الجزء الثامن
الفصل الخامس والثلاثون
1- وجه الحرب
تتناول فطورها… إنها جالسة في الشرفة… قلبها يرتجف… ولا تمد يدها لشيء من الأصناف الموضوعة أمامها… عدا طبق الزيتون… تأكل كل حبة تختارها… في ثلاث دفعات… أو أربع… عقلها مشغول… مشغول جدا… توقفت عن الأكل… مدت يدها… ورفعت الهاتف.
تتصل… ثم تتصل… ثم تتصل… لا أحد يرد.
إنها الدكتورة نورة… لقد غادرها زوجها… وابنها… منذ أيام عشرة… ولا تعلم ما الذي حدث لهما… المشكلة… أنها لم تتلق منهم أي اتصال.
كيف لها أن تعرف الآن… هل هما على قيد الحياة؟… أم أن أسنانا شرسة… للحياة… قد طحنتهم؟.
لقد ودّعها كامل… ووعدها أن يتصل… بين الفينة والفينة… ولكنه منذ تركها وسافر… لم يتصل… مطلقا.
قامت الدكتورة نورة… وأطلّت من النافذة… دققت النظر قليلا… أرعبها ما رأت… هناك… على بعد كيلو متر… تقريبا… يرتفع لهيب يشتعل… يبدو أنها قذيفة… نعم… إنها قذيفة… سقطت من إحدى الطائرات الأمريكية:
-" يال القسوة… الطيران الأمريكي… يسكب هاطلا من القنابل…. على هذا الشعب الأعزل".
حاولت نورة… أن تتمالك نفسها… قليلا… إنها تحارب الخوف… كي لا يؤثر فيما تبقى من عزيمتها… لقد كانت خائفة مع أول أيام القصف… بيد إن انشغالها الآن… بابنها وزوجها… يطفئ كل مشاعر الخوف.
مدت الدكتورة يدها… تناولت صورة موضوعة أمامها… طالعت الصورة باهتمام… الصورة لها… ولزوجها وابنها… انتحبت… ووضعت وجهها بين كفيها.
وبعد دقائق… حملت الهاتف… واتصلت على عدد من أصدقاء كامل… سألتهم… إلا إن أحدا منهم… لم يبد أي علم… عن أي شيء… حول كامل… أغلقت نورة الهاتف… واستندت بظهرها للخلف… قليلاً.
2- أوجه الإرهاب
كم تشعر نورة بالتعاسة… كلما تذكرت… أنها السبب الرئيس… فيما يمكن أن يكون قد حل بعائلتها.
الدنيا لا تحمل وجها واحدا… وإنما لها من الأوجه… بقدر ما للمخلوقات فيها من تجارب… وهنا تجربة جديدة… رأت فيها نورة… وجه الحضارة الغربية… ولكنها حتى الآن… لم تكن لتقتنع… بمدى قبح هذا الوجه… لأنها تجد نفسها مع كل ذلك… قادرة على تبرير كل ما يحدث:
-" (فالإرهاب) يولِّد (الإرهاب)… والعنف يولد العنف… والموت يولد الموت… وعندما يموت قرابة الخمسة آلاف أمريكي… في هجمات تم التخطيط لها… من أفغانستان… فمن الطبيعي… أن يموت خمس مئة ألف… من الأفغان… جراء هجمات الأمريكان.
ولكن المهم… المهم جدا… ألا يكون كامل وجمال… من بين الضحايا.
قد تكون الحرب عادلة… لو سلِم كامل وجمال… بيد أن موتهما… لو قدر لهما أن يموتا… فحتما عندها… ستنقلب الموازين".
خرجت نورة لتوها… من دورة المياه… إنها تجفف شعرها… اتجهت لغرفة نومها… أرادت أن تأخذ قسطا من الراحة… لم يكد ظهرها يلتصق ببطن السرير… إلا وصوت دوي رهيب… يُسمع من قريب.
قامت نورة… سارت نحو الشرفة… ألقت بصرها… ثم أغمضت عينيها… في ذهول… إنها نيران تضطرم… جوار منزلها… من أثر قنبلة سقطت للتو.
ذُعرت نورة… وفزعت… وبدأ قلبها يرتجف… إلا إن الصراخ المنبعث من الخارج… وصوت النساء والأطفال… بدأ يتواصل.
تحركت نورة من مكانها… متجة نحو خزانة الملابس… لبست ثبات خروجها… وخرجت.
لم تطل المسافة… إلا إن الخطوات المذعورة… التي حملت نورة… كانت تتعثر.
وصلت نورة… إلى مكان الانفجار… توقفت في جمود… لم يكن لنشاطها أن يركد… لولا أن ضخامة الفاجعة… أقدر على تحويل جلمود صخر… إلى صهارة.
توافد الناس مجتمعين… وتوافدت معهم أحزانهم وهمومهم… إلا أن اجتماعهم ذاك… لم يكن قادرا على إضفاء شيء ولو قليل… من المواساة… ذلك أنه توافد معهم… إلى المكان ذاته… وافد من السماء؟…. وليس من الأرض… إنه سرب آخر… من الطائرات المهووسة… تبدو متفاخرة بصوتها المرعب… ومتفاخرة… وبطريقة أشد… بما تنزله من موت… وما تخلفه من ضحايا… هنا… وهناك.
بدأت نورة تسير بخطوات سريعة… في اتجاه منزلها… إلا إنها تعثرت… أدركها حال سقوطها… رعب شديد… قامت في إصرار… سارت باضطراب… لم يطل سيرها… تعثرت ثانية… ثم قامت… ولكن قومتها تلك… جعلتها ترتعب أكثر وأكثر… لأنها رأت سيل الدم… وهو ينزف من جرح عميق… انفتح في ساقها.
بردت أعصاب نورة… ذهولا… ثم قعدت مكانها… وألم شديد… يعتصر ساقها… أعادت نورة النظر للجرح… ثم حنت ظهرها… ودققت النظر… تأملت الحال من حولها… قليلا قليلا… طأطأت رأسها.
الركام متناثر في كل مكان… والغبار يكاد يخنق الرؤية.
بدت نورة مستسلمة… ليس بيدها حيلة… نظرت أمامها… دون مبالاة… دققت النظر… أكثر وأكثر… ولكن… التمعت أمامها في التراب… قطعة من الذهب… أعادت نورة النظر… لتلك القطعة… باهتمام أكثر… ثم أشاحت بصرها… لم تكن تلك القطعة… إلا خاتما صغيرا… في يد فتاة صغيرة… انهدمت عليها البناية.
انفجرت نورة في ذعر… أرادت أن تقوم… وتهرب… بيد إن صوت الفتاة… وهي تقول:
- " ساعديني… ساعديني"
أعاد لها صمودها… مدت نورة يدها… وحاولت سحب الفتاة… من بين ركام التراب والقش… الذي كان منزلا منذ ساعة… استطاعت نورة بالفعل… إخراج الفتاة… حملتها في تجلّد… ثم انطلقت بها إلى منزلها… دخلت نورة… وأضجعت الفتاة… وأحضرت حقيبة إسعاف… وبدأت في علاجها.
لم يكن صراخ الفتاة… المتفجر هنا وهناك… داخل أرجاء المنزل… سوى تعبير عن استجداء خافت… يحمل حقيقة الرغبة في الحياة… لأناس قد يكون في الضماد حياة لهم… وفي عدمه موت لهم.
ومع ما تسكبه نورة… من مطهر… وما تلفه من شاش… استطاعت الهرب… ولو مؤقتا… من همومها… وذعرها… إلى هموم من هي أمامها… بين الحياة والموت.
التمست نورة… قوة رهيبة… ليس من أعماق شخصيتها القوية… فحسب… وإنما من أعماق شخصيات أولئك الضحايا… لتقوم بدور الطبيب المسعف.
أنهت نورة دورها مع الفتاة… لقد أصبحت الفتاة أحسن حالا… نظرت نورة في جرحها… لاشك… إنه يحتاج لضماد… جلست نورة… وبدأت تضع المعقم… في جرحها… ثم تقص الزائد من اللحم المهتري… ثم تضع القطن… وتلف الشاش.
3- شهر كامل
ها هي الأيام الحزينة… تتسابق… لتولد أياماً هي أشد حزنا… لقد مر شهر كامل… على بداية الحرب… وخلال تلك الأيام… بدا وأن نورة… قد تناست معملها… كليا… بعد أن أصبح خرابة محروقة… ولكنها… بقيت رهينة هواجسها… أو ما تقدمه من أعمال إنقاذ ضئيلة… لا تعني شيئا… بالنسبة لحجم الكارثة.
4- معملها
تنهدت نورة في اكتئاب… وهي جالسة على المقعد… ثم سكبت قليلا من الشاي… في فنجان ليس كامل النظافة… لقد هدأت حرارة جرحها.
رفعت نورة الفنجان إلى فمها… ولكنها توقفت فجأة… إن صوتا من هناك… بدا خفيفا… ثم ازدادت قوته.
بدأ قلبها يهتز… لأن الصوت لم يكن سوى صوت الطائرات… وبدأت نورة تفكر:
-" ها هو الصوت… يزداد ويزداد"
أحست أن الصوت متجه نحو منزلها… بلا شك.
مرت لحظات… بعدها… ضجت الدنيا بدوي رهيب.
ضمت نورة ساقيها لفخذيها… وفخذيها لصدرها… والرعب يكاد يريها وجه الموت.
لحظات… وقع الانفجار الرهيب… الذي اهتزت له الأرض من تحتها.
الصمت يعم المكان… رائحة الدخان قريبة جدا… ونورة هناك… تتحسس جسمها… مازالت تشعر بنفسها… إنها بخير… مرت لحظات… وخبا صوت الطائرة.
مسحت نورة وجهها… ثم قامت لترى.
سارت باتجاه صوت الانفجار… رأت كل شيء… أحست أن أعصابها تتحطم… وقفت في حسرة… إنه معملها… لقد تهدم بالكامل… هزت رأسها… ثم عادت للداخل.
لم يكن لها أن تستسلم… لقد حملت حقيبتها… وخرجت… سارت نحو أحد المباني التي قُصفت للتو… قريبا من منزلها… وصلت إليه… ثم شمرت عن ساعديها… عزيمتها وصلت للذروة.
كانت نورة تنتقل بين أنفاس أولئك المصروعين… تحت ركام الحياة… إنها تسعف هذا… أو ذاك… بيد إنها اكتشفت… أن قوتها… أقل بكثير… من حجم الفواجع المنهالة كالصّيّب.
وبعد دقائق… توافد الناس… كانوا عاجزين… حائرين… لا يمكنهم عمل شيء… لأن الطائرات الأمريكية… مازالت تحوم في سماء أرض البسطاء… والجوعى… ويالها من طائرات.
لم تقف نورة مكتوفة الأيدي… فلديها خبرات جيدة… في إدارة الطاقات والقدرات… لقد استطاعت أن تنظم تلك الجماهير المتفرجة… وحّدت صفوفهم… كي يقوموا بعمل الإسعاف… بطريقة أكثر فاعلية.
وبعد ساعة… كانت المقابر مكتظة بضيوف الآخرة… من تلك الجثث… التي خرجت للتو… من بين الركام.
وفي المقابل… كان منزل الدكتورة نورة… أشبه بمركز إسعاف أوّلي… يتلقي فيه من بقي لديه… أو لدى أهله… بصيص من أمل في الحياة… شيئا من علاج.
5- الرحلة إلى باكستان
ليس راءٍ كمن سمع… وليس من يده في النار… كمن يده في التراب… وليس الذي يعيش تحت قصف القنابل… أمريكية الصنع… كمن يشاهد ما تبثه الأقمار الصناعية… أمريكية الصنع!.
إنها المفارقة… التي أدركتها الدكتورة نورة… جيدا… ولكنها تتساءل باستمرار:
- " لماذا يقتل كل هؤلاء؟… لماذا؟"
مر ما يقارب الأسبوع… على حادثة قصف معملها… ولم تنس الدكتورة نورة… صورة الأشلاء… التي رأتها تحت الركام… لأناسٍ… هم أشد فقرا وتعاسة… لكنها لم تنس أيضا… أن زوجها وابنها… في حكم المفقودين… لقد تقطعت الطرق أمامها… ولم يعد… حتى خط الهاتف… قادرا على مهاتفة أحد… لأن الماء والكهرباء والهاتف… توقفت جميعا… حالها حال قلوب شعب مظلوم… توقفت تحت نير القصف.
قررت نورة أن تخرج… وأن تغادر هذا البلد… المحروق بمن فيه… وتذهب إلى باكستان… علها تجد خبرا أو نبأ… بالحياة أو بالموت… عن زوجها وطفلها.
ومع انتصاف النهار… وارتفاع أذان الظهر… بقليل… ركبت الدكتورة نورة سيارة أجرة… وانطلقت باتجاه الحدود مع باكستان.
لقد كان الطريق بشعا… بالقدر الكافي… لرسم صورة متكاملة… عن الدمار الذي أحدثته آلة حرب قوية… اعترفت… بأنها عازمة على الانتقام.
كانت نورة تفكر… وهي في السيارة… وتطالع هذا الدمار… وتسأل نفسها:
-" ما الفرق… بين أن تنتقم من شخص قرصك… ثم ترد عليه بأن تقرصه… أو… أن تنتقم من نمله تقرصك… فترفع يدك… ثم تسحقها؟"
-" ما الفرق… بين أن تنتقم من شخص قرصك… ثم ترد عليه بأن تقرصه… أو… أن تنتقم من نمله تقرصك… فترفع يدك… ثم تسحقها؟"
لكن هذا بالفعل… ما يحدث.
استمرت رحلة الدكتورة نورة… في زيها الأفغاني الأزرق… المحتشم… وهي تهبط وتصعد… مع اهتزاز السيارة… التي تقطع الأودية المليئة بالصخور… والجبال الوعرة الجرداء.
السيارة تتوقف كل خمس ساعات… بجوار مكان لبيع الطعام… وبيع جوالين الوقود… فتتزود السيارة من الوقود… ويشتري الركاب شيئا من طعام أو شراب… ثم تستمر الرحلة.
6- الأمل الأخير
بعد أيام خمسة… تلك هي… الدكتورة نورة… تقف على الحدود… في صفوف أولئك النازحين… إلى باكستان… إنها لا تختلف عنهم في شيء… تنتقل من مخيم إلى مخيم.
وأخيرا… عبروا الحدود… وسارت نورة على أقدامها… لأيام ثلاثة… ثم ها هي… تُخرج جوازها… وتركب حافلة صغيرة… تتجه من خلالها… إلى إسلام أباد.
وصلت نورة إلى إسلام أباد… واستأجرت غرفة في فندق صغير… وبعد أن دخلت الغرفة… ألقت نفسها على السرير… ودخلت في نوم عميق.
في صباح اليوم التالي… ومع شروق الشمس… اتجهت نورة إلى سفارة بلدها… في إسلام أباد.
وعند وصولها باب السفارة… أخرجت جوازها… ودخلت.
اتجهت لمكتب نائب السفير… وطلبت مقابلته شخصيا… كانت الإجراءات معقدة بعض الشيء… ولكنها في النهاية دخلت.
استقبلها نائب السفير… جلست أمامه على المقعد… قدمت نفسها… وبدأت في شرح كامل قضيتها… وشرحت ظروف مغادرة زوجها كابول… وظروف انقطاع اتصالها به.
لم يُخف نائب السفير… قلقه… حيال الموضوع… فكر قليلا… ثم طلب مقابلة بعض مستشاريه… وبعد مداولات… طلب من نورة أن تخرج… واقترح عليها أن تترك اسم الفندق الذي تسكنه… وتكون في ضيافة السفارة.
قبلت الدكتورة نورة هذه البادرة… بعدها… طلب نائب السفير… من أحد معاونيه… أن يصحب الدكتورة نورة… إلى الفندق… الذي تسكنه… لتأخذ حاجياتها… وتنتقل فورا… إلى السكن المعد من قبل السفارة… شكرته نورة… وخرجت.
وفي تلك الأثناء… بدأ نائب السفير وبعض معاونيه… حملة استفسارات واسعة… اتصلوا خلالها… بالجوازات الباكستانية… كانوا يسألون عن دخول شخص باسم كامل… عبر الحدود الأفغانية الباكستانية… وبعد ساعات… كان الرد المبدئي… يؤكد أن كامل لم يدوّن اسمه… ولا اسم ابنه… مع الداخلين إلى باكستان.
وفي اليوم التالي… جاءت نورة لمكتب نائب السفير… كانت تريد معرفة آخر الأخبار… استقبلها السفير باهتمام… وقال لها وهو يستعد للجلوس:
- " سيدتي… الأمور معقدة للغاية… ولا يمكن الحكم… ولكن… هناك مشكلة بالفعل… فهما لم يدخلا الحدود… هذا ما تقوله الجوازات الباكستانية… وهذا يعني… أنهما مازالا في أفغانستان… أو… "
صمت نائب السفير… في حين أكملت نورة:
- " أو أصابهما مكروه"
ثم طأطأت رأسها باكية.
لم يشأ نائب السفير… أن يشارك في هذا الحزن… لذا لزم الصمت… وانشغل بتقليب بعض أوراقة… وبعد دقائق… جاء أحد مستشاريه… وهو يحمل عددا من الرسائل… التي تردُّ على استفسارات السفارة… لعدد من الدول… التي يمكن أن يكون قد اتجه لها كامل وابنه… قرأها نائب السفير… ثم قال مخاطبا نورة:
- " سيدتي… مع كل أسف… لم يكن الرد إيجابيا… من جوازات جميع الدول… التي راسلناها… كامل لم يغادر أفغانستان… لأي بلد… هذه حقيقة… وهذا يعني… أنه لم يخرج من الحدود… وهذا ما يزيد معه القلق… ولكن… لا تفقدي الأمل… في أن تجديهما"
هزت نورة رأسها وقامت.
7- يا… (إرهابيون)
تهتز الحافلة… وتهتز بداخلها الأجساد والرؤوس… إنهم رجالٌ… تلتف العمائم فوق رؤوسهم… أو نساءٌ… يحيطهم الحجاب من أخمص أقدامهم… إلى مفارق رؤوسهم.
وتسير قافلتهم المنهكة… التي دخلت للتو… عبر حدود باكستان… إلى أفغانستان.
بعضهم مُنع الحصول على تأشيرة الدخول… إلى باكستان… وبقي عالقا في الحدود… أسابيع… ثم قرر العودة لبلده… وبعضهم… من الأفغان المقيمين في باكستان… قرر الدخول لأفغانستان… من أجل الاطمئنان على أقارب له… بعد انقطاع الهاتف… والاتصالات.
كان أن من بين أولئك الجالسين… في المقاعد الخلفية للحافلة… امرأة.
إنها تبكي حينا… وحينا آخر… تنظر عبر النافذة المجاورة… لتدخل في طيات الذكريات… وأي ذكريات.
بالفعل… كانت تحلم بالمجد والشهرة… والتربع على كرسي النساء القلائل… اللواتي قدمن شيئا قيّما للبشرية… كانت تنظر للحضارة الغربية… على أنها النمو النهائي… في عمر الحضارات… وأن الحضارات الشرقية… شيء من الماضي المكفهر… المقفر… الفقير.
كانت تري في أمريكا… رمزاً للحرية والتقدم… وحقوق الإنسان… والعلم… العلم بمعناه السامي… والعدل… العدل للعدل فقط… وكانت ترى في شعوب العالم الثالث… شيئا من التقهقر عن القيم… والبعد عن الصفات التي تؤهلهم ليكونوا بشرا حقيقيين… وتري فيما يعتقدونه من عقائد… خرافات تعيدهم للعهود المظلمة… وتبقيهم في ذيل الركب.
وكانت تري أنه لا سبيل لشعوب العالم الثالث… للنهوض والتقدم… إلا بأن يتعلموا جيدا… كل الدروس التي يمنحها الغرب… ويأخذوا منه كل قيمة ومبادئه.
بيد إن نظرتها للأشياء… تغيرت… تغيرت… وهي تطالع عبر النافذة… وتري تلك الأسر الفقيرة… تحمل ما خفّ من أمتعتها… وتسير… للمجهول… بخطوات يائسة.
لكنها تسير… وهذا يكفي… إلى أين؟… لا جواب… إلا… الجواب الذي يردده الجميع… إلى حدود باكستان… حيث النجاة من الموت… ومن الشظايا… ومن اللهب المرعب… الذي تولده أطنان المتفجرات.
هزت الدكتورة نورة رأسها… وهي تنظر لحمار ميت… مُلقي بجوار الطريق… قد أحترق نصفه… من آثار قصف… ربما لم يكن بعيدا… وعلى ظهره… لا زالت حمولة أمتعة… لإحدى الأسر الفقيرة… المهاجرة للحدود… وهناك… قِدر أسود… وصحن… وقربة… وملابس طفلة… وبرقع امرأة… وفردة حذاء… حدثت نورة نفسها:
- " لقد وقعت القذيفة… على الحمار… ومات الحمار… وبقي هنا… ولكن… هل تراهم ماتوا… أولئك الذين كانوا يسيرون بجواره… وقد وضعوا حاجياتهم على ظهره… لا أحد يدري؟… ولكن الأمور كلها تشير لشيء من ذلك"
استمر سير الحافلة… واستمرت الدكتورة نورة… في التفكير… إنها تريد أن تحدد… ماذا عليها أن تعمل… في المستقبل؟… ما الخطوات التي يتوجب عليها القيام بها؟… لقد فقدت ابنها… وزوجها… أو هذا هو الأرجح… وإن لم يكونا قد توفيا… فهما بالتأكيد… في أفغانستان.
ولأن عمليات البحث… عن طريق الجوازات… تؤكد عدم وصولهم لأي قُطر… فهذا يعني… أنهما لم يخرجا… ولكن:
- " هل مازالا حيين… هنا يكمن السؤال… ثم… أين يكمن الجواب… وإن لم أجد لهما أي أثر… هل سأبقي في هذا البلد… الذي تطحنه الحرب؟"
استمر سير الحافلة… لقد عزمت الدكتورة نورة… على مواصلة السير… إلى كابول… هناك… ستلملم ما تبقي لها من حاجيات… ثم تحاول مواصلة البحث.
إلا إن ذلك الوقوف… الذي توقفته الحافلة… فجأة… جعل قلوب جميع من بداخلها… تتوقف لحظة… بعدها… سُمع دوي انفجار رهيب… أعقبه انفجارات متتالية.
تحركت الحافلة… لتحيد عن الطريق قليلا… وهرع كل من بداخلها للنزول… وكان من بينهم… الدكتورة نورة… وألقيت الأبصار هناك… على تلك المباني… التي أصبحت شعلة من نار… وبدا بعض سكانها في الخروج… من بين أكوام الأحجار.
الصراخ… العويل… النساء… الأطفال… الكهول… الجميع يصرخ… وأزيز الطائرات النفاثة… يستعرض في السماء… هيمنتها الطاغوتية.
لكن الدكتورة نورة… لم تملك مشاعرها… لقد فزعت نحو تلك القرية المتهدمة… وألقت نظرة سريعة… على طفلة في عامها الثامن… جاءت تصرخ… وقد فقدت يدها… تأملتها الدكتورة بحزن بالغ… ثم قالت دون شعور:
- " قبحكم الله… يا (إرهابيون) "
شهقت نورة… وهي تعيد تأمل كلمتها تلك… التي خرجت دون وعي منها… هل بالفعل… صارت أمريكا… في ذهنا… بلد إرهاب… لم تستمر الدكتورة نورة… في مواصلة أفكارها تلك… لأن الطفلة التي تصرخ… وقعت على الأرض… وهي تقول:
- " أنقذيني يا أمي… أنقذيني"
تقدمت نورة نحوها… بدأت ترفع يدها لأعلى… ليتوقف نزيف الدم… بيد إن النزيف… لم يتوقف… مزقت نورة شريطا من خمارها… ولفته على يد الفتاة… ثم ضمتها لصدرها… ثم نظرت للسماء… لأن فوج طائرات قادم من هناك.
الفصل السادس والثلاثون
1- صحبة غريبة
يسير عبر رصيف الشارع… ويحمل في يده اليمنى… كيسا بلاستيكيا… ويصلح عمامته باليد الأخرى… وعندما يقترب من الشجرة الكبيرة… في نهاية الرصيف… يتوقف… وينادي:
- " إيناس… إيناس"
يسمع صوتا من منتصف الشجرة… من بين الأغصان… صوت امرأة تقول:
- أدخل"
يتقدم أسد الرحمن… للأمام قليلا… ثم ينظر… ويقول:
- كيف أنت يا فتاة؟"
إنها إيناس… قاعدة فيما تزعم أنه مسكنها… والأشبه ببيت (روبنسن كروز)… يوجد سلم خشبي… يمكن لشخص ما… أن يصعد من خلاله.
لقد مر على الفتاة… وهي على هذه الحال… أشهر عديدة… ولكن نفسيتها تتحسن يوما بعد يوم… صحيح إنها لم تدخل مرحلة الشفاء… لكنها منسجمة مع حياتها الراهنة.
حالة إيناس… تأثرت سلبا… بعد أن تركتها الدكتورة نورة… وسافرت… لقد كانت الدكتورة نورة… هي الطبيبة الوحيدة… من بين كادر المشفى الطبي… التي تشعر إيناس… نحوها بالطمأنينة.
ولكن… لم يكن ثمة خيار… لقد بدأ أحد أطباء المشفى… بمتابعة الحالة الصحية… لإيناس… من خلال ما تعرضه والدتها له… وكان الطبيب…. يصرف لها الأدوية المناسبة… ولكن دون أن يراها.
صعد أسد الرحمن… إلى منتصف السلم… وقال:
- " خذي يا فتاه… هذا غداؤك"
تناولت إيناس الغداء… في حين نزل أسد الرحمن… وبسط رداءه… وجلس في الجوار.
وعلى الشرفة الصغيرة… تقدمت إيناس… تحمل الموقد صغير… وضعته… وجلست جواره… واتكأت على طرف غصن مقطوع… قد غُطّي بقطعة إسفنج قديمة… مكسوة بالقطيفة.
حملت إيناس الإبريق الأصفر… من رف بجوارها… ووضعت فيه قليلا من الماء… وقليلا من السكر… ثم أوقدت النار.
لم يطل الوقت… بدأ الماء في الغليان… داخل إبريق الشاي… فتحت إيناس الغطاء… ووضعت قليلا من ورق الشاي… ثم أغلقت الغطاء… وقالت:
- " استعد لغدائك… يا أسد… الشاي جاهز"
تحرك أسد الرحمن بهدوء… ووضع كيسه الخاص بطعامه أمامه… وأخرج سفرة… بسطها… ثم أخرج رغيفين… ووضع أمامهما صحن فول صغير… وفتح كيسا صغيرا… فيه الطماطم والبصل… وقال:
- " باسم الله "
وبدأ في الأكل… وبعد دقائق… قال مخاطبا جارته :
- " قولي لي يا فتاة… ما أخبار صحتك… وهل مازلت مصممة على البقاء في الشجرة "
قالت إيناس بصوت هادئ… أشبه بصوت حكيم:
- " قل لي أنت… هل مازالت الشمس مكانها ؟ "
- " هـ… هـ… هـ… بالطبع"
- " كلا… الشمس تجري لمستقر لها"
- " صدقتِ… ولكني قصدت… إنها لم تنزل على الأرض"
- "بل نزلت… نزلت بأشعتها… أما تسمع قوله تعالى: (وجعلنا الشمس عليه دليلا)… فأشعة الشمس… يطلق عليها أيضا… الشمس"
هز أسد الرحمن رأسه… في حين قالت إيناس:
- " اصعد… وتناول كأس الشاي الخاص بك "
قام أسد الرحمن… وصعد نصف المسافة في السلم… وتناول كوب الشاي… ثم عاد إلى مكانه… وجلس… ومد يده نحو رغيف الخبز.
من داخل غرفتها العجيبة… أطلت الفتاة… متلفعة بخمارها… وقالت تخاطب أسد الرحمن… وهو منهمك في عمله… يقلم بعض الأغصان:
– " أعطني ماء"
نظر إليها دون اهتمام… وقال:
-" مشغول… ثم… إن الماء الآن في أصل الشجرة… ماذا تريدين؟ "
- " هنا تمر وقهوة"
- " تمر وقهوة… اصبري نصف ساعة… وبعدها سآتي"
يمر الوقت… ها هو أسد الرحمن… يتقدم نحو شجرة إيناس… يقف عند أصل الشجرة… ويسلم… في حين تنظر إلية خلسة… ثم تضع دلة القهوة على الموقد وهي تقول :
- " لقد تأخرت… حتى بردت القهوة… سوف أسخنها"
- " جزاك الله خيرا"
- " وهنا تمر جديد… سوف أذيقك منه"
- " جزاك الله خيرا"
لم يطل الوقت… غلت القهوة… وحملت إيناس الدلة… ثم سكبت القهوة في كوب… وقالت:
- " خذ القهوة والتمر"
تناول أسد الرحمن كوب القهوة… والتمر… ثم جلس… في حين قالت:
- " قال لي هذا الراديو… صباح هذا اليوم… شيئا غريبا"
- " الراديو… وهل لا زلت تسمعينه"
- " ولم لا أسمعة"
- "إنه يكذب "
- " بعض من بداخله يكذب… هو لا يكذب… ولكن… الأمريكان… سيحاربون بلدك… وأنت هنا… تأكل وتشرب"
- " يا ابنتي… الأعمار بيد الله"
- "يقال إن دولتكم إرهابية… هل هذا صحيح؟ "
- " وما رأيك أنت؟ "
- " رأيي في ماذا؟ "
- " هل دولة أفغانستان الحالية إرهابية؟ "
- " تقصد طالبان؟ "
- " وتعرفين اسمها أيضا؟"
مدت إيناس قدميها للأمام… وأخذت قطعة من الخبز… ووضعتها في فنجان الشاي… ممسكة بطرفها… ثم قالت :
- " السياسة… يا جاري… ليست حكرا على العقلاء… هـ هـ هـ"
- " بالفعل… قولي لي إذن… ماذا تعرفين عن الإرهاب؟"
- " لا… لا… دعنا من الحديث عن الإرهاب… ولنعد لموضوع العقلاء… لقد فهمتَ الأمر بالطريقة الخطأ… حيث فهمت أني أعترف بأنني من غير العقلاء… أعرف ذلك… ولكن… الحقيقة… أني أقصد أمرا آخر… فالسياسة ليست حكرا عليّ وحدي… وإنما يمكنك أنت أن تسأل أنت… وتتحدث فيها… فهي ليست حكرا على العقلاء… هل فهمت"
- " أوه… تقصدين ذلك… أصبحت أنا إذن… من غير العقلاء… لا مشكلة… قولي… ماذا تعرفين عن الإرهاب؟"
- " الإرهاب… يا أسد… كلمة… مجرد كلمة"
- " هل هي حقيقة أم إنها خيال؟"
- "الإرهاب… يا أسد… هو المتاح الوحيد… الذي يمكن للمظلوم… الذي أُقفلت في وجهه كل السبل… أن يعبر به… عن معاناته"
- " لم أفهم… ما ذا تقصدين؟"
- " عندما تجد شخصا يؤذي نفسه… ويؤذي الآخرين… فاسأل نفسك… لماذا هو هكذا؟"
- " لأنه مجرم"
- " كلا… اسمع يا أسد… الإجرام ليس طبيعة بشرية… تولد مع صاحبها… مع ولادته… كلا… كلا… ولكنها… نزعة تصاحب الشخص… عند تأثره بظروف محددة عليه.
الإحساس بالخوف… الإحساس بالقلق… الإحساس بالاحتقار… كل ذلك… يولد الإجرام… ولكن… من أبرز ما يولد الإجرام… الإحساس بالظلم… وعندما يحس الإنسان بالظلم… ويجد أنه لا يملك طريقا للدفاع عن نفسه… سوى أن ينتقم… عند ذلك… نستطيع القول… إنه ولد الإرهابي.
ووالد الإرهاب… هو صانع الظلم… وموقعه بالناس… بل نستطيع القول… إن الإرهابي الحقيقي… هو والد الإرهاب… وليس من يفقد عقلة عندما تغلق في وجهه أبواب العدالة "
- " نعم… فهمت… يالك من مجنونة… ولكن… قولي لي… ما ذنب الأبرياء… الذين يقتلهم المظلوم… إنه عند قتله لهم… يتحول لظالم كبير"
- "الإرهاب يا عزيزتي… قديم قدم الوجود الإنساني "
- " ومن قال ذلك ؟"
- " أنا "
- " أنت؟… هـ… هـ… هـ… كيف؟"
- " هل أكملت طعامك؟"
- " ولم السؤال؟… هل تعزمين طردي من الشارع؟"
- " بل أذكرك بدخول وقت الصلاة… اذهب… هيا… صل في المسجد "
- " هـ… هـ… هـ… أذهب أنا للصلاة… كي تتفرغي أنت لتناول المخدر"
هزت إيناس رأسها بحزن… وقالت :
- " هذا قدري… أنا مبتلاة"
- " بل ستستطيعين التغلب عليه… كوني واثقة بالله"
- " ناقشنا هذا الموضوع… حتى مل منا النقاش… ولكن… ادع لي في الصلاة"
ومن هناك… أقبلت والدة إيناس… وعندما رآها أسد الرحمن… غادر المكان… بعد أن ألقى عليها السلام… نادت الأم:
- " إيناس… إيناس"
- " نعم يا أمي… تعالي"
- " هل مازلت مصممة على البقاء في هذا المكان؟… هيا… تعالي إلى المنزل"
- " أنا هنا في المنزل… ثم إن المنازل الآن… لم تعد منازلا بالمعنى الحقيقي… لكلمة منازل… فهي أشبه بثكنات عسكرية مسلحة… لو عدتِ لعقلك يا أمي… لتأكد لك أن بيتي هذا… هو المنزل… ثم إن ابني أحمد… وعدني أنه سيأتي إلي… في هذا المنزل… وعليّ أن انتظره"
هزت الأم رأسها في حزن… ومدت كيسا صغيرا… فيه حبة صغيرة… وقالت:
-" خذي… هذه هي الجرعة المقررة لك هذا اليوم… أسأل الله أن يتوب عليك من هذا السم"
_ " أليس الطبيب من قرره"
- " نعم"
- " الأطباء لا يقررون السموم للمرضي"
- " حسبي الله ونعم الوكيل… حسبي الله ونعم الوكيل "
تناولت إيناس الحبة ووضعتها في فمها.
الفصل السابع والثلاثون
1- نار على نار
هكذا وجد نفسه وحيدا تائها… بين تلك الجبال الشاهقة… لا أم هنا معه… ولا أب… إنه يسير بمفرده:
-" إلى أين؟… كيف؟"
تلك الأسئلة بدت دون إجابات.
لم يكن تفكير الصغير جمال… ليذهب بعيدا عن صوره والده… الذي اقتادته أيدي العسكر… من الأمريكان… من أمام عينيه… ولم يكن لينسي صورة ذلك الجندي الأمريكي… الذي نظر للصغير… وقال له:
- " أنت يا صغير… ماذا تفعل هنا؟"
حينها… رد جندي آخر:
- " اقتله… لن تكلف نفسك سوى طلقة"
إلا إن أحد الجنود الأفغان… المتعاونين مع الأمريكان… قال باهتمام:
- " ولكن… دمه سيكلف والدته الكثير"
حينها… تقدم الجندي الأفغاني… نحو جمال… وقال:
- " هيا يا ولد… انصرف إلى أمك"
نظر جمال… وقتها… بعينين فاحصتين… ناحية الرجل… ثم نظر لوالده المكبل… هناك… أدهشه المشهد… كاد يصرخ… أو يهب لنجدة والده… إلا إن رصاصة من رشاش أحد الجنود الأمريكان… اتجهت نحوه… لم تصبه الرصاصة… ولكنها مرت جواره.
وصرخ الصغير… ولم يدر في أي الاتجاهات يسير… ولكن والده انتبه لصراخه…. ونظر له نظرات ذات معني… ثم صرخ قائلا:
- " اذهب لوالدتك… يا جمال… اذهب لها… اطلب من أحد سائقي الحافلات… أن يوصلك لها"
ثم صمت الأب… لأنه شعر بركلة قوية… من حذاء الجندي… في جنبه الأيمن… ونظر الصبي… جهة المكان الخالي… وانطلق.
2- أقدام تائهة
الفراغ يلفه من كل مكان… لابد وأنها تجربة صعبة… صعبة للغاية… تلك التي يجب على طفل لم يجاوز العاشرة… إلا بالكاد… أن يخوض غمارها… وأن يعيشها… بين تلك الجبال الموحشة… وبين وقع القنابل… ووقع الموت.
خطواته وحيدة… كما أنه وحيد… وأفكاره الشاردة… تدور وتدور… لم يطل لدى الطفل الحزين… سوى الوقت… الذي يقطعه بصمت… والوقت… الذي يقطع الطفل… إربا إربا… مع رعب الموقع والحدث.
شعر جمال… أنه في حاجة ماسة… للإحساس بالأمن… ولم يكن من عقله المنهك… مع كل ما يكتنزه من قدرة على التفكير… أن يرشده… ولو بإشارات باهتة… لطريق تحقيق حاجته تلك… ولكن… هدته عيناه… لصعود قمة الجبل المجاور… وهناك… حتما… ستتكشف له الدنيا.
صعدت القدمان الصغيرتان… والبدن المحمول عليهما… بخطوات ينقصهما الاتزان.
لم يطل الوقت… ها هو جالس هناك… على قمة الجبل… ينظر عبر الأفق البعيد… ليشاهد الدنيا… قبل وقت الغروب… بساعتين… وهي تدفن بجد… يوما كئيبا… على جبال كئيبة.
إلا إن الطفل… مع كل ذلك… أحس بشيء من الأمان… لسبب بسيط… هو أنه لم يفكر كثيرا… في كيفية قضاء الليلة القادمة… والليالي التالية لها… ربما… لأن عقله لم يتوصل للتفكير في ذلك… أو ربما… لأنه هرب من ذلك التفكير.
والطفل أيضا… لم يفكر في شيء آخر… مهم… الطعام… الطعام الذي يقيم أوده… أو يساعد قدميه… على أن تحمله… ربما لم يفكر الطفل في ذلك… لأن مطالب الطفل… في الإحساس بالأمان… تفوق كل مطلب.
مرت دقائق… تحسس الطفل جيبه… ثم تنهد… لقد وجد علبة بسكويت صغيرة… إنها العلبة ذاتها… التي اشتراها له والده… أثناء الطريق… وطلب منه أن يتناولها… ولكنه رفض… وطلب حبات الشوكولاته… حينها قال ولده:
- " لن أعطيك الشكولاته… حتى تكمل أكل البسكويت"
حينها وضع جمال البسكويت في جيبه… وزعم أنه أكمل أ كله… وحضي بالشوكولاته.
والآن… بدت حاجة جمال للبسكويت جلية.
طرأت في تلك الأثناء… لدى جمال… صورة والده… أمسك حصاة صغيرة… وأطال التأمل… ثم ارتسمت له الصورة واضحة… ذلك الأب الحاني… وصوته… صوته… وهو يصرخ… تحت ضربات الجندي… ثم انبطاحه على الأرض… وصوته… وهو يستنجد ويقول:
- " أنا لست من الأفغان… أنا لست من طالبان… أنا مواطن عربي وأحب أمريكا"
ولكن جاءه صوت المجندة الأمريكية:
- " أنت إذن عربي… هـ هـ هـ… هذا ما نريده"
اختفي صوت الأب وصوت الجندي… من ذهن الصبي… وبقيت الطيور وحدها… تطير في السماء… ويتفحصها جمال… بكل عجز وقلة حيلة.
ومن بين سلسلة أفكار الطفل المتداخلة… برزت صورة البيت الأبيض… البيت الأبيض… الذي صنعه جمال… مجسما مصغرا.
لقد كان الصغير… عند بنائه البيت الأبيض الصغير… يري أنه قد بنى… نهاية المطاف… وقبلة العالم… حيث تتجه الوجوه هناك… للبيت الأبيض… الحقيقي… كي يجد الناس أنفسهم حينها… في مأمن من سيف التخلف والرجوع للوراء… إلا إن الرؤية الناصعة تلك… بدا الغبش يشوبها… شيئا فشيئا.
تنهد الفتي الصغير… وطالع صفحة الشمس… وهي تدني نفسها… من كتف الغروب البارد…. دقق فيها النظر… ومع نظراته الشاردة… تذكر المبيت… المبيت… الذي يسكن له كل حي… ولكن… أين السكن… الذي سيجده طفل وحيد… على قمة جبل وعر… في حدود القبائل… في أفغانستان.
قام جمال من مجلسه… وأحس أن دمعات حرى… تتدحرج على خديه… لتساعده ولو قليلاً… على عدم رؤية فاجعته… بوضوح… إلا إن الأحجار الحادة… التي كان يطأها… بحذاء صغير… أوشك قسرا على الانقطاع… أشعرته بضرورة أن يدقق جيدا… في كل ما حوله.
وها هي تلك… القمة… التي غادرها الصغير… للتو… تسلمه لقمة أخرى… هي أشد ضراوة وبؤسا… على الحذاء والقدم… وأي شيء يهم تائها في جبال وعرة… سوى أن يكون حذاؤه جديرا بالبقاء… لمساندته هو على البقاء.
ويمر الوقت… ويمر… وتسير القدمان… وتسير… من قمة لأخرى… تحت وابل الرعب والذعر… والرهبة الرهيبة… الأقرب للجنون… وصوت متقطع من بكاء… لا يجيده إلا صبي… أكل من قلبه الذعر… ما تركته له الوَحدة.
وأخيرا… يستسلم الحذاء للحتف النهائي… وينقطع… ويقف الصبي حائرا… بين أضراس ما هو كائن… وما سوف يكون… ليتأمل في الأفق… مستقبِلاً آخر… فيما أبقته الشمس… من بقايا أشعة… تمنح رسوما غامقة للأشياء… كي يبحث هنا أو هناك… عن قرية… أو منزل… أو مخلوق غير الوحوش… التي تعتاد العيش في أماكن كهذه.
بيد إنه لم يجد… وعليه أن يُسلم للأمر الواقع.
وأخيرا… جلس الصبي… ورفع حذاءه المقطوع… تأمله بهدوء… وسمح لنفسه بالبكاء… البكاء بصوت قوي… علّ هموم الصمت… المبنية كجدران على القلب… أن تتصدع لذلك الصوت.
توقف البكاء… أو انتهي… أو لم يعد لانفجاره أي فائدة… واختلس الطفل نفسه… من بين الظلام… ليلقيها بين أحجارٍ… لا لون لها… سوى الظلام.
شعر الطفل… وهو يستجدي غطاء النوم… أن يدثره أو يزمِّله… أن النوم… هو السلاح الأوحد… للهروب من عناء الخوف والتعب.
مرت دقائق قليلة… بعدها… كان للطفل ساعات سعيدة… فقد فيها نفسه… ليكون فقدان النفس… هو المطلب الوحيد… بين وعورة الليل… ووعورة الجبال.
3- آخر الليل
قيل قديما… إن عين المصائب لا تنام… إن رأت بابا… قد فتحته قبلها… مصائب أخرى… أوهي كما قيل… لا تأتي فرادى.
وتلك الجبال الوعرة… ربما كانت ملاذا للمصائب… كما كانت ملاذا للطفل التائه… إذ مع انتصاف ثلث الليل الأخير… كانت السماء… محملة بمتفجرات رهيبة… تستوجب على جبال الحدود… أن تتحمل نيرانها… حيث وجود ملجأ مفترض… لقوات طالبان.
ويقضي المخطط الأمريكي… بتحويل تلك الجبال… إلى ركام مشتعل… من وقود ونار.
ويقضي أيضا… بتحويل مغارات القاعدة… المفترضة هناك… إلى ركام ثقيل… ينهد على رأس أتباعها.
ولم يدر أحد… من قائدي طائرات الـ( إف 15)… أو طائرات الـ(ب 52) أن طفلا مغرما بأمريكا وحضارتها… هو من يقبع وحيداً… على إحدى تلك القمم… ومن المفترض بهذا الطفل… أنه لو لم يكن هنا… أن يكون في بلده… يدعو بالنصر للجيش الأمريكي.
فزع الطفل المنهك… مع أول صوت انفجار… حدث على بعد كيلو مترات قليلة منه… وانفتحت عيناه… على وابل القذائف… وعلى دوي الطائرات المرعب… ولم يكن له بُدّ… من أن ينفجر ببكائه.
واستمر وابل القذائف… ليحرث الجبال والنسل… هنا وهناك.
وأخيرا… وبين لهفة الطفل… وارتياعه… ارتفع صوت الطائرة فوقه… ومرت لحظات… ثم وقعت القنبلة… قريبا منه… وأصابت شظاياها… تلك الأحجار المحيطة… تصدعت الأحجار… ولكن الطفل… لم يصب بأذى.
ولعل سلامة الطفل… كانت… تمهيدا… لموعد آخر… مع أحداث أخرى… هي أشد وأقوى… إلا إن الطفل الخائف… استكان بين أكناف رعبه… منتظرا ما سيسفر عنه الصباح.
4- يد حانية
ها هي الليلة المضنية… بنجوم اللهب تصطلي… ثم تنقضي… شيئا فشيئا… وها هي هموم الطفل… تنقله من سيمفونية بكاء… لسيمفونية صمت خانق… هي أشد وقعا على عالمه الوحيد… من أيما سيمفونية بكاء طويلة.
ويتخطي الليل الوقت… أو يتخطى الوقت الليل… ليسفر عما كان بجعبته… بيد أن طفلا… يخرج صباحه الجديد… من بين خيوط نور الفجر… مع ما ترسمه من حروفٍ باهتة للأشياء… يبصر حجم الدمار… ويبصر في الجوار… ما لا يمكن لعاقل أن يدمره… إنها الجبال.
بقي الطفل قليلا يتأمل… وما أن اتضحت معالم الأشياء… أكثر فأكثر… حتى أبصر شيئا آخر… يخرج مع ذلك الفلق.
أنهم مجاهدو طالبان… ها هم هناك… يخرجون من كهوفهم العميقة… ليتوضئوا من جدول قريب… ثم يعودوا… الواحد تلو الآخر.
أحس الطفل برعب شديد… خاصة مع ما رآه… من طول لحاهم… ومع ما يكتنزة عقلة… من أفكار متراكمة… حول صور كتلك.
وأثناء تأمل جمال وجوههم… تذكر ما كان والده يقوله دائما… عن الطالبانيين… والإرهاب… الذي يدخرونه في نفوسهم… للناس.
وفي أثناء تصارع مشاعر الطفل تلك… أحس أن يداً تربت على كتفه… نظر جمال فزعا… إنه أحد المجاهدين… يبتسم له… ويقول:
- " هل أنت بخير… يا بني؟"
لم تكن قسمات الرجل المحارب… لتُدخل في نفس الطفل… سوي تقاسيم أنسٍ طال الشوق له… أن سماته عامرة بالحب الصادق… قال الرجل:
- "هل أنت… أفغاني؟"
قال جمال:
- "عربي"
تحدث معه المجاهد بالعربية… وقال:
- " لا عليك يا بني… أنت في أمان… هل أنت وحدك هنا؟"
- " نعم"
- " قم… هيا… لقد حان وقت الصلاة… الفجر… عليك أن تتوضأ… الماء هناك… في الجدول… توضأ يا بني… وأدرك الفجر معنا… وبعدها… سنوصلك لأهلك"
سار الصبي قليلا… بعدها سمع النداء من خلفه:
- " انتظر… سوف آتي معك"
وقف جمال منتظرا… مرت قرابة الدقيقتين… بعدها جاء الرجل… وأمسك يدجمال… وقال:
- " أعلم… قد يخيفك هذا المكان… لا عليك… الله معنا… أنا اسمي عبد الرحمن الأنصاري… ما اسمك أنت؟ "
- " أنا جمال؟ "
- " أهلا جمال… كن مطمئنا… لا تخف… لا يمكن لإنسان أن يخاف… إلا من الله"
سار عبد الرحمن مع جمال… حتى أوصله إلى مكان الماء… وتوضآ معا… ثم عادا.
كان جمال… يتابع خطو عبد الرحمن… وكان بادئ الأمر… يشعر بوحشة منه… ولكنه لم يجد طريقا للأمن… سوى اللجوء لهذا الرجل… وفي تلك الأثناء… كانت الصلاة قد اقترب وقت إقامتها… وصلا المصلى… وصليا السنة… وجلسا…. ثم أقيمت الصلاة… واصطف بعض المجاهدين… وبقي البعض واقفين خلفهم… يحمونهم.
وبعد انقضاء الصلاة… جاءت أغنام من هناك… جلها للمجاهدين… استقبلوها باهتمام… حلبوا بعضها… وأعدوا بعض الخبز… وقدم شيء منه مع الحليب… لذلك الطفل… تناوله الطفل… وبدأ الدفء يدب في بدنه… كما دب الأمن في قلبه.
ومع انسحاب الوقت للأمام… بدأ جمال يفكر… يفكر بعمق… ويعيد نظراته لهؤلاء الرجال… المجاهدين… الحقيقة… أن نظرته لهم تغيرت… تغيرت كثيرا… إنهم بالفعل… الأجدر بالبقاء… لأنهم يحسنون إليه… في مقابل تلك القنابل… التي انهالت عليه… الليلة الفائتة.
وبعد دقائق… جاء أحد المجاهدين… إلى الصبي… وقال له:
- " يا بني… هذا المكان خطر… خطر للغاية… وقد استدل العدو على مكاننا… والدليل… قصف الليل الفائتة… كان بودنا أن نبقيك معنا… ولكن… حفاظا على سلامتك… من الأفضل لك… أن ترحل"
5- هل مات
أمسك المجاهد… عبد الرحمن الأنصاري… يد جمال… ورافقه إلى أحد المرتفعات… ثم أشار له… ليدله على الطريق… الذي يوصله لإحدى القرى الآمنة… عاد المجاهد.
بدأ جمال في السير… ثم وقف… ورفع يده مودعاً… لهؤلاء الناس… الذين مُلئت قلوبهم سكينة… ووجوههم نورا.
وهناك… وعلى قمة ابتعد فيها جمال… عن أصحابه الجدد… الذين منحوه درسا في السماحة والصبر… وقبل أن ينزل إلى الوادي المفضي للقرية… ألقى على كهوفهم نظرته الأخيرة.
إلا أن نظرته تلك… تواصلت لفترة أطول… ذاك أن سربا من الطائرات… أقبلت مزمجرة مدوية… تفاجأ جمال… وخفض رأسه… ثم قعد… وحاول الانحناء ببدنه… بين بعض سقوف الأحجار… وأكمل رصد الموقف.
وفي غضون ثوانٍ معدودة… أُلقيت بعض القنابل… على تلك الجبال.
لم تكن تلك القنابل… بالكثيرة…أبدا… ولكن النيران… التي ثارت على أثرها… مرعبة ضخمة… لم يكن الطفل قادرا على اختيار ما يفعل… لذا… بقي ملقى مكانه… يرصد ويرقب… وبعد ساعة… قام… كان يريد النزول… باتجاه تلك القرية… ولكنه آثر أن يعرف بالضبط… ما الذي حصل لأولئك النفر… الذين أكرموا وفادته… منذ قليل.
قام الطفل ليسير… بيد إنه شعر برائحة كريهة… تصل إليه… عبر الهواء… لم يتمالك نفسه… سقط على الأرض.
6- عيناه تنفرجان
الهدوء تام… في تلك الجبال… لأن كل من كان يقطنها… من إنسان أو بهيمة أو طير… وحتى الحشرات… قضوا نحبهم.
بدأت عينا جمال… تنفتح شيئا فشيئا… وبدأت صور تلك الوجوه… التي ودعته… تتراءى باهتة أمامه… عيناه الصغيرتان… تنفرجان بهدوء… وامرأة في الثالثة والأربعين من عمرها… تسكب قليلا من الماء… في يدها… ثم تمسح به وجه الصبي… وعندما استقر لعينيه انفراجهما… رآها تبتسم… ثم قالت:
- " الحمد لله… لقد عادت لك الحياة…. بعد أن يئسنا من ذلك"
اقتربت المرأة بفمها من رأسه… ثم قبلتنه… قبلة حانية… ثم أجهشت بالبكاء… وهي تقول :
- " انك في عمر ابني مهران… الذي قتله الأمريكان… قتلهم الله… قتلهم الله"
ومن هناك… جاء زوجها من المسجد… إنه رجل طويل…. في الخمسين من عمره… وعلى ملامحه تقاسيم الوقار… وفي وجهه نور ساطع… من جنس النور… الذي رآه جمال… في وجوه أولئك النفر… الذين وجدهم في الكهوف.
أحس جمال… مزيدا من السكينة… لرؤيته هذا الرجل… وعندها قال الرجل:
- " أهلا بك يا فتي… أنا عمك حامد بختير… لقد أنرت لنا المنزل… ومنذ ثلاثة أيام… كنا نظن أنك في عداد الموتى… لقد لقيتك زوجتي… وهي تبحث عن ابنها… ابنها المسكين… الذي كان يرعي لنا الغنم… ولكن… لله الأمر… وجدته ميتا من آثار قنابل الدمار الشامل… أو… اليورانيم… لست أدري… ولكنها أحرقت منطقة مفتوحة… وقتلت قري بأكملها… دمرتها تدميرا… وقتلت ابننا مهران… الذي كان يرعي أغنامنا… وأغنام جيراننا"
جلس حامد بختير… جوار جمال… في حين تغيبت المرأة… وبعد دقائق…. جاءت من هناك… وفي يدها كسرة خبز… وقليل من السمن… جلست قبالة جمال… وقالت:
- " كل بني… كل… يجب أن تتغذي"
ليست سوى ساعات… وها هو جمال… تحمله خطاه المثقلة… وتنقله في الساحة الصغيرة… المجاورة للمنزل… إنها حياة بسيطة… ورُبى كانت هادئة… يوما ما… إلا إن أصوات النائحات… يسمع الآن… وهو يخرج تقريبا من كل منزل… لقد قضى أكثر شباب القرية… في القصف المرعب… كل شيء بدا حزينا… لكن كثيرا من الشيوخ… الذاهبين للمسجد… كان يلقي السلام على الصبي… ويلقي عليه ابتسامه صادقة… وبعضهم ربما جاء نحوه… وسلم عليه… وسأله:
- " هل أنت المجاهد الوحيد… الذي نجاك الله من القنابل النووية"
لم يكن الناس… يدركون حقيقة القنابل النووية… ولكنهم يعرفون أنها أسلحة دمار وفساد في الأرض… وهم أيضا متأكدون… أن ما حل على الجبال من دمار… في تلك الليلة الرهيبة… إنما هو من صنيعها.
7- المطر الأسود
دخل من هناك… حامد بختير… يلف عمامته بهدوء… ثم نظر إلى جمال… ويقول:
- " حان وقت الصلاة… يا بني… نحتاج الصلاة… ونحتاج اللدعاء… دعاء الله… أن يكشف عنا الغمة… ونسأله أن ينزل المطر… كي تهدأ هذه الغازات المميتة… التي تأتينا مع هبوب الرياح"
ذهب الصغير مع الرجل… ودخلا المسجد… ومع ولوجهم بيت الله… هبّت نسائم أنس وسكينة… زفر جمال زفرة طويلة… وتقدم إلى الصف الأول… ثم وقف خاشعا لله.
وأي سكينة تلك… التي أحس بها الطفل… وهو يصلي السنة.
أقيمت الصلاة… وصلى الإمام… كان خاشعا منيبا… وفي آخر ركعة… قنت لله في ابتهال… ودعا بالنصر… وبنزول المطر… ثم انقضت الصلاة… وعاد جمال مع حامد… إلى المنزل.
كان جمال بالفعل… يشعر بأهمية نزول المطر… ولكن… لم يكن ليخطر على باله قط… أن ذلك الدعاء بالمطر… يمكن أن يتحول لحقيقة.
مضي الوقت مسرعا… ليست سوى ساعات معدودة… وهاهي السماء… تتلبد بالغيوم… ودعوات الناس السائرين في الطرقات… لم تنفك من الارتفاع بالضراعة بنزول المطر.
وأبرق البرق… وأرعد الرعد… وخرج الناس من النوافذ… ليرو رحمة الله… ثم نزلت زخات المطر… ولكنه مطر غريب… لم يكن لهم أن يروا مثله من قبل… ذهل الناس… لرؤيتهم تلك القطرات… السوداء… المحملة بذرات الكربون… وكانت شلالات الماء الصغيرة… التي تجري جوار المنازل… لا يمكن لمن يراها… وهي تجري… ملونة بذلك اللون القاتم… أن يحكم مطلقا… أنها مياه مطر… قال حامد بختير… وهو ينظر إلى زوجته:
- " لا عليكم… هذا المطر… سيغسل السماء… لقد تلبد على سمائنا… ركام من السموم… لا تغسله إلا رحمة السماء… ولكن… علينا ألا نشرب من هذا المطر… بالتأكيد… هو مسموم… وعلينا أن ننتظر… حتى يتحول المطر… إلى لونه الطبيعي"
8- الشهادة
بقي المطر مستمرا طيلة تلك الليلة… وحتى منتصف اليوم التالي… وها هم أهل القرية… يخرجون إلى مزارعهم… وقد غسلها الماء… ولم يعد لآثار تلك السموم… أي أثر… إلا أن نظرات جمال… نحو تلك الجبال… التي قابل فيها عبد الرحمن… لازالت شاخصة… قال جمال لحامد بختير:
- " يا عمي… أريد أن أذهب إلى تلك الجبال… لأري ما حدث لصديقي عبد الرحمن"
- " نعم… جميعنا سنذهب… أنا وأنت… وأكثر أهل القرية… لقد ذهبت السموم التي كنا نخشاها"
سار حامد بختير… ممسكا يد جمال… ومر على بيوت القرية… وكان ينادي أصحاب البيوت بأسمائهم… ويقول:
- " من كان معه مسحاة حفر… فليحضرها… سندفن الشهداء… الذين قضوا في القصف"
وما هي إلا دقائق… ويجتمع العديد من أهل القرية… ويسيرون في جماعة… نحو تلك الجبال… وعندما وصلوا إليها… لم يكن هناك… أثر للغازات السامة… إلا أن رائحة الجثث… بدأت تفوح.
تلطم أهل القرية بعمائهم… وبدأوا بالبحث.
لم يكن البحث عسيرا… لقد كانت الجثث المحروقة… مرتمية هنا وهناك… بعضها للمجاهدين… والكثير منها لنساء أو أطفال… كانوا في مزارعهم… أو خلف أغنامهم.
لم يكن مُهمّا لدي أهل القرية… أن يجدوا أقربائهم من بين هؤلاء الشهداء… فهم يعتبرون الجميع… أقارب لهم… لقد حفروا عددا من القبور الجماعية… وكانوا يضعون الخمس جثث… والست جثث… في القبر الواحد… وكانوا يضعون الرجال سويا… والنساء سويا.
لكن صور الموتى… لم تكن لتمر على ذهن جمال… مرورا عابرا… لقد نُقشت الملامح… وكان الشيء المذهل… الذي اشتركت فيه تلك الجثث… هي الابتسامات العريضة… التي تأخذ بُعدا أخر للفاجعة… فليس ثمة من يستقبل الموت… بابتسامة عريضة… إلا من كان لموته… بعدٌ آخر… غير الفناء… إنها الشهادة.
انتهت مراسم الدفن… وانقشع شيء من حزن الملهوفين… بموت أحبائهم… بعد أن رأوا تلك الابتسامات المشرقة… وذهب أهل القرية… لأعمالهم ومنازلهم… وذهب جمال… بصحبته حامد بختير… للمنزل.
9- قرية ناماوان
ها هي الأيام تسير بهدوء… وقد عاد شيء من السكون… لأجواء القرى الأفغانية… بعد انسحاب المجاهدين… وأصبح الجنود الأمريكان… يجوبون الشوارع… جيئة وذهابا… ولا تُحرم الشوارع… من جنود تحالف الشمال… المساندين للأمريكان… ومدرعات ومجنزرات… تبث الرعب… ونساء سافرات… يسرن في بعض الشوارع… ومظاهر لم تألفها شوارع المدن الأفغانية… من قبل.
إلا إن انفجاراتٍ هنا أو هناك… تسببها عبوات ناسفة… قد تعكر سير الأمور… وقد يكون القتلى… من جنود المحتل… أو من المدنيين… ولازالت شعارات وحشود… تدعم الملا عمر.
الحال في الغذاء والدواء… سيء… كما هو الحال من قبل… إلا أن الطفل جمال… الذي بدأ يحفظ عددا من الكلمات الأفغانية… ويستخدمها حال الضرورة… يسير هناك… ويطيل التأمل.
وبين الفينة والأخرى… ينفجر بالبكاء.
إنه يشعر بافتقاده لوالدته… صحيح… إن اهتمام هذه الأسرة البسيطة… به… خفف عنه الكثير من الهموم… لكنه يريد الاطمئنان على حال والدته… ويريد أن يعرف… ما الذي حدث بالضبط… لوالده… الذي تغيب داخل السيارة المقفصة… وذهب… ولا يدري جمال… هل هو حي الآن… أو ميت… الشيء الذي تأكد منه… هو أن الأمريكان… هم من أخذ والده… نظر جمال للسماء ساخرا… وقال يحدث نفسه:
- " الأمريكان… كم أحببناهم… ودافعنا عنهم… وكم كان والدي ينتقدهم… وينتقد البسطاء… من أفراد هذه الشعوب الفقيرة… ويال حكمة القدر… ها هم الأمريكان… يقتلوننا… وها هم أبناء الشعوب الفقيرة يكرموننا"
تذكر جمال… صورة ذلك الرجل… الذي كان يكنس الشارع… وتذكر اسمه وابتسم… وقال يحدث نفسه:
- " ماذا لو علم ذلك الرجل… أسد الرحمن… أني هنا… في بلده… وأنني وعائلتي… نقاسي الأمرين… بعد أن كنا مستكبرين عليه… وهو في بلدنا"
تذكر جمال… ذلك الموقف… عندما كلمه أسد الرحمن… وقال له:
- " أنا أفغاني… وبلدتي اسمها نماوان… لو قدر لك… وجئتنا في أفغانستان لأكرمناك"
انتهت تلك الأفكار… ومن هناك… جاءت صفية… زوجة حامد بختير… وهي تقول:
- " بم تفكر يا بني؟"
انتبه جمال لها… وقال دون أن يفكر:
- " في والدتي"
- " والدتك… معك كل الحق"
الفصــــل الثامن والثلاثون
1- وهم الحرية
يُفتح باب الطائرة الخلفي… وتبدو أشعة الشمس… ناصعة… ويدخل هواء بارد… ويرفع الجميع رؤوسهم… لأنهم شعروا بقليل من نسمات الحرية… بعد رحلة عناء طويلة… داخل طائرة الشحن العسكري.
لم يكن لشعورهم بالحرية أن يطول… ذلك أن أعينهم اصطدمت هناك… بالأسلاك الشائكة… والأقفاص الحديدية… ومجندون منتصبون كالشياطين… في كل مكان.
قال الضابط الواقف أمامهم عند بوابة الطائرة:
- " هيا انزلوا… انزلوا بنظام"
تحاشد جنود من كل مكان… في مشهد استعراضي مذهل… وكل معتقل… أحاط به ثلاثة جنود… يمسك أحدهم… بيده اليمني… ويمسك آخر… بيده اليسرى… ويرفعه الثالث… من الخلف… حينا يدفعه من ظهره… وحينا من مؤخرته… وحينا من رأسه.
بيد إن واحد من أولئك الأربعين معتقلا… لا يستطيع إدراك ما يحصل… لأن شيئا مما يحصل… لا يمكن تخيله.
ألقى الدكتور كامل بصرة بعيدا… عبر أسلاك معتقل قونتنامو… وزفر زفرة حسرة طويلة.
وبعد أن نزل… نظر إلى ذلك القفل الفضي… المعلق على باب أحد الأقفاص… أحس بيد أحد المجندين… وهي تعبث في مؤخرته… وهو يصرخ:
- " تحرك يا…"
سمع كامل تلك الكلمة القذرة… وأدار وجهه… لينظر في وجه قائلها… إلا أنه مُني بلكمة على وجهه…. وسيل من الكلمات السيئة.
وأخيرا… فُتح باب القفص… وأُلقي بكامل… بكل عنف… على الأرضية الصلبة… ثم غادر الجنود… وأُقفل الباب… ووُضع القفل.
بقي كامل دقائق صعبة… مطأطئً رأسه… لا يدري… هل يصدق نفسه… أم يكذبها… إلا إنه يقنع نفسه الآن… أنه في حلم… أو فيما يشبه الحلم… ولكن الحلم طال.
رفع كامل رأسه… والقي بصره… وتحسس حزنا عميقا… يصهر قلبه.
إنهم هنا… وهناك… أشخاص يرتدون البدلات الحمراء… وأيديهم مكبلة… وأرجلهم مكبلة… وتمتد السلاسل… حتى تدخل في قفل مثبت… في طرف القفص.
نظر كامل إلى نفسه… أنه مثلهم… تماما… بل لقد بدت السلسلة التي مُني بها… أقصر من سلاسلهم… دمعت عينه تأثرا بذهوله… وسأل نفسه:
- " ولكن… أنا… ما العلاقة بيني وبين هؤلاء؟"
دقق كامل النظر… هناك… دقق أكثر… إنه رجل في الخامسة والثلاثين… جالس… في ذلك القفص… الذي يبتعد عن قفصه مسافة قفصين… وتلك اللحية الطويلة… التي ترتفع في الهواء… وتروح وتجيء… ألحّ السؤال ثانية:
- " ما علاقتي أنا… بهؤلاء الإرهابيين… الطالبانيين"
2- فاصولياء
لقد بدأت مرحلة جديدة… في السجن… بعد أن تغيرت طريقة السّجانين… في تقديم الطعام… لم يعد الطعام المقدم… ليفي بشيء من حاجة أولئك المساجين.
إنها شربه الفاصوليا… البيضاء… أو الحمراء… تقدم لهم غدوا وعشيا… وتلك المراحيض… التي لا تعدو كونها فتحات في الأرض… مكشوفة… من جميع الجهات… ولا يعرف من يريد قضاء حاجته فيها… معنى للستر.
لم يعد الدكتور كامل… ليطيق هذه الطريقة.
الأيام تنقضي… وراء الأيام… وكامل… يحدث نفسه… بمحاكمة عادلة… ولكن… أصبح ما يحدث به نفسه… أقرب للوهم… إلا إن حديثا يقوله المساجين لبعضهم… في بعض الأوقات… يتحدث عن بدء التحقيق.
3- شمبانزي
الأيام الكئيبة… تمر على أولئك المحبوسين… في أقفاصهم… لكنهم يجدون سلوة… في النظرة إلى السماء… لعلهم يجدون كلما نظروا إليها… عونا من خالقها… على هذا الظلم والقهر.
وحده كامل… هناك في قفصه… مطأطئ رأسه… لا يجرؤ… أو لا يريد أن يتجرأ… لطلب العون من أحد… أن معاناته تفوق كل معاناة… وتشتد أكثر… عندما يتذكر ابنه جمال… وتتيه أفكاره حينها… في بحور مظلمة… كلما أراد تخيل ما حصل له.
إنه هنا… في قونتنامو… وآخر ما كان يتوقعه… أن تقع عليه التهمه… بالإرهاب:
- " هـ… هـ… هـ… ويا لها من نكتة"
أو… التهمة… بالعمل المسلح… ضد الأمريكان… ولكنّ… أحد من هؤلاء الجنود… لا يسمعه… أو يصدقه.
الشيء الوحيد… الذي لفت انتباه كامل… هو انسجام هؤلاء المساجين… مع ذواتهم… ومع عالمهم الجديد… ومع كل ما يعانونه… خاصة عندما يقفون للصلاة… صحيح… هم يعانون كثيرا… كلما وقفوا للصلاة… وينهال مع وقوفهم… سيل من الركلات واللطمات… التي يوجهها لهم سجانوهم… إلا إنهم لا زالوا منسجمين.
لم يشأ كامل… أن يغير شيئا من قناعاته… تجاه الدين… أو حتى تجاه الأفغان… صحيح… إن قناعاته… تجاه الحضارة الأمريكية… قد تزحزحت… قليلاً… من مكانها… إلا أنه يقاوم… لتبقى ثقته في مكانها… وأمله في أن تثبت براءته… يلوح له بين الفينة والأخرى… مع إن تحقيقا حقيقيا لم يجر معه… حتى الآن… كلما يعرفه كامل… أنه محبوس هنا… كالشمبانزي.
4- أذان
الوقت يمر كسلحفاة عرجاء… على قلوب معتقلين مقيدين… أُلقي بهم في جزيرة وسط المحيط… ولم لا يمر الوقت كذلك… والجنود السجانون… أيضا يمرون بظروف نفسية صعبة… جراء ما يعتبرونه نفيا لهم… لذا… فهم ينفّسون عن حنقهم… بالتنكيل بالمعتقلين.
لقد ارتكزت الشمس… لتوها… في كبد السماء… ومع ارتكازها… سمع كامل ما لم يكن يتوقع أن يسمعه… هنا… إنه الأذان:
-" الله أكبر… الله أكبر"
بصوت أحد هؤلاء المحبوسين… أدار كامل رأسه… ورآه… هناك… يتجرأ على كل الجبروت… الذي يتمتع به السجان.
ولكن… لم يستمر المشهد… ليكتمل ترديد صوت الأذان… لأن أحد السجانين… الأشد غلظة… تقدم نحو السجين… وقال في صلف:
- " اصمت يا…."
لم يصمت المؤذن… وإنما استمر.
أعاد السجان:
- " اخرس يا …."
لكن الأذان استمر… في حين فتح السجان الباب… وسدد للمؤذن لكمة على بطنه.
كامل يشاهد… استمر المؤذن في أذانه… مع أنه قد بدا يتصرع من الألم… واستمر اللكم ينهال عليه.
كامل لأول مرة… يشعر بسعادة… مع استمرار صوت المؤذن… طرب من أعماقه… لاستمرار الصوت… ربما لأن فيه تحد لهذا السجان.
وأخيرا… وقف المؤذن عن أذانه… لأنه أصبح ينزف.
الفصل التاسع والثلاثون
1- منسجم مع حياته
رائحة العجين… الذي يتحول ببطء… إلى خبز… داخل ذلك التنور… تفوح… وأصوات ثغاء الأغنام… يزدحم… في أذن ذلك الطفل… الذي يحمل حقيبة من القماش… على كتفه… ثم يطأطئ رأسه… ليربط السير الصغير… في مؤخرة حذائه… ثم يتجه للأغنام… ليعيدها وهو يقول:
- " أمي … هل أحلب أياً من هذي الأغنام؟"
- " نعم… تلك… النعجة ذات الرأس الأسود"
يضع جمال حقيبته… وينطلق مسرعا… ليمسك الشاه… ويسحبها قليلا… ثم يتناول وعاءا حديدياً… ويضع رجل الشاه بين فخذه وساقه من الخلف… ثم يجلس… ويبدأ في الحلب.
ها هو جمال… بعوده الناحل… وطوله الفارع… بالنسبة لأقرانه… لقد مر على بقائه هنا… قرابة الستة أشهر.
جمال… هنا… على سفح جبل من جبال أفغانستان… يعيش مع من رأى فيهم أهلاً له… لقد وجد نفسه هنا… في منزل متواضع… لزوج وزوجة… فقدا ولدهما في الحرب… وولدهما… في سن جمال… فلم يكن منهما… إلا أن أحلاّه مكان ولدهما… ووجد هو بنفسه فيهما… أبا وأما… وملاذا آمنا… بين تضاريس تلك الجبال.
بيد أن هذه البيئة الجديدة… مع كل ما فيها من مفردات… تتعارض أو تتناقض… مع حياة جمال السابقة… إلا أن الفتي الصغير… قد ألفها… ووجد فيها بديلا يمكن قبوله… والسكن إليه.
انتهي الفتى من حلب الشاه… وقام.. ودفع الشاة… ثم انطلق بالحليب لأمه… أو من رآى فيها أما له… ورأت فيه ولدا لها… وقال:
- " خذي يا أمي"
لم تكن الكلمة التي قالها جمال… (أمي)… لتمر مرور الكرام… على أذن صفية… لقد أجهشت بالبكاء… وتركت التنور… ونفرت لتحضن الولد الصغير… ومع اشتباك المشاعر… دخل حامد بختير… وهز رأسه وقال:
- " لقد عوضنا الله بك يا جمال… عن ولدنا مهران"
نظر جمال… للرجل الذي أصبح في منزلة والده… وابتسم له… في حين هبت صفية… لتحضير الخبز والسمن… مع اللبن… وجلس الجميع للفطور… وفي أثناء جلسة الإفطار… قال جمال :
- " أبي… لقد أنهيت حفظ جزء تبارك"
- " ما شاء الله… إذن سيختبرك فيه أستاذك اليوم"
- " نعم… وقرأت تفسيره كاملا"
- " هذا تقدم تشكر عليه… أنت تتميز بذكاء نادر"
قالت صفية:
- " يكفيه أنه يجيد العربية… وأنه من الجزيرة… من جوار بيت الله… ومن جوار مسجد رسول الله… كم أهوى تلك البقاع"
انتهت الأسرة من الإفطار… وقام الجميع… الرجل لمزرعته… وجمال للحلقة في المسجد… وصفية لإكمال بعض أعمال المنزل.
2- قرار الرحيل
صورتها مرتسمة في مخيلته… لم تنفك عنه أبدا… إنها والدته… ولكن… كيف الوصول إليها… وهو لا يملك من المال… ما يوصله لكابول… ولا يمكنه أن يطلب من أحد… أجرة الذهاب.
أغلق جمال المصحف… الذي في يده… وبدأ يفكر… ثم حزم أمره… وقام منصرفا من المسجد.
اتجه جمال للمنزل… وهناك… رآها في الفناء… صفية… إنها تُنقِّي بعض القمح… من الحجارة… سار إليها… وألقى السلام… ثم جلس قبالتها… وقال:
- " أمي"
- " نعم يا بني"
- " لقد قررت… الذهاب للبحث عن والدتي… إنها في كابول… لابد وأنها تبحث عني… وعن والدي… وهي بالتأكيد… في أقصي درجات القلق"
هزت صفية رأسها… ثم أطرقت بصرها… ومسحت بعض دموعها… وقالت:
- " بالتأكيد… كلامك هذا صحيح… من حقك… ومن حقها عليك… إنها أمك… ولكن… هل ستذهب وتتركنا؟"
أدرك جمال ما يدور في ذهن صفية… لذا قال:
- " لقد أحببت الحياة معكم… وجدت فيها سعادة كبيرة… وتعلمت الكثير… سوف أزوركم باستمرار"
شهقت صفية بخفاء… ثم وقالت:
- " قل لي يا جمال… كم يكلف الذهاب لأمك؟"
- " لا أدري"
رفعت صفية يديها… وأدارتهما خلف رقبتها… ثم فكت العقد… وقالت:
- " خذ هذا يا بني… بعه… واصرف به على رحلتك… ستجد عربات ذاهبة لكابول… ابحث عن والدتك… وإن وجدتها بخير… أبلغها سلامنا… وأرسل لنا بأخبارك… ولا تبخل علينا بزيارة"
انفجرت صفية ببكائها… وقامت لتضم جمال… ولم تبخل عينا جمال… بشيء من دمع حار… واستمر المشهد دقائق… ثم انقطع… لدخول صاحب المنزل.
تقدم حامد بختير… وهو يقول:
- " يبدو أن لديكما جديداً ما"
نظرت صفية بحسرة… وهي تقول:
- " جمال سيرحل… ويتركنا"
هز الرجل رأسه… وقال:
- " لا جديد في الموضوع… بالتأكيد… هو يريد مقابلة والدته… هذا حق له… وحق لها… صحيح… إننا سنفتقده… وصحيح… إنه حل محل ابننا… في هذه الأيام العصيبة… ولكن… يبقي الحق هو الحق"
نظر الرجل للعقد في يد جمال… وأكمل:
- " وهذا العقد… أرجعه يا بني… لأمك… سوف أتدبر أنا الأمر"
أعاد جمال العقد… وعيناه مغرورقتان بالدمع… وقال:
- " لا يمكن لي أن أنساكم… مع اشتياقي للقاء أمي… إلا إن مشاعري… تربطني بكم… لا يمكن لأحد أن يفعل هذا… مع شخص غريب "
قال حامد:
- " لا يا بني… هذا هو الواجب… الإسلام يجعل منا شيئا كالجسد الواحد… الإسلام… إنه دين السلام… والعدل… والإحسان… ومن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه… فهو ناقص الإيمان"
قال جمال:
- " عمي… أنا سأتدبر الأمر… سأعمل كما يعمل كل الأطفال… هنا… لن أعدم حيلة… في أن أتدبر تكلفة الذهاب لأمي"
ربت العم على كتفه… وقال:
- " كلا… سنبيع بعض الأغنام… لقد خططنا لذلك من قبل… نحن في حاجة للمال… سنشتري طحينا وثيابا… وسيكون الزائد لك… ثم إن زواج ابن أختي قد اقترب… ربما يكون في الأسبوع القادم… نحن في حاجة لنقدم لهم هدية "
3- وداع
ها هي الشمس الباردة… تلقي بأشعة الصباح… عبر زجاج الحافلة الصغيرة… ليجد الصغير… القاعد في كرسيه في الحافلة… شيئا من دفء… ثم يطلُّ برأسه بهدوء… عبر النافذة المجاورة له… ويخرج يده… ليصافح يد أمه… التي امتدت له من الخارج… ثم ينظر بتفاؤل… لتلك الابتسامة الصادقة… التي تخرج من بين ثنايا العم وشفتيه… في حين يقول له العم حامد:
- " اهتم بنفسك جيدا يا جمال… لقد طلبت من ابن أخي… سائق الحافلة… أن يحرص عليك… إذا أردت شيئا… فلا تستحي في طلبه منه… الطريق إلى كابول طويل… عليك أن تصبر… وستجد والدتك بإذن الله"
قالت صفية:
- " يا جمال… إياك أن تنسى… إن لم تجدها… فعد إلينا مباشرة… وسنبحث معك عنها… لا تدخل في متاهات البحث وحدك…. الدنيا خطرة الآن… ليست كما كانت في عهد الحكومة الإسلامية"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق