وابتدأت طلعاته السرية… معهم.
إنهم الآن… في رحلة خلوية… يعاودون خروجها كل أسبوع… وهي مليئة بالغموض والسرية… تتخللها جلسات إيمانية وعظية… جلها في الحديث عن الشهادة… والجنة… والكفر… والإيمان… وظهور المشركين على المؤمنين… والغربة في آخر الزمن.
ليس أشرف وحده… من يتحدث وينصت له البقية… إنهم كثر… أولئك الذين يتحدثون… كما يتحدث أشرف… ولكن… الغريب في تلك الجلسة… أوراقٌ أخرجها أشرف… وبدأ يستعرضها… لقد دار بينهم حديث مهم… حول (الشيطان الأكبر)… أمريكا… ودورها… في التحكم في مقدرات المسلمين… وإذلالها لهم… على مدي عقود… قال أشرف:
 

-   " يجب ضربها في الخاصرة… كما ضربتنا تكرارا ومرارا… المسلم ليس بالضعيف… المستكين للظلم والجور… ثم… إن… الخطط جاهزة… ولكنها تحتاج لدماء زكية… تستقبلها الملائكة… بالروح والريحان… وأنتم من سيقوم على عاتقهم… بداية عودة الأمة لمجدها… ستسقط أمريكا… وستنطلق الخلاقة الإسلامية… من هنا… من كابول"
استمر اللقاء… في ذلك الوادي… يومان… لقد دُرست الخطط كاملة… وفهمها الشباب جيدا… وأبدو كل آرائهم.
وفي حفل وداع مؤثر… بعد منتصف الليل بقليل… تعانق الجميع… وسُلمت لهم تذاكر السفر… وسلمت لهم أموال كثيرة… وأرقام أرصدة في البنوك… وقال أشرف في صوت مهيب:
 

-   " ستتم العملية… خلال الأشهر القادمة… وستنالون الشرف الكبير… ياليتني أكون معكم… ولكني… أهـ… أهـ… لم يحن الوقت… وسأبقى أحدث نفسي بالشهادة… حتى ألحق بكم "
 
 
 

الفصل الواحد والثلاثون 
 

1- البداية… في غرفة الفصل
يجلس منسجما مع ما حوله… داخل غرفة الفصل… إنه في زيارة تشريفية… لمدرسة ابتدائية.
كان الرئيس يستمع لطفل في الصف الثاني… وهو يتحدث عن عنزته… إلا أن رئيس أركان الحرب… تقدم نحوه… وقطع عليه انسجامه… وقال له بهمس:
 

-       " سيدي الرئيس… نحن نتعرض لهجوم بالطائرات"
دارت الدنيا… برأس الرئيس… جورج بوش… الابن… لم يفهم ما سمعه… أعاد النظر… والابتسام… للتلاميذ… وبدأ يحدث نفسه:
 

-       " أي طائرات هذه التي نتعرض لهجوم منها؟"
عم الغموض ذهنه… واستمر جالسا قرابة نصف الساعة… ثم قام.
الدنيا لا تكاد تتسع ساكنيها… وأخيرا… ضربت مفاصل مهمة… في الكيان الأمريكي… خُطط بدت محكمة… محكمة للغاية… أو هكذا قال الإعلام… ومهاجم بدا ذكيا… ذكيا لأقصي الحدود… أو هكذا قال الإعلام… وقدرات خارقة… خولته صناعة الموت… لآلاف الأمريكيين… من المدنيين الأبرياء.
ها هي السماء… تمطر طائرات… وها هي الأرض… تشتعل… وها هم الأمريكان… يدخلون ما قيل لهم عنه… (يوم الدين)… ولكنه لا ينفع الندم… وإنما… قد تنفع تصريحات الرئيس… الذي صعد المنصة… وقال:
 

-   " نحن نتعرض للهجوم… ولكننا… لن ننهزم… سنخوض الحرب… على الإرهاب… حتى ننتصر… حرب في كل مكان… وفي كل اتجاه… دون قيود… أو ضوابط… ومن ليس معنا… فهو ضدنا… أنها الحرب الصليبية الجديدة… التي سنخوضها… باسم الرب" 
صفق الشعب الأمريكي… لهذا التصريح القوي… الذي سيثأر لهم… من عدوهم الجديد… (الإرهاب)… الذي لا يمكن لأحد… أن يتخيله.
وعن طريق كل وسائل الإعلام… أشارت أصابع الاتهام… مباشرة… لتنظيم القاعدة… التنظيم الإسلامي… (المتشدد)… الذي يريد (وأد حضارة الغرب).
لقد وجد الإعلام وقود حملته الدعائية الجديدة… المثيرة لكل الناس… وبدأ في تضخيم العدو… وبدأت إرهاصات الحرب.
 
 

2- مرة أخرى… في القاعة الكبيرة
قاعة رخامية كبيرة… وجو رسمي للغاية… ورجال ونساء… يسيرون جيئة وذهابا… بخطوات شبه محسوبة… في الغالب… هم يحملون حقائب صغيرة… يفتحونها… ويخرجون منها… أوراقاً أو ملفات… تتم مراجعتها بسرعة… المشهد يتكرر.
وبعد ساعة تقريبا… توقف الحديث… لجرس قُرع… ودخل رجال الفندق… بزيهم الخاص… بكل انتظام… وبدؤوا بتوزيع قطع الكيك… وبعض المشروبات… على الطاولة المستديرة… التي يلتم حولها… كل أولئك الأشخاص… المهمون… ومع مرور الوقت… بدأ جو العمل بالنشاط… أكثر فأكثر.
 الكل يترقب… وحين حلت… عقارب الساعة العصفورية الثمينة… المعلقة في الجدار المقابل للشرفة الشرقية… على العاشرة صباحا… بدأت السيارات… ذات الطابع الرسمي… تتوافد… وتقف تباعاً… عند البوابة الرخامية الكبيرة… الخاصة بالضيوف البارزين… وبدأ ينزل أشخاص متأنقون جدا… يتابعون خطواتهم المتسارعة… ووجوههم متجهمة للأمام… خشية رصد عدسات الكاميرات… بعضهم كهول… وبعضهم شباب… ويوجد من بينهم… بعض السيدات.
ومع دخول تلك الوجوه… القاعة… أضيئت أنوار معينة… بطريقة بروتوكولية… بهدف استقبالهم… وكل منهم… استقبله مدير أعماله الخاص.
 تبدو الترتيبات متكاملة… نظرات رسمية… وتحيات باردة… تبادلها الحضور.
وبدأ الضيوف الرئيسون… الجلوس… في مقاعدهم المعدة بعناية… ووقف مديرو الأعمال… كل خلف أحد الشخصيات الجالسة… وفتحت أمامهم الأوراق.
 خمس دقائق… وبُدئ الاجتماع المغلق… وخرج كل من ليس له علاقة مباشرة بالاجتماع… وفتحت أجهزة العرض… والكمبيوترات المحمولة… الجميع مندهشون… لما حصل… كيف حصل بهذه الضخامة؟… بدأ مدير الجلسة بالحديث… بعد أن حرك المايكرفون قليلا… قال:
 

-       " لم يعد ثمة طريق للتراجع"
قالت الدكتورة جلوريا:
 

-       " لقد كانت الضربة موجعة… موجعة… موجعة لأقصي الحدود… لم تكن بالحسبان"
قال الجنرال هالري:
 

-       " علينا ألاّ نضعف… أمام أنفسنا… وعلينا… ألاّ نفكر فيما مضى… المهم… هو القادم"
قال الرئيس:
 

-       " من كان يتوقع أن يضربوا أبراج التجارة العالمية… بالطائرات"
قالت الدكتورة جلوريا:
 

-       " هل جاءكم من أشرف… شيء يفيد بذلك؟… هل أخبركم أن العملية ستصل لهذا المستوى؟"
قال الجنرال بون:
 

-   " لقد كان يعطينا رسائل… يخبرنا فيها… أن الأمور تسير وفق ما هو مقرر… وكان يؤكد… أن العمليات… لن يتجاوز ضحاياها العشرات"
قال الرئيس:
 

-       " هل جاءتكم رسائل جديدة منه"
قال الجنرال بون:
 

-   " الغريب… أنه قطع الاتصال عنا… منذ… قرابة الشهر… ولم يرسل لنا رسائل ذات قيمة… مع أننا أرسلنا له رسائل… نطلب منه فيها… عددا من التوضيحات"
قال الرئيس:
 

-       " ماذا تقصد؟… هل يمكن أن يكون… أن يكون مدركا… أو… قاصدا لشيء مما حدث؟"
قالت جلوريا:
 

-   " لا ندري… ربما كانت الأمور… جاءت فوق حسبانه… كما أنها… جاءت… فوق حسباننا… وقد لا يكون… ربما لعب علينا… أشرف… لعبة كبيرة… كبيرة جدا… وربما تحول لإسلامي متشدد… دون علمنا… ولكن… لو كان الأمر كذلك… سنقلبها عليه "
قال الجنرال بون:
 

-   " أشرف… فليذهب أشرف للجحيم… سواء كان الفاعل… أو لم يكن… فلترسلوا رصاصة لقتله… لم يعد يلزمنا… علينا التفكير فيما هو أهم… في الحرب"
قال الرئيس:
 

-   " الحرب… نعم… الحرب… وعلى الشرق… كل الشرق… سيكون شعب الأمريكتان… معنا… وكل الدول… وسنعيد رسم حدود العالم… من جديد"
 
 

الفصل الثاني والثلاثون
 

1- تصريح ناري
في الطائرة المتجهة من دبي… إلى إسلام أباد… يرتشف كمال قليلا من عصير العنب… ثم يسترخي قليلا… ويمد يده للأمام… ليتناول جريدة الواشنطن بوست… التي وضعها في جيب المقعد… أمامه… منذ قليل… يفردها… ثم يقرأ العناوين الرئيسية… ثم يتحفز… ويواصل تقليب الأوراق… برزت صورة الرئيس الأمريكي… إنها بالفعل… تصريحات نارية مذهلة:
 

-       " الحرب المقدسة… الحرب ضد كل ما هو مخالف لإرادتنا… ومن ليس معنا… فهو ضدنا"
نظر كامل يمنه ويسرة… بدأ يحدث نفسه:
 

-       " بالفعل… حرب ضرورية… ولم الانتظار؟"
 

-       " في تلك الأثناء… شعر كامل بوجه الشخص المجاور له… وهو يستدير نحوه… نظر له كامل… في حين قال الرجل بلغة أمريكية سريعة مدغمة:
 

-       " هل أكملت قراءة الصحيفة؟ "
 

-       " هل تريدها؟ "
 

-       " نعم من فضلك "
وجد كامل الوقت سانحا… ليدخل في حوار مع هذا الأمريكي… لذا قال :
- " هل من الممكن… أن تقود الولايات المتحدة… حربا "
- " الدين… إنه السبب الكامن… وراء كل هذا العناء "
- " بالطبع… الدين يدعو للتخلف"
_ " هل أنت إسباني "
 

-       " كلا ياسيدي"
 

-       " من أين أنت؟"
 

-       "… أنا عربي… "
 

-       " أوه… عربي… هل أنت مسلم؟ "
 

-       " لكني أفكر بطريقة أخرى "
 أدار الأمريكي وجهه للأمام… وصمت… ولم يكلف نفسه أخذ الجريدة… وانتهى الحوار.
شعر كامل بشيء من الخجل… زفر زفرة طويلة… ثم تابع تقليب صفحات الجريدة… وهو ينتظر إعلان هبوط الطائرة.
 
 

2- خبر سار 
يُطرق الباب… الخاص بغرفة جمال… من الخارج… في حين يتململ جمال… قليلا… وهو جالس… أمام شاشة الكمبيوتر… ثم يقوم… ويتجه ناحية الباب… يفتحه بهدوء… يبتسم له المناوب… ويقول له في احترام:
- " ستكون سعيدا هذه الليلة… زائر يريدك في قاعة الاستقبال"
 شعور بالفرحة… يخالطه شعور بالدهشة… ثم ينطلق جمال… ناحية صالة الاستقبال… بقميصه العادي… تاركا باب الغرفة… مفتوحا خلفه… وتاركا المناوب… في حيرة من أمره… قال المناوب… مناديا له :
 

-       " يستحسن أن تلبس ملابس أخرى… ذلك أفضل"
ولكن لم يجبه جمال.
 
 

3- لقاء أب
الجو دافئ… بتأثير ما تعكسه الأشعة… المنبثقة من الثريا الكبيرة… المعلقة في سقف القبة الواسعة… في قاعة الاستقبال… وهناك… يجلس كامل… متحفزا… ينتظر على أحر من الجمر… وصول ابنه جمال… لم تمر سوى دقائق… ها هو جمال… من هناك… منطلق… يصرخ:
- " أبي… أبي… أبي"
يقوم كامل… ينطلق في اتجاه ولده… يحتضنه بدفء وحب.
مشهد صامت… قادر على التعبير بدقه… عن معاني الأبوة.
الدموع وحدها… هي من شارك الموقف… قدسيته وروعته.
وهناك… يجلس بعض الموظفين… يقاسمون المشهد… سعادته… برسم ابتسامات صفاء على وجوههم.
 
 

4- اتصال بكابول
في متنزه جميل… يجلس كامل… هناك… على أحد الكراسي الرائعة… ويتابع بنظراته… جمال… في حين يركب جمال… بهدوء… إحدى الألعاب الكهربائية.
بعد زفرة فرح طويلة… يمد كامل… يده… ليمسك كأس البرتقال… يدنيه من فمه… يشرب… ثم يعيده مكانة… ويخرج هاتفه الجوال… من جيبه… ويتصل بزوجته نوره… لحظات… وترد نورة من الطرف الأخر:
- " مرحبا بك… يا حبيبتي"
- " أهلا… أهلا… أهلا… كيف أنت يا كامل؟"
 

-       " أنا بأتم سعادة… سعادة لا يمكن لك أن تتصوريها"
 

-       " سعادة… لقد شوقتني… قل… أين أنت؟"
 

-       " الحقيقة… أنا هنا"
 

-       "هـ… هـ… هـ… هل تحسب أنك قلت نكتة جميلة؟ "
 

-       " بالطبع… الحقيقة… جميلة في نظري"
 

-       " بالفعل… هي جميلة… لجمال قائلها"
 

-       " لجمال أم لكامل؟… هـ هـ هـ"
ضحكت نورة… في حين قال كامل… مهتما:
-" تريدين الحقيقة؟"
-" نعم"
-" أنا… لآن… في أحد أبراج مبنى التجارة العالمية"
 

-   " هـ… هـ… هـ… يالك من مخادع… أنت إذن في أمريكا… قل لي… هل انتهت الحكومة الأمريكية… من إزالة أنقاض البرجين… هل تم تنظيف المكان … جيدا؟"
 

-   "بالطبع… العمل على أشده… وا… أنا الآن… أحمل (الكريك) و(المكتل)… وبجواري… بوش… الحقيقة… نحن نحمل التراب ولأحجار… على ظهره… أقصد… على ظهورنا "
 

-       " هـ… هـ… هـ… إذن أنت في أمريكا… هل تذكر عندما كنا نجلس في الدور الثامن عشر… من البرج… في المقهى الشرقي الرائع"
 

-       " بالطبع أذكر… لكن… الحقيقة أني لست أصلا في أمريكا"
 

-       " إذن أين أنت؟ "
 

-       " هنا"
 

-       " كامل… أرجوك… قل لي… أين أنت؟"
 

-       " أنا بجوار حبيب القلب"
 

-       " حبيب القلب!… من تقصد؟"
 

-       " بالطبع… حبيب القلب… ولدنا جمال" 
انفجرت نورة ببكاء شجي… يعبر عما تكتنزه نفسها… من معاني الأمومة… التي تحاولت تجاوزها… من أجل مواصلة طريق دراساتها… وأبحاثها… ولكنها تقف عاجزة أمامها الآن… وأمام ما تذكرة… من قسمات أسرتها الدافئة… التي تعرف جيدا… كيف تستظل فيها… بظلال الحب والرحمة والانسجام.
كل ذلك… بدا للدكتورة نورة… وكأنه حلم سريع جميل… عاشته في سنوات بعيدة… ولم يعد منه الآن… سوى نبضات هادئة… داخل عقلها المكدود.
أشياء أخرى… احتلت أماكن السعادة الباهتة… في عقل الدكتورة الباحثة… إنها القناني… والحقن… والمواد الكيميائية… وتشريح الفئران… وميكروسكوب… ذو قاعدة وعدسات… وأشياء لا ترتبط بالروح… التي تنبض في الأعماق.
سمح كامل لنفسه قليلا… الطرب… لسماع سنفونية بكاء عذبة… على الأقل… في تصوره هو… والتي تعزفها باحتراف… زفرات وشهقات… من ابتعد مكانها… بحساب المسافات… واقترب… بحساب المشاعر والوشائج.
ثلاث دقائق… خمس… ثمان… عشر… وكلام مقطع… من بين أسنان ولسان الدكتورة… التي بقيت سنيَّ عمرها… تتحدى… وتقف كالطود… أمام كل مشاعرها… في سبيل إثبات إنها قوة حديدية… صلبة… أو هي نبراس لكل امرأة تسابق الرجل… في عقر اختصاصه… وفي مقارعة أبواب النجاح… والعمل… وصعوبات الحياة.
بيد إن النجاح في أمور كهذه… ليس بالضرورة… هو طريق السعادة… هكذا شعرت نورة… في تلك اللحظات.
استأنف كامل الحديث قائلا:
 

-   " دعيك من هذا البكاء… أيتها المرأة الحديدية… ليس مثلك من يسهل على مآقيه… أن تسفح دمعة واحدة… قولي لي… ما أخبار أبحاثك… هل أصبحت مدمنه؟"
هذه الكلمة بالتحديد… هي الكلمة… التي دخلت إلى ذهن نورة… بطريقة مدهشة… أحست نورة… أن فيها نكتة رائعة… لذا… انفجرت بالضحك… قد يكون أقرب للضحك… دون سبب… أو قد يكون لسبب… وربما كان لهذه الكلمة… دلالات خاصة… أو قد يكون… لأن نوره… تريد الخروج من واقع التأثّر بالحزن… الذي كانت تشعر به… إلى واقع آخر… أو ربما بالفعل… كانت النكتة… على القدر الكافي… لجعل حزين مشتاق… يحيل حزنه لضحك… وربما لا هذا ولا ذاك.
ولكن كامل… كان سعيدا بهذه الكلمة… التي ربما وقعت في هدف… أو أصابت الطريدة باحتراف… لذا أكمل كامل حديثه:
 

-   " ما أجمل منظري… أنا وأنت… عندما نعود للبلد… ثم انطلق بك للمشفى… ليتم علاجك من الإدمان… عندها… ستكونين صديقة فعليه… للمدمنة إيناس… التي كنت تعالجينها في يوم ما "
أكملت نورة ضحكها… على هذا المقطع… وكأنها قد اختزنت بين حجابها الحاجز… ورئتيها… ضحكا هائلا… يكفي ليُقسم على أيام عام بأكمله… أكمل كامل حديثه:
 

-   " على كلِّ… هناك خبر جميل… عن ابنك جمال… لقد سألت أساتذة المدرسة عنه… ابنك مذهل بالفعل… إنه المرشح الأقوى… للحصول على الترتيب الأول… بين طلاب المدرسة… لا… وأكثر من ذلك… إنه مخترع… ومرشح للحصول على جائزة تقديرية… من المدرسة "
 

-       " صحيح!"
 

-       " وما الغريب في ذلك؟… ألم تسمعي بالمثل القائل… (بط الفرخ عوام) "
 

-       " تقصد فرخ البط"
 

-       " دعي الخلق للخالق"
 

-       " إذن أنت البط؟ "
 

-       " كلا… البط… هو شخص آخر… غيري "
انفجرت نورة بالضحك… وأكمل كامل حديثة :
 

-   " هناك مفاجأة سارة… أنا وجمال… سوف نكون عندك… بعد فترة ليست بالطويلة… لقد انتهت السنة الدراسية… والإجازة الصيفية… على الأبواب… سنقضيها لديك في كابول"
 

-       " الإجازة بطولها"
 

-       " أعدك أن نجلس مالا يقل عن شهرين"
 

-       " رائع… هذا أجمل خبر سمعته في حياتي… سأتقطع شوقا لرؤيتكم"
رد كامل بجدية:
 

-       " ولكن قولي لي… بصراحة… هل أصبح لديك الآن… لحية طويلة ؟ "
انفجر كامل بالضحك… وانفجرت نورة به… كذلك.
 
 

الفِِصل الثالث والثلاثون
 

1- على أبواب مطار كابول
أصوات مضطربة نوعا ما… تنتشر قسرا… والجالسون في مقاعدهم هناك… مابين سعيد وخائف ومتأهب… لحظات… وتقف الطائرة… ينظر كامل إلى جمال… جواره… ويبتسم… ثم يقول:
 

-       " ها هي كابول… لقد وصلنا… هل أنت سعيد يا بني؟ "
 

-       " ستكون أمي سعيدة برؤيتنا"
 

-       " بالطبع … إنها تنتظر هذه اللحظات… بفارغ الصبر"
 

-       " هل ستستقبلنا؟"
 

-       " قالت ذلك… ولكن لا أدري… حسب ما تمليه ظروفها… ولكن… الأمر سيان… سنستقل سيارة أجرة… للوصول إليها"
 

-       " أنا أفضل أن تكون في استقبالنا… عند بوابة المطار"
 

-       " وأنا كذلك "
فُتحت بوابة الطائرة… وبدأ المسافرون في النزول… لم يكن ثمة إلا رجال بعماماتهم… ولحاهم الطويلة… ونساء متلفعات بخمر زرقاء… وينزل معهم كامل… الذي بدا في زي فرنجي أنيق… وجواره جمال… يرتدي ملابسه الرياضية.
اتجه الجميع لبوابة الوصول… بخطاهم السريعة… دخلوا البهو… لم يكن أمامهم في ذلك المطار… أشياء تلفت النظر… أشبه بمحطة وصول… لسيارات الأجرة.
أرضية إسمنتية… تتوزع فيها بلاطات السيراميك… هنا أو هناك… بألوان وأنواع متنافرة… الجدران مدهونة باللون الأبيض الباهت… وأبواب خشبية متهالكة… تخفي خلفها مستودعات أو غرف للموظفين… ولا تسلم الجدران من آثار قذائف الهاون… أو ندبات بسبب طلقات نارية قديمة… منذ أيام الحرب.
الموظفون هنا وهناك… لا يبدو عليهم أنهم موظفون… فهم يشكون العوز… وتبدو عليهم آثار الفاقة… إنها أفغانستان… البلد الذي عانى طويلا… وأكل شعبة النكبات… مع أرغفة الخبز… بلد يتنقل بين حجري الرحا… وكأنه ينتقل من عصر حجري لعصر حجري آخر… إنه يشكو الحصار الاقتصادي… بعد أن استنزفته جروح الحرب السوفيتية.
سار القادمون… بجوار الكرسي الخشبي المكسور هناك… ثم مروا بصنبور قديم… بجواره حصير… ولوحة كتب عليها (المسجد)… ومن يلقي بصرة للخلف… يري الطائرة الباكستانية… من بين زجاجات نافذة مكسورة… إنها وحدها هناك… رابضة في المطار.
 وكان المستقبلون واقفون هناك… على أحر من الجمر… لاستقبال ذويهم… ومن بين أولئك المستقبلين… امرأة في زي أفغانية.
لوحت المرأة بيدها… وعندما رآها كامل… وضع يديه على رأسه… وأشاح بوجهة… ثم نظر لجمال… وقال في دهشة:
 

-       "أنظر معي… هناك… هل عرفت من تكون تلك المرأة؟… هـ… هـ… هـ…"
 

-       " التي بجوار السياج الحديدي! "
 

-       " نعم… هـ… هـ… هـ…"
 

-       " أوه… أمي… إنها أمي"
 

-       " ولكن… ما هذه الملابس "
 

-       " لا عليك من الملابس يا أبي"
 

-       " صدقت! "
انفردت ابتسامة كبيرة… على محيا كامل… واتجه بخطوات سريعة… نحوها… وتقدمت بدورها من هناك… الدكتورة نورة… إنها مذهلة… بزيها الأفغاني… يبدو نصف وجهها فقط… يا لها من مفارقة! .
والتمّ الشمل من جديد… عناق حار… وقبلات حارة… وبعدها… اتجهت الأسرة المستسلمة للشوق… خارج صالات المطار المتهالك
 
 

2- سيارة برادو
سيارة برادو حمراء… قديمة بعض الشيء… مرتفعة… وكأنها متأهبة للقفز… تقف في الساحة الترابية… المقابلة لبوابة المطار… تقترب منها الأسرة… وتخرج الدكتورة نورة مفتاح السيارة… من جيب في ثوبها… ثم تفتح باب السائق… وتركب.
ينظر لها كامل من خلف الزجاج مبتسما… وتفتح له الباب… بطريقة يدوية… يركب… ويفتح هو بدوره لجمال… كي يصعد في المقعد الخلفي.
تدير نورة مفتاح التشغيل… ثم تغير محرك التروس… للرقم واحد… وتنطلق السيارة.
كامل يقلب طرفة في زوجته الأفغانية:
 

-       " هـ… هـ… هـ"
وهي تجاهد لإدارة المقود… أو لتغيير علبة التروس… ثم ينفجر بضحكة مدوية… تنظر إليه متسائلة :
 

-       " لم الضحك؟"
 

-       " عجايب يا دنيا… من يتوقع هذا… صورة لن تنساها مخيلتي "
 تنفجر الدكتورة نورة… بضحكة مقابلة… في حين يتفرغ جمال لإلقاء بصره هنا وهناك… قالت نورة :
 

-   " كيف لو رأيتني إذن… وأنا بهذه السيارة… أسير بين حقول الخشخاش… وأحمل حزما منه… أضعها في المقعد الخلفي… ثم أعود لكابول… عبر جبال وعرة مخيفة… وحدي"
 

-       " أنت بالفعل… امرأة خارقة… مذهلة… شيء لا يصدق"
 

-       " ترى ذلك!"
 

-       " وهل تتعبين؟ "
 

-       " التعب يهون… ولكن فراقكم لا يهون… إنه بالفعل… خيار صعب "
 

-       "قولي لي… كيف هي أخبار أبحاثك "
 

-   " أنا أجمع من أشجار الخشخاش… بجميع أشكالها… ومن جميع المناطق… هناك فروق بين أشجار الخشخاش… حسب البيئة التي تنبت فيها"
 

-       " وماذا عن الأمن؟ "
 

-   " الحق يقال… هؤلاء الطالبانيون… مع كل ما يقال عنهم… إلا أنهم زرعوا في أنفس الشعب المسكين… شجرة الأمن… لو لم يكن الأمن موجودا… لأكل الناس بعضهم… الفقر هنا مدقع… ومع ذلك… فالناس لا أحد منهم يفكر في السرقة… أو قطع الطريق"
 

-   " لا… لا… لا… أنا لا أقبل منك هذا الثناء… هذه شهادة يجب ألاّ تدلي بها أبدا… مثلك من المثقفين… يعلم جيدا… ما معنى أن يمسك الراديكاليون… بزمام الأمور… في بلد ما… إنهم متشددون… لا يُقدّرون حقوق الإنسان"
 

-       " أعلم جيدا يا كامل… كم يؤثر فيك الحديث عن طالبان… بمثل هذه الطريقة… ولكن… لا عليك… قل لي… ما أخبار تجارتك؟"
 

-   " أوه التجارة… إنها حياتي… كياني… المارد الذي بداخلي… لا تتخيلين… كم أنا سعيد باكتشاف نفسي… لقد خلقت تاجرا… ولتوي أجد هذا التاجر"
 

-       " يا سلام… إذن نجحت؟ "
 

-       " وأي نجاح… نجاح مدوي… وفي كل الأصعدة"
 
 

3- إلى السوق
تهتز سيارة الجيب… يمنة ويسرة… بسبب الأحجار الصغيرة… التي اعتلتها الإطارات.
توقفت السيارة… ونزلت الدكتورة نورة… بزيها الأفغاني… ونزل معها كامل وجمال.
إنهم في سوق الخضار… هناك بائعة… تحمل فوق رأسها كيس دقيق… وباعة… يبيعون لحما مجففا… وامرأة تصنع الشاي… وتبيع الكوب منه… مع قطعة خبز.
وعلى بعد عشرين مترا… ملحمة… اتجهت نورة للملحمة… اشترت كيلو من لحم… وعدة أصناف من الخضار.
كامل يسير وراءها… إنه معجب بمدى مهارتها في إدارة شؤونها… في هذا المكان… الذي يعتبره مرعبا بعض الشيء.
لم يطل التجوال في السوق… عادت الأسرة للسيارة… وانطلقت بهم من جديد.
وخلال الرحلة… كانت الدكتورة نورة… تشرح لضيفيها… كل ما يمكّنها الوقت… من شرحه.
ومن هناك… ببدو المنزل الأكثر أناقة… بين المنازل الطينية والحجرية… في أعلاه… يبدو خزان الماء… ونوافذه من الزجاج… المؤطر بالألمنيوم… والمنزل مدهون من الخارج… باللون الأبيض… الذي اقترب كثيرا من الأصفر… بسبب تراكم الأتربة.
المنزل من الأسمنت… وقد استأجرته الدكتورة نورة… في أحد أحياء كابول الراقية.
دخلت السيارة… مع البوابة… إلى فناء المنزل… الفناء… يوجد في طرفه حديقة جميلة… ويوجد مكان داخل الفناء… مخصص لوقوف السيارة .
توقفت السيارة… ونزلت الدكتورة نورة… بزيها الأفغاني… ونزل كامل وجمال… واتجهوا للباب… ثم دخلوا.
 
 

4- الماء… والسقَّاء
الجو بداخل المنزل… بديع وهادئ… والساعة الآن… تقارب العاشرة والنصف صباحا… هذا اليوم… هو اليوم الرابع… لحضور كامل وجمال… إلى كابول… استيقظت الدكتورة نورة… باكرا… هذا اليوم… وذهبت لمعملها.
 وهناك… في المطبخ… يضع كامل سترة ربة المنزل… على خصره… ويقطع باجتهاد… عرق بصل عنيد… ثم ينادي :
- " جمال… جمال…"
يأتي جمال مسرعا… ويضحك قليلا… من مرأى والده… في حين يقول الأب:
 

-   " لن تضحك على طويلا… هيا… اذهب للسقّاء… الجالس أمام الكشك المجاور… وقل له… أن حضر أربع قرب من الماء… ويسكبها في خزان الماء… في أعلى المنزل"
 

-       " لم كل هذا العناء"
 

-       " وماذا نفعل يا بني… عندما يكون انقطاع التيار الكهربائي… أكثر من وجودة"
 

-       " ولم تنقطع الكهرباء؟"
 

-   " هـ… هـ… إنها طالبان… ولكن… ما العمل… هذا قدري… أن أعيش تحت ظل هؤلاء… بعد أن عشت في أمريكا… بلد الحرية والديمقراطية… أنا… أعيش هنا… في هذا المكان… الذي لا تهتم حكومته… حتى بالكهرباء… ولكنها فرصة… فرصة لي… كي أزداد حبا لأمريكا… بلد العدل والديمقراطية… وأزداد كرها لكل ما هو رجعي تقليدي متخلف!"
 

-       " وما ذا عني أنا؟…"
نظر كامل بدهشة لجمال… ثم قال في حيرة وغضب :
 

-       " ألا زلت هنا… اذهب وأحضر السقاء"
 

-       " ألم تكن تخاطبني يا أبي… في حديثك حول طالبان"
 

-       " كلا… كنت أخاطب نفسي… ظننتك ذهبت لإحضار الماء" 
صمت كامل قليلا في تأمل… ثم أكمل :
 

-       " على كل حال… قل… قل ما عندك "
 

-   " إذا كان هذا حالك يا أبي… وأنت لم تولد في أمريكا… ولم تعش فيها… سوى سنوات لم تجاوز العشر… كيف يكون حالي أنا… وأنا عشت أكثر عمري في أمريكا؟ "
 

-       " تحبها أنت أيضا؟"
 

-       " أمريكا… أمريكا مرسومة في كل كياني"
 

-       " صحيح؟"
 

-       " قل لي يا أبي… لمَ أتينا إلى هنا ؟"
 

-   " إنها أزمة… نحن نضحي… نضحي من أجل العالم… ككل الأمريكان العظماء… الأمريكان يا بني… يطوفون الدنيا… للبحث عن الأدوية والعلاجات… أو اكتشاف المناطق النائية… وإدخال الحضارة إليها… إنهم باحثون… يجوبون الدنيا… وكلما ازدادوا عناء في البحث… كلما شعروا بسعادة أكبر"
 

-       " صدقت يا أبي… إنهم يذهبون لإفريقيا… وينشئون المنظمات الخيرية"
 

-   " ونحن كذلك يا بني… إننا هنا… من أجل اكتشاف العلاج… العلاج المذهل… للإدمان… يا سلام… وبعدة جائزة نوبل… والشهرة… بالفعل… نحن نستحق أن نكون أمريكان… أذهب وأحضر السقّاء"
 

-       " ياه… أمريكان ونحضر السقاء"
 

-       " يا ذكي نحن الآن لسنا أمريكان… بعد أن نصبح أمريكان… لن نحضر لا سقاء… ولا يحزنون "
 
 

5- يخرج لسانه
ها هو الجيب الأحمر… قادم من بعيد… ومن خلفه الغبار… يصنع ملحمة… سرعة الجيب… لا تجاوز الخمسة عشر كيلومتر… في الساعة… بالطبع… إنها السرعة القصوى… في كابول… عليك أن تكون حذرا.
أن لم يكن من المارة والماعز… والحمير… الغادية والرائحة… عبر الطرق السريعة!… فعلى الأقل… من الحفر… التي كانت يوما ما… مكان انفجار قذيفة.
الجميع راضون بهذه الحفر… فعند نزول الأمطار… تكون مسابح مثالية… للشباب!.
توقفت السيارة… جوار المنزل… ونزلت الدكتورة نورة… مسرعة… دخلت عبر الباب… ألقت التحية.
لم يدر أحد عن دخولها… دخلت غرفة النوم… لم تجد كامل… استغربت… خرجت للصالة الداخلية… كامل ليس فيها… ولا جمال:
 

-       " أين تراهم ذهبوا"
لم يطل الوقت… هاهم قادمون… قالت:
 

-       " أين كنتم؟"
 

-       " يا سلام… ألا تعلمين… أنا الرجل هنا… أنا من يسأل… أين كنت؟"
ضحكت نورة… وضحك كامل… ولم يجد جمال شيئا يدفعه للضحك… فآثر الصمت… قالت الدكتورة:
بدأت أمور بحثي تسير نحو الخط المستقيم… إنها البداية الموثوقة… للوصول للتراكيب المطلوبة… كل العينات إيجابية… أنا سعيدة… سعيدة جدا… أتيت فقط لأزف لكم الخبر… ولأستجم قليلا… أريد أن أعود للعمل… بروح عالية… لقد اقتربت من النجاح… الفضل في ذلك… لك يا كامل… لقد بذلت الكثير من أجلي"
ارتمت نورة في حضن كامل… بانسجام صادق… وابتسم هو… ومن خلفها… ورفع كمال حاجبيه مرتين… وهو ينظر لجمال… ويبتسم.
ابتسم جمال… وقال :
- " أمي… أبي يخرج لسانه"
 
جلسة سمر… في ساحة صغيرة… أمام باب المنزل… لا تنقصها البهجة… ها هو كامل… يقلّب أسياخ الشواء… بكل اهتمام… ثم يعيدها مكانها… ليهف بمهفّة صغيرة… في يده… ويتحدث للجالسة هناك… عن أحداث كثيرة… هنا وهناك… ثم يميل نحو جمال جواره… ليحرك أحد بيادق الشطرنج… قال جمال:
 

-       " أبي… مللت هذه اللعبة السمجة… قم معي… لنلعب الكرة "
 

-       " معلم المشوي… لا يلعب الكرة… هذه حقيقة"
 

-       " ومن قال لك أنك معلم مشوي؟"
نظر كامل لابنه باهتمام… فكر قليلا… ثم قال:
 

-       " لا أحد… حتى أنا لم أقل ذلك"
 

-       " إذن قم والعب معي"
 

-       " الذي ليس معلما للشواء… لا يلعب الكرة"
ضحكت نورة وضحك كامل… وانصرف جمال بخيبة أمل… قالت نورة :
 

-       " أنا خائفة من الحرب"
 

-       " وأنا أكثر خوفا منك… لا لأني جبان… كلا… كلا… فأنا أشجع من مئة رجل"
 

-       " ومم خوفك إذن؟"
 

-       " خوفي… حقيقة… يأتي… من خوفك أنت… فأنت لا تخافين إلا من مشكلة حقيقية "
ثم انفجرا ضاحكا… وتبسمت نورة… وأكملت:
-" أنا جادة"
- " تريدين الحقيقة"
- " بالطبع"
- " أنا هنا جالس معك… ويدي على قلبي… أريدك أن تُنهي كل أعمالك… في أقرب وقت… علينا أن نرحل… بوش يهدد… ويقال… إن البارجات… في طريقها… وكما تعرفين… لا يوجد مصادر للأخبار هنا… سوى هذه الإذاعة… أو صحف الأوردو… هل تقرئين الأوردو؟"
- " كلا"
- " ولا أنا… وما العمل"
- " أحتاج لشهر… هناك عينات زرعتها… الحد الأقل هو شهر"
- " لا أدري… الشهر كثير… ثم جمال… لا أريده أن يشعر بشيء… وأخشى أن يتأخر عن مدرسته "
- " وبم تفكر "
- " الواقع… أن لي عدداً من الأعمال المهمة… التي أخرتها… كنت على أمل أن تنتهي في وقت أقل… ولكن… لا أستطيع تأخيرها أكثر… سأبقى هنا أسبوعا… ثم أسافر… أنهي كل أعمالي… ربما يكفي لذلك… أسبوعان… بعدها أعود… ثم الرحيل… يا سلام… الرحيل"
 
 

الفصل الرابع والثلاثون
 

1- قهوة في شارع بيدر خورشيد
يبدو منسجماً لحد كبير… مع مفرداتٍ… هي أقل ما يكون انسجاما… مع ما في ذهنه… بيد أن لوحة صغيرة من ذكريات طفولته… تتناغم هنا… بشكل ما… هنا… مع مفردات قهوة شعبية… في شارع ضيق… من شوارع كابول.
إنه بشحمه ولحمه… كامل… نعم كامل… ولم لا يكون هنا… وقد ضاق ذرعا من الجلوس في المنزل… أقرب لحال ربة بيت… منه لحال دكتور تعلم في أمريكا… وصافح حضارتها وعلماءها… ثم رجل أعمال ناجح… في أهم مراحل تجارته.
لقد خرج كامل… بعد أن ذهبت الدكتورة نورة… إلى معملها… وجاء إلى هنا.
جالس على كرسيٍّ خشبيٍ طويل… له لون أزرق غريب… وبالجوار… شجرة كبيرة… لعلها شجرة تين… أو كذلك بدت.
ألقى بصره لتلك الشجرة… ولم يكن حريصا على معرفة هويتها… رشف رشفة من كوب الشاي… ثم رشف رشفة موالية لها… وألقى بصرة للشخص هناك… أمامه… ذلك الشخص… إنه يبتسم… بملء شدقه… ويخرج حافظة مليئة بالمال المتهرئ… وينادي صاحب القهوة… ويطلب كأساً من الشاي… ويدعو شخصا مارا… يبدو صاحبا له… يطلب منه أن يأتي… ليتناول معه كأسا من الشاي… فيأتي الضيف… دون اعتذارٍ بضيق الوقت… كحال أي عاطل… لا يعنيه كثيرا… مرور الوقت… يجلسان ويضحكان…. ويتحدثان… ويتفلسفان… وكأنهما قد علما كل شيء في هذه الحياة… كامل ينظر لهما ويحدث نفسه:
 

-       " يالها من دنيا… إنها حقا بسيطة… كل يراها مخلوقة من أجلة… ويظن أنه يعرف عنها ما لم يعرفه غيره"
جاء صاحب القهوة من هناك… إنه رجل في السادسة والخمسين من عمره… قوي الشكيمة والهيئة… يدعى الحاج باهر… وهو صارم صامت… يقول إنه عاش في السعودية… مدة عشرين سنة… وهو يجيد العربية… وله هيبة لدى العاملين في القهوة… ومن المعتاد… أنه بمجرد مجيئه… يحظر الصبيان في القهوة… للسلام عليه… واستقباله… ثم يجلس… ويحضر أحدهم الشاي له… وما أن يرتشف قليلا من الشاي… حتى يمد يده لجهاز راديو وتسجيل… بجواره… يبدأ بتشغيل جهاز التسجيل… على تلاوة لأحد القراء… الذين يكتظ بأشرطتهم الدرج المجاور… غالبهم من قراء الخليج.
وبعد خمس دقائق خاشعة… يمد يده… ويدير الراديو… على إذاعة لندن… ويبدأ في السماع… يتابع… ويتابع معه الجالسون… ومع الأخبار المثيرة… يبدأ الجلوس بتعليقاتهم… التي لا تخلو في كثير من الأحيان… من دقة واحتراف… وفهم للمتغيرات الدولية… والأبعاد السياسية… والحربية… للحوادث.
إنهم بسطاء… بيد إنهم سياسيون بطبيعتهم… الحديث عن الحروب والمؤامرات العالمية… والدسائس… شيء يعتاد عليه الأفغاني… ويعد جزءاً من تركيب تفكيره… مهما كان مستواه التعليمي.
ولكن الأخبار هذه الأيام… ليست مطمئنة… هناك حشود عسكرية في أماكن متفرقة من العالم… الجميع يتحدث عن أبراج التجارة العالمية… وأن المتهم فيها مسلمون… من العرب الأفغان… لا أحد يدري… عن مدى صحة مثل هذه الدعوى… بيد إن الرئيس الأمريكي… يجزم بها… لا أدلة لديه… ولا قرائن… مجرد ظنون… وهو يندد ويتوعد… وتشير أصابع الاتهام لديه… إلى طالبان… ويؤكد… إنها تحمي العصابة… التي خططت ونفذت. 
تحدث رجل في السبعين من عمره… لحيته لا يوجد فيها شعرة سوداء… قال:
- "إنهم سيأتون لقتالنا… يريدون إسقاط الدولة الإسلامية "
قام شاب ملتحي وسيم… في الثلاثين من عمره… رفع رشاشاً بجواره… وقال:
- " يريدون القتال… فليأتوا… نحن نريد الشهادة… ما المشكلة… والله لا تساوي الدنيا لدي… ما أنتعل به"
 بدت البهجة على قسمات الشيخ… وقال:
- " تعجبني يا ياسر… كذلك فعلناها بالسوفيت… وهل الأفغان لقمة سائغة للمعتدي؟… أغبياء… فليسألوا الروس!"
كامل جالس يستمع… إنه يفهم مجمل الكلام… ويحلل الأمور بطريقة أخرى… ويحدث نفسه:
- "هل يمكن بالفعل… أن تقوم الحرب… وبهذه السهولة… ما نتائجها على العالم… وعلى بلد كأفغانستان… ماذا تحتاج أمريكا للنصر؟"
إلا إن حديث صاحب القهوة… قطع حبل أفكار كامل… حين تحدث بلغته العربية… التي يفتخر دائما… عند التحدث بها… ويذكر الناس بأنها لغة القرآن… قال:
- " المشكلة دائما في الخونة… من أهل البلدان… الأمريكان مثل الروس… هم دائما يبدؤون باصطياد العملاء… العملاء من الأفغان… هم من سيبدأ الحرب… الأمريكان سيدعمون العملاء… ولكن الله معنا"
رد الشيخ:
 

-       " التحالف في الشمال… سيغدق عليهم الأمريكان… أموالا طائلة… الأموال تغير النفوس"
 

-       " لكن… ربما أصبح التحالف في الشمال… بعد أن قُتل قائده… أحمد شاه مسعود… لا أدري… ربما أصبح ضعيفا"
 

-   " هنا المشكلة… المستعمر دائما يفرح بالضعيف… يجد الذريعة لنصرته جاهزة… يدعمه… ويأخذ منه كل شيء… وفي النهاية… لا يعطيه شيئا"
قال الشاب من هناك :
 

-   " سندفنهم تحت تراب أحذيتهم… هم ومن يدعمهم… ومن قال إن للمحتل في أرض الأفغان… موطن قدم… إنهم قدرنا… ونحن قدرهم"
 
 

2- آخر ليلـة
من مطعم قديم… يخرج كامل… يحمل في يده أربعة أرغفة… ثم يدخل للملحمة… ويشتري كيلو لحم… ثم يذهب لسوق الخضار… يشتري أصنافاً من الخضروات.
لقد اعتاد كامل على الحياة هنا… لحد ما… لا بأس في المدة التي قضاها… قرابة الشهر ونصف الشهر… إنها ممتعة لحد لا بأس به… يكفيها التجارب الجديدة… والبساطة… والاجتماع مع العائلة.
 هذا اليوم… هو آخر أيام بقاء كامل… هنا… في كابول.
أكمل كامل شراء ما احتاجه… وانطلق للمنزل.
وهناك… بدأ في إعداد العشاء.
لم يطل الوقت… ها هو الجيب يقف… وتنزل الدكتورة نورة… إنها آخر جلسة سيجتمع فيها شمل الأسرة… قبل رحيل كامل.
لقد أزمع كامل… نية السفر… غداً… هو وجمال… لا مجال للبقاء مدة أطول… الدكتورة نورة لن تصحبهم… ستبقى هنا… حتى آخر لحظة.
دخلت الدكتورة نورة… استقبلها كامل… وهو بزي المطبخ… الذي اعتاد لبسه… هنا… إنه يحب أن يتفنن في إعداد أصناف غاية في اللذة… خاصة وهو يخلط معها نباتات وتوابل أفغانية… لا يعرف حتى أسماءها… ولكنه يجربها… ويضع حولها هالة تجعل منها توابل في القمة.
جاءت نورة إلى المطبخ… بعد أن بدلت ملابسها… وقفت إلى جوار كامل… لكي تساعده في إكمال ما بدأه… بالطبع… وكحال كل رجل… لقد ادخر لها البصل… كي تقطعه… لا لشيء… إلا لأن يدها كما يقول… أكثر مهارة من يده… في تقطيع البصل.
سلمت نورة للأمر… وقطعت البصل… وجاء جمال من هناك… يسأل… عن نوع الحلوى… التي ستكون مع الطعام… في هذه الليلة… إلا إن كامل… اعتذر… عن وجود أي صنف من الحلوى… بحجة إنهم أكلوا حلوى في الليلة ما قبل الفائتة… والإكثار من الحلوى… مضر بالصحة والأسنان… وجد الجميع… في كلام كامل هذا… عذرا مقبولا.
مر وقت الطبخ سريعا… وها هي أصناف الطعام… تمتد على المائدة… جلست الأسرة حول هذه الأصناف… وبدأ الحديث كالمعتاد… عن آخر أخبار تطورات البحث… وماذا عن البراعم الجديدة… المنبّتة خصيصا… وهل هي مطابقة للمواصفات المطلوبة… وفي غضون ذلك… قال كامل:
 

-       " من خلال متابعتي للأخبار… الأيام تخبئ لهذا البلد… أشياء لا تسر"
 

-       " لا تقل ذلك!"
 

-   " أنت لا تريدين سماع ذلك… ولكنها الحقيقة… هذا البلد يعيش في القرون ما قبل الوسطى… وسيعيدونه لقرون ما قبل التاريخ… هذا إن تفضلوا عليه… ولم يشطبوه من الخارطة "
 

-       " أمريكا تملك من القيم… ما يجعلها تقف أمام ارتكاب أي حماقة… من شأنها أن تهدم ولا تبني"
 

-       " أرجوك يا نورة… فكري بعقلك… لا بعاطفتك… الحرب هي الحرب… هل فكرتي في الموضوع… بجدية؟ "
 

-       " موضوع ماذا؟"
 

-       " موضوع… الخطر… الخطر المترتب على بقائك هنا… فكري جيدا"  
 

-   " لن أفرط في جهودي المضنية… إنها الخطوات الأخيرة… النتائج أصبحت شبه مؤكدة… بالنسبة لي… عليّ أن أستمر في مشروعي… إلى آخرة… لقد منحني مجيئكما… أنت وجمال… شحنة إضافية… لقد ارتفعت معنوياتي… وسير تجربتي تحسن… تحسن كثيرا… عن ذي… ولم يبق سوى آخر الخطوات "
 

-   " ولكن… يجب ألا يكون الأمر إلى ما لا نهاية… أنت تتجاهلين… أو تتناسين… الأخبار المخيفة… عن وصول عدد هائل من القوات الأمريكية… والعالمية… للدول المجاورة… لأفغانستان… الأمور تدعو لعدم الاطمئنان… الأمريكان يتوعدون… والطالبان يتوعدون"
 

-       " ربما تكون حربا خطافية… سريعة… يُقتل فيها من تريدهم أمريكا… أو يُؤسروا… لن تكون حرب استنزاف طويلة"
 

-       " ليس لدي استعداد لتركك هنا… يجب أن نغادر… صدقيني… خلال هذا الشهر… سيُقلب عاليها سافلها"
 

-       " سيقاوم الطالبانيون"
 

-       " وهل تراك تريدينهم… إن… ينتصروا… هؤلاء الرجعيون… المتحجرون "
 

-       " لا تقل ذلك… هل تتمنى نشوب الحرب؟ "
 

-   " لو رأيتهم يا نورة… وهم في القهوة… إنهم يتقافزون… ويتوعدون أمريكا… بالفعل… لو رأيتِهم… لضحكتِ… إنهم يعتدُّون بما لديهم… من ترهات… دعيهم يتأدبوا… ويعرفوا جيدا… كيف يتطاولون على أسياد العالم "
 

-       " إذن أنت تتمنى الحرب؟ "
 

-       " بعد أن نخرج… ستكون فصولها… مسلسلة مسلية… لي… يا سلام… وهم يجرونهم بلحاهم… هـ… هـ… هـ "
 

-       " أنت تفكر بحقد غير مبرر"
 

-   " نورة… أرجوك… دعينا نذهب… وبعد سقوط هذا البلد… في أيدي الأمريكان… لنعد… معززين مكرمين… سنكون حينها أكثر استقرارا… وأبحاثك لن يضيرها شيء… لو تأخرت أشهرا"
 

-       " سافر أنت وجمال… وأنا سأبقى… أرجوك… لا تحملني أكثر مما أطيق… أبحاثي أصبحت جزءا مني "
 

-       " إذن سنسافر في الغد"
 

-       " هل تأكدت يا كامل… من أن مطار كابول… مقفل… وأنه لم يعد يعمل؟"
 

-       " نعم… إنه مقفل… لا طائرات قادمة… ولا طائرات مغادرة… ولا طائرات أصلا"
 

-       " مشكلة كبيرة… بالفعل… الحل الوحيد لكم… هو… السفر برا"
 

-       " ولم لا!… السفر براً… تجربة جديدة"
 

-       " أمامكم طريق طويل… قبل الوصول للحدود"
 

-   " ويالها من طريق… لو أنهم لم يقفلوا المطار… لكان الحال مقبولا… ولكن… إقفال المطار… يجعلنا مجبرين على أن نعبر الطرق جبلية المخيفة… ولكن… سنتحمل" 
 
 

3- تلفزيون باكستاني
سيارة جيب قديمة… تقلهم… إنها تهزهم يمنة ويسرة… وجنود الطالبان… يقفون في نقاط تفتيش… تواجه السائر… على طول الطريق… فقط يدققون النظر… في ملامح الرائح والغادي… وفي أحيان قليلة… يقومون بتفتيش السيارة… وربما… صادروا بعض ما فيها.
أخبار سيئة… عن معارك في الشمال… وطائرات أمريكية… تُرَى من علو… ولا يلبث السائر… أن يرى آثار منزل محطم… من وقع القذائف عليه.
قلبان يرجفان… قلبا كامل وجمال… وكلما قلّبا طرفيهما… يزداد توترهما… ويقول كامل للسائق:
 

-       " أرجوك… حاول أن تسرع… الوقت ليس في مصلحتنا"
يدير السائق رؤوف… رأسه ويقول:
 

-       " الصبر مفتاح الفرج… ألا ترى الطريق… نصفه مسفلت… ونصفه أحجار بارزة… كرؤوس الشياطين"
هز كامل رأسه… في حين قال جمال… يسأل والده :
- " هل بدأت الحرب؟"
أجاب السائق… دون أن يُطلب منه ذلك :
 

-       " في الشمال فقط… الحرب بدأت في الشمال… لن يتقدم الخونة"
 لم يجب كامل… اكتفي بصمته… واستمرت إطارات السيارة… في الدوران… الهوينا.
وبعد قرابة نصف الساعة… وقفت السيارة… ونزل الجميع… إلى مطعم صغير… دخلوا من الباب الخشبي… المتهالك… بعض الشيء.
استقبلهم رجل في الثالثة والأربعين… ابتسم لهم… وقدمهم ليجلسوا على طاولة خشبية… جلس الثلاثة… وطلبوا شيئا من لحم الضأن المشوي… مع الخبز المصنوع في التنور… وطالعوا شاشة تلفاز… ينقل بث قناة باكستانية.
في نشرة الأخبار… كان الحال غير مطمئن… صور مذهلة… للحشود العسكرية… وصور قاتمة… لصور القصف… وجنود أفغان… من التحالف الشمالي… يتوعدون بطرد الطالبان… وتنكيلهم… وفي أيديهم أسلحة متطورة… للتو استلموها من الجيش الأمريكي… وصور لرجال شعث الوجوه… يحملون مساحيهم… ويزيلون الأنقاض… التي تهدمت على رؤوس عائلاتهم.
ذهل الجميع للمشهد… وانتهى الطعام… وقاموا… ودفع كامل قيمة الغداء… وفي الخارج… اشترى السائق رؤوف جالوني بنزين… سعة عشرين لترا… سكبهما في خزان الوقود… واشترى كامل… عددا من علب البسكويت… كانت مع بائع متجول… يطوف بها لدى السيارات التي تقف… وبعد أن ركب كامل وابنه السيارة… أدار السائق المحرك… وانطلقت السيارة.
 
 

4- عطل في السيارة
مازال الطريق وعرا… ومازالت أجسادهم ترتفع وتنخفض… وقلوبهم معلقة بالوصول للحدود… ثم الانطلاق إلى مطار إسلام أباد… ثم إلى الخليج.
لقد ادلهمت أيام الحرب… مثل كابوس… من كان يصدق… أن تبدأ الحرب… وتزداد ضراوة… بكل هذه السرعة… لازال الطالبانيون يقاومون ويتوعدون… ولكن التحالف وأمريكا… حشدوا الجيوش… ورائحة الدخان في كل أنف.
فتح صاحب السيارة الراديو… ليستمع من خلاله… بعض آيات القرآن الكريم… لم يجد كامل غضاضة في التأقلم مع هذا الجو… استمر القرآن يتلى… ولم يقطع صمتهم ذاك… سوى صوت شديد… في إحدى جهات السيارة… بعدها… مالت السيارة يمينا وشمالا.
ارتبك السائق رؤوف… ثم وضع قدمه على الكابح… وتوقفت السيارة… نظر السائق إلى كامل… في حيرة… ثم نزل… واتجه لأحد الإطارات… تأمله قليلا… وبدا غاضبا… ثم عاد لكامل… وقال:
- " لقد انكسر المساعد الأيمن… في السيارة… لن نتمكن من إكمال طريقنا… إلا بعد إصلاحه"
 وضع كامل يده على رأسه… في حسرة:
 

-       " ما هذه المصيبة؟… ولم الآن بالذات؟"
قال كامل وهو ينزل:
 

-       وكم من الوقت… يستغرق إصلاحه ؟ "
 

-       " اطمئن… لدي خبرة كافية في إصلاحه"
 

-       " صحيح"
 

-       " نعم… نعم… ولكن… المشكلة… أننا… قد نحتاج لقطعة غيار"
 

-       " قطعة غيار"
 

-   " لا تهتم… لدي العدة كاملة… سأفك القطعة القديمة… وسأحملها لقرية شيرزادة… توجد مخرطة هناك… ومحل لقطع الغيار… لعلهم يصلحونها لي"
ضرب كامل يديه في بعضهما… في ضجر ظاهر… وقال:
 

-       " هذا ما ينقصنا"
في حين قال السائق:
- " أرجو ألاّ أحتاج لاستبدالها… بأخرى جديدة… ذلك حتما سيكلفني الكثير… ربما نصف المبلغ… الذي سآخذه أجرة منك… وهذا يعني… أن يضيع جهدي سدى… سأحاول إصلاح القطعة… وأرجو أن تعوضني أنت… بمبلغ يساعدني"
نظر له كامل في بلاهة… في حين أكمل السائق:
- " ولكن السؤال… متى ستمر سيارة من هنا… وتنقلني إلى قرية شيرزادة؟"
 

-       "ونحن!"
 

-   " أنتم!… أنتم عليكم البقاء… لو تيسرت لي سيارة… هذا اليوم… فحتما سأصل قرية شيرزادة… مع صلاة العشاء… قد أتمكن الليلة… من إكمال إصلاحها… لا أدري… ولكن… المؤكد… أني لن أجد سيارة… تحضرني إلى هنا… هذه الليلة… على كل الأحوال… سأكون هنا… ظهيرة غد… وحال عودتي… سأبدأ بتركيب القطعة"
 

-       " أنت؟"
 

-       " بالطبع… أنا… ألا تعلم؟… أنا كنت أصلح الدبابات… التي نغنمها من الروس… أيام الحرب"
ابتسم كامل وهو يقول:
- " شر البلية ما يضحك"
في حين نظر السائق لجمال… وقال:
 

-   " لو انتهينا منها مع صلاة العصر… يوم غد… وواصلنا السير… فسنكون على الحدود… صباح بعد غد… يوم ونصف… سننتظر هناك… ثم… سنعبر الحدود… وتستقلّون حافلة باكستانية… مكيفة… ثم… في رعاية الله "
قال جمال… وهو ينظر لوالده :
- " أبي… لمَ كل هذا العناء… أنتم ترتكبون جريمة في حقي"
أمسك كامل بيد ابنه… وسارا قليلا… ليجلسا على صخرة صغيرة… مجاورة للطريق… في ظل شجرة كبيرة… وقال أثناء سيرهما:
- " ولدي… جمال… عليك أن تتعلم… أن العناء ضروري في طريق بناء المجد… نحن هنا… نعمل ونكتشف… نحن نتعرف على أشياء جديدة… أمك هناك… في معملها… كان من الممكن… أن تكون مرتاحة في منزلها… تذهب لعملها في الجامعة… بكل هدوء… وأنا كذلك… ولكننا نغامر… نكافح… لنكتشف الجديد… أمك تحمل رسالة سامية… ضحّت بكل راحتها… لتصل لنجاح كبير… كبير جدا… ونحن لا نملك إلا أن ندعمها… نجاحها نجاح لنا "
أشاح كامل بوجهه قليلا… وقال:
 

-   " كانت الأمور تسير في مجراها الطبيعي… لولا هذه الحرب… لو أنها تأخرت قليلا… حتى تنتهي نورة من أبحاثها… ونترك هذا البلد… أو… أو لو أن المخدرات… تزرع في بلد غير أفغانستان… أخ… ولكن… لا حيلة "
 

-       " ودراستي يا أبي"
 

-   " دراستك!… لا عليك… أنت تدرس في أرقى المدارس العالمية… سأطلب منهم تكثيف الدروس لك… في المقررات التي فاتتك… لا مشكلة… كل شيء تستطيع أن تدركه… لم يفتك شيء "
 

-       " هز جمال رأسه… في حين قام كامل… واتجه للسائق رؤوف… الذي يعمل بجهد… لفك القطعة المعطوبة… في السيارة… وقال له :
 

-       " قل لي… كيف سنقضي ليتنا… هنا… أنا وابني؟ ".
 نظر السائق إليه باهتمام… وقال:
 

-       " دقيقة… كل الأمور محلولة… دعني أنهي هذا العمل… سيكون كل شيء على ما يرام"
وقف كامل مشبكا أصابعه… وبعد مرور دقائق… كانت القطعة المعطوبة… محمولة في يد السائق رؤوف… وقف رؤوف… في شعور بإنجاز مهمته… وقال… وهو يقترب بالقطعة.. من وجه كامل:
 

-   " أنظر… هذا الجزء… هو الجزء المعطوب… لا نحتاج لتغيير القطعة كاملة… بحمد الله… سنلحمها… ونُبدل هذا المسمار… لن تكلف كثيرا"
 

-       " ثم ماذا؟"
 

-       " ذلك الطريق الوعر… وتلك الأحجار… كانت كفيلة بفعل الأفاعيل… بهذه السيارة"
 

-       " ثم ماذا؟ "
 

-       "ثم قل لي أنت… لم تترك بلاد الأفغان… في هذا الوقت الحرج… بلاد الأفغان… كان الأولى أن تبقى"
هز كامل رأسه في عجب وقال: 
 

-       " أبقى… هـ… هـ… هـ… أبقى للموت… ليس هذا الموضوع… قل لي… كيف سننام؟ "
أشار السائق رؤوف… لمؤخرة السيارة… وقال:
- " لا عليك… يوجد لدي خيمة صغيرة… وموقد… وفراش… وشاي… وسكر… ودقيق… وربما معلبات… ستبقون في أمان الله… هنا… فنحن بعد أن حكم الطالبان… لا نخاف إلا الله… البلد آمن… لولا هؤلاء الصليبيين الجدد… ولكن… الله معنا"
 

-       " صليبيون جدد؟!… لو أن عندك قدراً أعلى من الثقافة… لحاورتك "
 

-       " ماذا تقول؟ "
 

-       " لا… لا… لا شيء" 
 
 

5- داخل الخيمة
الظلام يخيم على كل شيء… كامل جالس على قطعة حصير صغيرة… جواره جمال… والنار موقدة أمامهم… وهناك… تبدو الخيمة المنصوبة… يتسلل الضوء من داخلها بهدوء.
الجو ليس حارا… ولا باردا… لتوهم فرغوا من تناول عشائهم… شيء من الخبز… وبعض المعلبات… لقد عجن كامل الدقيق… وخبزه… شيء أقرب للمستحيل… منه للواقع… ولكنه بالفعل… حصل.
كامل… مازال يحدث نفسه… عن صور المكتشفين الغربيين… ومدى معاناتهم… من أجل الوصول لمرادهم:
 

-       " وما المشكلة… ليلة مليئة بالمغامرة… والتحدي… هنا… في أفغانستان… إنها جديرة بأن تكتب في مذكراتي"
نظر كامل لجمال… وقال :
 

-       " بالتأكيد… استمتعت يا جمال"
 

-       " سيكون بقاؤنا ممتعا… لو كان باختيارنا… نحن غير متأكدين… من انتهاء مشكلة السيارة… غدا… أليس كذلك؟"
 

-   " كلا يا بني… ستنتهي المشكلة… غدا… ولكن… عليك أن تستمتع بليلتك… كمستكشف مغامر… الحياة الرتيبة… لا تملك طعما ولا رائحة… أنا أعتبرها فرصة سانحة… لنا… أن نكشف عن ذواتنا… بهذه الطريقة… ستكون تجربة فريدة… بلا شك… اعتبرها رحلة… مع مجموعات الكشافة… في جبال الألب"
 

-       " أبي… حدثني عن اكتشاف أمريكا… كيف كانت البداية؟ "
 

-       " أنت تحب هذه القصة كثيرا… كم أعيدها لك "
 

-       " قلها لي يا أبي"
 

-       " حسنا… هيا إلى داخل الخيمة"
قام الرجل وابنه… دخلا الخيمة… وأغلقا بابها… وخف نور السراج… وبدأ الوالد في سرد القصة.
 
 

6- على ما يرام
الشمس تدنو من الغروب… وحتى الآن… لم يصل… سائق السيارة… مر أكثر من يوم… ولم يأت أي خبر.
كامل يدخل الخيمة… ويخرج… وأخيرا… ها هو الصوت القادم… من بعيد… إنه صوت سيارة… ترتطم إطاراتها بأحجار الطريق… غير المعبد.
خرج كامل في لهفة… ها هي السيارة… مرت زهاء الدقيقة… وها هو رؤوف… إنه في مقعد الراكب… يبدو واثقا من إنجاز المهمة… لم يطل الوقت… وقفت السيارة… ونزل رؤوف… يحمل صندوقا كرتونيا… قال ساعة وصوله :
- " السلام عليكم… لقد نجحت العملية… ها هي القطعة المعطوبة… لقد أصلحناها "
مد رؤوف يده لصاحب السيارة… ليعطيه أجرته… ثم اتجه نحو سيارته الجيب… فتح الباب وأخرج العدة… وبدأ في معالجة مسامير القطعة… التي في يده… يبدو ماهرا… طلب من كامل مساعدته… في إحضار بعض المفكات… من داخل السيارة… قال كامل ساخرا من نفسه :
 

-       " أيعقل… أن أعمل مساعدا… لهذا الأفغاني"
ابتسم كامل لهذا الموقف… الذي عده طريفا… ويستحق التدوين… في سيرة مغامرته… التي ستكتب لاحقا… وقام بدور العامل المساعد… على أتم وجه… وبعد أن أكمل رؤوف… معالجة التصليح… قام فرحا… وقال:
- "علينا أن نجمع الأغراض… سننطلق الآن "
- " أخيرا"
وفي غضون دقائق كانت الخيمة… وبقية الحاجيات… في مؤخرة السيارة… وعلى بركة الله… انطلقت السيارة .
 
 

7- تفتيـش
مر يومان… على حادثة عطل السيارة… هاهو كامل وابنه… منهكان أشد الإنهاك… ورؤوف… يبدو… وكأن شيئا لم يكن… إنه يتغنى بقصائد وأشعار… ويبدو منسجما مع العناء ومبتهجا له.
لم يعد كامل يشكو طول الطريق… لأن لوحة حديدية صدئة… هناك… كتب عليها… ( الحدود الباكستانية 5 كلم )… إنها نهاية تلك المعاناة العصيبة… قال رؤوف:
- " ها نحن وصلنا… هناك… تمتطون سيارة باكستانية… وللمطار… ستجدون حجزا… بالتأكيد… ثم إلى بلادكم"
لم يجب كامل… وإنما عالج حافظة نقوده… ليخرج الأجرة… لقد قرر أن يضاعفها لرءوف.
وعلى مسافة منهم… بدت نقطة تفتيش… دقق رؤوف… النظر… في الجنود الواقفين هناك… أصابه شيء من الدهشة… قال في همس :
 

-       " ماذا حصل؟… هؤلاء لا يبدون من طالبان!… هل تغير شيء؟"
 

-       " تغير شيء!… لم أفهم!"
 

-       " يبدون من تحالف الشمال… هل يمكن؟… لا… لا… لا"
 

-       " ماذا تقصد؟ "
 

-       " لا أدري… هل انسحب جنود طالبان؟… أم ماذا حصل؟"
ابتسم كامل ساخرا… وقال:
 

-       " تقصد أنهم انهزموا… ولم لا… أليسوا يقاتلون الأمريكان"
لم يجبه رؤوف… كان مشغولا بمعالجة أفكاره… ويبدو مرتبكا على غير عادته… ويطالع يمنة ويسرة… وبمجرد دنو السيارة… من نقطة التفتيش… وجه الجنود بندقياتهم للسيارة… وأشاروا له بالوقوف:
 أوقف رؤوف سيارته… أردا أن يترجل منها… ولكن… الجنود أشاروا له بالبقاء… قال كامل :
 

-       " هل من مشكلة؟ "
 

-       " لا أدري… ولكن… هؤلاء ليسو من طالبان "
 

-       " ماذا تقصد؟"
لم يجب رؤوف… لأن الجنود أصبحوا محيطين بالسيارة… صرخ أحدهم… بصوت عال :
 

-       " جميع من في السيارة… ارفع يديك على رأسك… دون أن تحدث أي لغط"
أدار رؤوف عينيه… ثم وضع يديه على رأسه… وكاد كامل ألاّ يفعل… ولكنه فعل ذلك… في حين قال جمال… بعد أن اقترب من والده… حتى أصبح ملاصقا له:
 

-       "ماذا حصل يا أبي؟"
 

-       " لا تخف… لا مشكلة… هذه إجراءات… يصنعونها… في كل الحدود… ضع يديك على رأسك "
 

-       " ولم أتيتم بنا… لنعاني كل هذا العناء… لماذا؟ "
 

-       " اطمئن… ستكون الأمور بأحسن حال "
تقدم أحد الجنود… وفتح الباب… ونزل رؤوف… وبمجرد نزوله… صرخ الجندي من هناك:
-" أيها الراكبان… انزلا"
 وتقدم جندي… وفتح أحد البابين الخلفيين… ونزل كامل… وتبعه جمال… وصرخ الجندي:
- " الجمع… في وضع انبطاح على الأرض… بسرعة"
 كانت البنادق موجهة إليهم… انبطح رؤوف… وصنع كامل وابنه مثله… كانت القلوب تدق بقوة… إلا أن ضربات قلب الطفل… هي الأشد على الإطلاق… تقدم الجنود بسرعة خاطفة… أشبه بسباع منقضة… وكانوا يديرون أيدي كل من أولئك المنبطحين… خلف ظهورهم… ويربطونها بحبال من النايلون… الخفيف والقوي… ويفتشوهم… مع ما يشبه الحقد الدفين… أشار المسئول عن الجنود… بأن يعاملوا الطفل… بلطف… وطلب بإحضاره إليه… في حين بقي رؤوف وكامل… في الشمس… منبطحين وموثقين… وأربعة من الجنود… يحيطونهما… شاهرين بنادقهم.
صرخ كامل:
 

-       " لماذا تفعلون بنا كل هذا… نحن مجرد عابري سبيل… هل تحسبوننا أمريكان؟"
رد أحدهم:
 

-       " اخرس… الأمريكان أطهر منك… يا طالباني… يا قذر"
شهق رؤوف بذعر… ورفع رأسه قليلا… ليتحقق مما خالج قلبه… لكن… ركله أحدهم… وقال:
 

-       " اخفض رأسك"
لم يشأ رؤوف… أن يتساءل… ولكنه جزم في أعماق قلبه… أن تحالف الشمال… أصبحوا مسيطرين على هذا المكان… قال في تشجع :
 

-       " ما التهمة التي من أجلها… صنعتم… كل هذه المسرحية؟"
 

-        " عليك أن تصمت… وحسب… إذا كنت بالفعل… تريد البقاء على قيد الحياة"
أحس رؤوف… بركلة قوية… مسددة على وجهه… بعدها صمت… في حين تقدمت سيارة تويوتا… (بحوض خلفي)… وطُلب من كامل ورءوف… الصعود إلى الحوض… دون إزعاج… صرخ كامل:
- " ماذا تفعلون… هل أنتم مجانين؟… المسألة مسالة اعتقال إذن"
- " أصمت "
- " جمال… جمال… ماذا سيفعل جمال؟"
صرخ جمال من هناك:
 

-       أبي… أبي… "
لكن أحدهم… أمسك يد جمال… وأدخله للداخل .
 
 

8- أعقاب بنادق
سيارة الجيب تهتز… وتهتز… ويهتز في حوضها الخلفي… رجلان مكبلان… أحدهما كمال… والآخر رؤوف… ويقف على رأسيهما… ممسكا ببندقيته… جندي أفغاني… لا يبدو أبدا.. من جنود طالبان… ماذا حصل للدنيا؟… وما الذي تغير فيها؟.
مشاعر كمال… لا يمكن وصفها… إنها تمثل التناقض بكل صوره… يبتلع ريقه بصعوبة… وينظر من خلال يديه المكبلتين… أمامه… ويتساءل:
- " ما الذي حدث؟… وكيف حدث؟… ولم؟… وأين جمال؟… ماذا ترى سيُفعل به؟… ثم… ثم لم تم القبض علي؟… هل هناك بلاغ عني؟… أم أن جريمة ما… قد اتُّهمت بها؟… أم أن السائق تآمر علي؟… ولكنه مكبل معي… هل يريدون أخذ أموالنا؟… أم هل يريدون تعذيبنا؟… شيء غريب… لا يمكن التنبؤ به… ونوره… ماذا حصل لنورة؟… هل هي تعاني… كحالنا؟… أم أنها في معملها… لا تدري ما الذي حصل؟… مشغولة بعقاقيرها… وفئرانها… ماذا لو حصل لجمال مكروه؟… ماذا سأقول لها؟… بل هي… هي… ماذا ستقول لي؟… بعد أن ضحينا كل هذه التضحيات… من أجلها… ومن أجل أبحاثها… ثم تكون نهايتنا… بهذه المأساوية "
أغمض كمال عينيه… دخل في دوامة سريعة… من الأفكار… كل شيء ممكن… إلا فقد جمال.
الوقت يمر ببطء… والسيارة تهتز… وتهتز… وها هي الشمس… هناك… ترمي نفسها… في أحضان الغروب… قال رؤوف… بحنق:
 

-       " نريد أن نصلي المغرب… نريد أن نتوضأ"
رد علية الجندي بحنق:
 

-       " اخرس"
لم يفكر كامل كثيرا في موضوع الصلاة… ولكنه يشعر بحاجته لدورة المياه… فكر قليلا… في كيفية طلب ذلك… ولكن السيارة توقفت دون سبب واضح… شعر كامل… أن الأزمة ربما انفرجت… نزل السائق… وأومأ للجندي… في حوض السيارة.
قفز الجندي… بسرعة… وفتح الباب الخلفي… وقال صارخا:
 

-       " هيا… انزلا"
أمسك الجندي… بيدي كامل… وسحبه لأسفل… وحين وقع على الأرض… صرخ في وجهه:
– " انهض… هيا "
ثم أمسك يد رؤوف… سحبه… وفي تلك الأثناء… صرخ كامل قائلا:
- " ما الذي يحصل… من حقنا أن نعرف… يا لكم من إرهابيين … منتهى الهمجية… أنتم تهينون البشر… وتقولون أنكم حكومة إسلامية… طالبانيون… متخلفون"
وكزه الجندي… بمؤخرة بندقيته… وقال متشفيا:
 

-       " تحسب نفسك ذكي؟… لا تخفى علينا ألاعيبكم… ستلحق جماعتك… عما قريب"
سار كامل ورؤوف… مكبلان… أمام ثلاثة من الجنود… وكان الجنود… يلقون إليهم أوامر صارمة… تتعلق بخط السير… والسرعة فيه.
كان السير صعودا لأحد الجبال… وبعد سير لمدة عشر دقائق… وصل الجميع… إلى مكان محصور… في أسفل أحد الأودية.
دهش كامل… عندما رأى قرابة الأربعين شخصا… جالسون في ذلك المكان… وقد كُبلت أيديهم وأرجلهم… وجنود أفغان… آخرون… يقفون… حاملي البنادق… فوق رؤوسهم… وتتابعت الصرخات… من الجنود:
 

-       " هيا… اجلس… اجلس هنا "
جلس كامل… وجلس رؤوف جواره… لوم يتمالك رؤوف نفسه… لذا… سأل أحد المجاورين له :
 

-       " ما الذي حدث؟"
نظر له بصمت… ولم يجب.
أعاد رؤوف النظر… هنا وهناك… وأعاد السؤال:
 

-       " ما الذي حدث؟ "
نظر له الرجل خلسة… وقال :
 

-   لقد انسحب الطالبانيون… وهؤلاء… هم جنود تحالف الشمال… إنهم هنا… بدعم من الأمريكان… وهم يمسكون كل من يشتبهون في انتمائه "
طأطأ رؤوف رأسه… في حسرة… وقال متحدثا مع نفسه :
 

-       " إنا لله وإنا إليه راجعون"
تنبه كامل… لمشاعر الحسرة تلك… واقترب من رؤوف… وسأله :
 

-       " ماذا حصل؟"
لكن الجندي الواقف… سمع السؤال… لذا رد عليه بكلمة بذيئة… ووكزه بمؤخرة البندقية… قائلا:
 

-       " اصمت… اصمت "
نظر رؤوف لكامل.. في شفقة… ولم يتحدث إليه.
 
 

9- الوادي المظلم
الوقت يمر كئيبا مرعبا… وأشعة الشمس… تختفي تدريجيا… خلف الجبال الوعرة… والظلام يخيم… والأمور في ذهن كامل… ملتبسة… غاية الالتباس.
 زفر كامل… زفرة طويلة… واستغل انشغال الحارس… الذي يقف فوق رأسه… ومال قليلا… برأسه… جهة رؤوف وقال :
 

-       " ما الذي يحدث بالضبط؟ "
نظر رؤوف… في توجس… وقال بهدوء:
 

-       " لقد انسحبت قوات طالبان… واستولى العملاء على البلد… هاهم يذيقوننا أصناف العذاب"
أحس كمال بما يشبه الوخزة في قلبه… حدث نفسه:
 

-   " هل يمكن أن أُعتقل… بهذه البساطة؟… هل انتهت حياتي… بهذه الصورة المدهشة؟… هل فقدت كل شيء؟… مركزي!… أسرتي!… أموالي!… كل شيء!… هل سيحكم علي بالحبس؟… ولكن… ما هي التهمة؟… ما هي؟… هل أنا أحلم؟… ياله من حلم!… وهل سيبقى جمال… عند أولئك الأوغاد؟… ما هو مستقبله؟… هل سيقتلونه؟… هل سيعذبونه؟… هل يمكن أن يطالبوه… باعتراف… عن شيء ما؟… حول قضية ما؟… هل يمكن أن يستخدموه ورقة ضغط… ضدي؟.
لا… لا… لا يمكن… أنا بريء من أي تهمة… أنا مجرد زائر… لهذا البلد… لا داعي للقلق… غدا سيتم التحقيق معي… وبمجرد معرفتهم هويتي… سيتم الإفراج عني… لا داعي للخوف… أبدا… ولكن جمال… كيف يمكن أن أجده؟… بعد خروجي من رهن الاعتقال… لا… لا مشكلة… سيصل لوالدته… إنه يعرف مكانها جيدا… لن يعدم الحيلة"
مر الوقت طويلا… إنه يدحرج ساعات الليل المظلمة… في هذا المكان المرعب.
أضواء خافتة… تنبعث بكآبة… من فوانيس الكيروسين… وتبعث قليلا من الدفء… وعمامات المعتقلين… تبدو من بين هذه الصخور… وهي تلتف على وجوهم… ويبدون تحتها… وهم يعدون حسراتهم.
جميعهم يشعر بشيء من أمل… في غدٍ أفضل… بيد إن انصرام ساعات الليل… وانبجاس أضواء الفجر… جعل حراسهم… أشد ضراوة من ذي قبل. 
وفي تلك الأثناء… صرخ أحد الجنود :
- " الجميع… أفيقوا"
قام الجميع… بعضهم لم ينم… والبعض الأخر… نام نوما متقطعا… ولكن الجميع… بالطبع… لم يكونوا سعداء بهذا النداء.
لم يستجب الأكثرية للنداء… لذا سارع الجنود… في استخدام أعقاب بنادقهم… لركل المتباطئين… وبعد عدة ثوان… كان جميع المعتقلين… واقفين… في انتظار آخر الأوامر.
صاح أحد الجنود… بعد أن أخذ الأمر من رئيسة:
- " هيا إلى الطريق… هيا".
بدأ المعتقلون السير… تحدوهم البنادق… وأسئلتهم الحائرة… عما ينتظرهم… إلا إن أسئلة كمال… هي الأكثر تعقيدا… على الإطلاق.
سار الجميع عائدين… للطريق الذي تركوه ليلة البارحة… في انتظار نقلهم لمكان ما… لا يمكنهم التنبؤ به.
مضت دقائقهم تلك… قاسية صلبة… كان بعضهم يختلس لحظة… لينحني للأرض… ويتيمم… ثم يصلي ماشيا.
مر قرابة الربع ساعة… وهناك… هاهو الطريق… شبه المسفلت… وها هي سيارات رمادية… يوجد فيها عدد من الجنود الأمريكان… ساعتها… كانت صدمة كمال… مدهشة.
 
 

10- الحاويـات
صراخ مرتفع مؤذٍ… يدخل الآذن… ويعبث داخلها.
وجنود أفغان… يبدو أنهم من تحالف الشمال… ويحملون بنادقهم… ويرتدون بدلهم العسكرية… بطريقة غير منتظمة… ثم يحيطون جموع المعتقلين… ولا تزال نظراتهم… تتقلب هنا وهناك.
ودورية تحمل عددا من الضباط الأمريكان… تصل… وينزل قائدها… ليلتقي بالقائد الأفغاني المسئول.
المسألة تبدو ضبابية… والمطلوب غير معروف بالتحديد… مر المزيد من الوقت… وصلت شاحنتين… وكل منهما… تحمل فوقها حاوية… ولا يبدو أن إي من الشاحنتين… تتبع الجيش الأمريكي… ولا تبدوان أيضا… تابعة للأفغان… المتحالفين مع الأمريكان… ولكنها تبدو مستأجرة… وربما كان وجودها بهذا الشكل… لمجرد التمويه… أو لأمر آخر.
وبعد وقوف الشاحنتين… فتحت الأبواب الخلفية… للحاوية الأولى… بدت الحاوية… صندوقا حديديا… محكم الغلق… معد لنقل البضائع… وعلى جدرانه عوازل إسفنجية.
أشار الجندي الأمريكي… للمسئول من حلفائهم الأفغان… وأمره بإدخال جميع المعتقلين في الحاوية.
هز الأفغاني رأسه موافقا… وأمر أحد الجنود… أن يضع سلما صغيراً… ثم استُخدمت العصي وأعقاب البنادق… من قبل الجنود الأفغان… في الدفع بالمعتقلين… للداخل… امتلأ صندوق الحاوية… عند دخول قرابة الثلاثين معتقلا… كامل ورؤوف مايزالان في الخارج… تقدم أحد الجنود… نحو رؤوف… دفعه بغضب وهو يقول :
 

-       " اصعد"
نظر له رؤوف… بحقد… وقال:
 

-       " أين… ألا ترى… لا يوجد مكان"
ضربه على رأسه بالهراوة… وقال بغضب:
 

-       " اصعد"
تمالك رؤوف توازنه بالكاد… وصعد وهو يتألم… وحشر نفسه مع الجالسين… في مؤخرة الحاوية… واستمر صعود بقية المعتقلين… الواحد تلو الآخر… إنهم يلقون بأنفسهم فوق الجالسين أمامهم… في ذل وهلع… وصعد كمال… إنه لا يكاد يصدق ما يحدث… يريد أن يقول شيئا… يريد أن يعترض… أن يمانع… ولكن… ليس باليد حيلة… دخل بهدوء… وركله أحد الجنود لتأخره… لم يكن قادرا على الرد… سار خطوات… ورمى نفسه فوق أحدهم الجالسين… تذمر الشخص الذي تحته… ولكنه صمت في النهاية… وأغلق باب الحاوية.
 
 

11- طائش
الظلام يخنق كل شيء… حتى الأنفاس المخنوقة أصلا… والتي تخرجها الرئات المكتظة… في هذا الصندوق المحكم… لا أحد من هؤلاء المتراصين فوق بعضهم… يمكنه التنبؤ بما تحمله اللحظات القادمة… في طياتها… إلا أن شبح الموت… يجيد رسم صورته القبيحة… في كل ذهن… بريشة محترف.
مرت دقائق خمس… بدأ الهواء الحار… داخل الحاوية… يسابق قطرات العرق… في الهطول… والظمأ… الظمأ… يكاد يصلِّب العروق… في تلك الأجساد… صرخ أحدهم:
 

-       " افتحوا الباب… افتحوا الباب"
ولكن لا مجيب.
كامل ينظر للعتمة حوله… بالطريقة نفسها… التي بدأ ينظر من خلالها… للحياة:
 

-       " هل مات جمال؟… هل سرقوه؟… هل سيجعلونه يعمل معهم… في أعمال مرهقة؟… هل سيهينونه؟… هل قتلوه؟"
أسئلة دون إجابات.
وقف كمال بصعوبة… وبدأ يصرخ دون وعي:
 

-       " افتحوا الباب… افتحوا الباب… افتحوا"
نظر له أحد الجالسين… وسحبه من تلابيبه… قائلا:
 

-       "أصمت… صراخك يقلل كمية الأكسجين… نحن نختنق"
نظر كمال له في بلاهة… وواصل الصراخ.
بدأت صرخات من هنا وهناك… في جنبات الحاوية… وبدأ الطرق على جدرانها يزداد… وبدأت الحاوية تهتز… وتهتز السيارة التي تُقلها.
وفي الخارج… تنبه الجنود… لما يحدث في الداخل… توقفت الحاوية… وأمر أحد الجنرالات الأمريكان… بفتح ثقوب في الحاوية.
وجه الجنود بنادقهم لجدران الحاوية… وسمعت طلقات الرصاص… وهي تُحدث الفجوات الصغيرة… التي يدخل عبرها النور للداخل.
لم يكن الرصاص الطائش… وهو يخترق جدار الحاوية… ليحترم قدسية أرواح المعتقلين… لقد كان لزاما عليه… أن يخترق أيما جسد يواجهه.
انطلق الرصاص… وصمت الجميع… داخل الحاوية… وانبطحوا أرضا… وصرخ من أصابتهم الأعيرة… أو سقطوا.
ومع تلك الصور… أغمي على كمال… ولم يعد يدري… ما الذي يحدث!. 
 
 
 

12- إلى سقر
مع انتصاف شمس الظهيرة… انطلقت الشاحنة… مع من فيها… سارت… وكأنها تعرف طريقها المتعرج… في تلك الجبال… الشاهقة.
الدنيا صامتة… حول تلك الشاحنة… التي كان لزاما عليها… أن تهتز… وتهتز… ويهتز من بداخلها… مر الوقت ثقيلا… وطال الطريق معه… ثم طال… الجميع داخل الحاوية… نائم… أو شبه نائم.
ومع اهتزازات الشاحنة المتتالية… يفيق أحدهم… هنا… أو أحدهم… هناك… ولكن الجو المخنوق… داخل هذا الصندوق محكم الغلق… أشبه بالقبر… وبمجرد إفاقة أي شخص… من هؤلاء… يتحسس ما بجواره.
وفي تلك الأثناء… أفاق كمال… لم يدرك في البداية… ما بجواره… تذكر لقطة قصيرة… من الحلم الذي كان يعايشه للتو… وهو بجوار زوجته وابنه… إلا إنه عرف… أنه مجرد حلم… والواقع الآن… أنه في الحاوية… المتجه لما لا يعلم.
تحرك كمال… بهدوء… الحر قاتل… والثقوب المتناثرة في جوانب الحاوية… تدخل هواء قليلا… مد كمال يده… وقعت يده على رأس شخص نائم… بدا لكمال… في الوهلة الأولى… أنه نائم… بيد أن الجسد البارد… جعل إحساسا بالرعب… يتسلل لقلب كمال… الذي لا ينقصه رعب.
أدرك كمال… أن الرجل الذي حسبه نائما جواره… مجرد جثة هامدة.
نظر كامل… للوجه المتصل بتلك الجثة… كان بصيص من ضوء… متسلل من أحد الثقوب… في جدار الحاوية… ينعكس على جرح غائر في جبين الضحية… دقق كمال في عدد من الأشخاص المترامين هنا وهناك… يا لها من حاوية… ويا لهم من أموات… وياله من مكان مرعب.
زفر كمال… زفرة طويلة… وبدأ بعض أولئك الملقين… بين حياتهم وموتهم… في طلب الماء… أو الصراخ من الألم… أو طلب تضميد الجراح.
أغمض كمال عينيه… ليحتمل الروائح الكريهة… لم يدر كم مر من الوقت… منذ ركوبهم هذا القبر المتحرك… إلا إن الساعات التالية… حتما… ستكون قاسية للغاية.
مر نصف نهار… وبعدها… وقفت الشاحنة… بحاويتها.
أصوات جلبة جنود أمريكان… يصدرون أوامرهم لجنود أفغان… وأخيرا… فتحت الحاوية… وقفز جنود أفغان… وبدأوا يصرخون بعنف… ويطلبون من تلك الأجساد الملقاة… أن تحمل ذواتها وتنزل.
أحس المعتقلون… أنها الحرية… أو شيء مشابه للحرية… ومن استطاع القيام قام مثقلا… ومن لم يستطع… سحبه الجنود… وهم يسبون ويشتمون… نزل قرابة الخمسة والعشرين شخصا… وبقيت خمس عشرة جثة… صاح أحد الجنود:
 

-       " هؤلاء جميعهم أموات"
أجابه الآخر:
- " إلى سَقَر "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق