الأحد، 19 سبتمبر 2010

الجزء التاسع

الجزء التاسع

 

الفصل الأربعون
 

1- ركام كابول
تترنح الحافلة… المثقلة بحمولتها… وهي تسير بهدوء… لتتجاوز الحفر… المتناثرة في الطريق.
وأخيراً… ها هي الحافلة… تدخل مدينة كابول… لقد طالت الرحلة… وطالت… وقد وجد الركاب الكثير من العناء… ومع دخول كابول… شعر الجميع بسعادة الوصول… إلا إن جمال… شعر بالخوف…. ذلك أنه حين أطلّ من النافذة… لم ير المباني التي تركها واقفة… لم يرها واقفة كما كانت… إنها منهارة… أو شبه منهارة… ومن خلال الفرجات المفتوحة… التي أحدثها القصف المتواصل… لتلك المنازل… تبدو الأسر الساكنة… كئيبة منهكة.
جمال يفكر في حال والدته باهتمام:
 

-   " هل يمكن أن يكون منزلها… قد تعرض للقصف… كحال هذه المنازل؟… وما حال معملها… الذي اجتهدت فيه… من أجل الوصول إلى تراكيب طبية… تساعد المرضي؟… هل يمكن أن يكون المعمل… قد أندك… تحت وطأة القنابل؟… وما حالها هي؟… هل أصابها مكروه يا تري؟… أحوال المنازل على جنبات الطريق… لا توحي بخير"
 بدأ قلب الفتي يدق بقوة… كلما اقتربت الحافلة من مكان المنزل… وأخيرا توقفت الحافلة… ونزل معظم الركاب… ومن بينهم جمال.
 
 

2- الركام المرعب
أعاد اتزان الحقيبة على عاتقة… وأعاد ربط حذائه… وبدا في المسير… جمال… إنه يحتاج خمس دقائق… من السير على الأقدام… ليصل لمنزل والدته.
بدأت قدماه تحملانه الهوينا… وخطواته تتباطأ… ونظراته الشاردة… ترتكز حينا على شجرة محروقة… أو على ركام منزل… وقلبه المرتجف… يحمل هموم الذعر… والقلق الشديد… مما يمكن أن تخبئه له الدقائق القادمة… عن حال والدته.
وأخيرا… بدأت الملامح تتضح… بيد إنها ملامح لا يمكن قبولها… ولا بحال من الأحوال… ها هو ذاك… المنزل… إنه لا يبدو منزلا.
صرخ جمال… وانطلق نحو ركام متهدم… واستمر الصراخ… واستمرت الخطوات.
وأخيرا… سقط الفتى… وتعفر وجهه بالتراب…. واختلطت الدموع… بالدماء التي ثارت من أنفه… وبدأ يضرب على الأرض… ويسب ويشتم… في غير وعي:
- " قبحك الله… يا حكومة الإرهاب… تريدين تدمير العالم… وجعله تحت هيمنتك… فتقتلين الأبرياء"
استمر الصراخ… واستمر:
- " أمي… أمي… أمي"
لم يطل الوقت… لقد جاءت جارتهم العجوز… (مرح)… ذات الستين عاما… من هناك… مسرعة… لقد كانت تكنس فناء حجرتها الوحيدة… وعندما رأت جمال… فزعت نحوه… وصلت ( مرح)… إلى جمال… حملته وهي تقول:
- " لا عليك… لا عليك… ستكون بخير"
نظر إليها بعينين حزينتين… وقال:
- " أين هي أمي؟"
أشارت للمنزل وهي تقول:
- " أمك… الدكتورة"
- " نعم"
شهقت شهقة طويلة… تم رفعت كتفيها… وهي تنظر للمنزل… ثم ساعدت جمال على الوقوف… وهي تقول:
- " كل الناس تحزنهم هذه الحرب… لم يبق في هذه الأرض… سوى الموت… ولكن الله معنا"
سارت المرأة وجمال… نحو ركام المنزل… صعد جمال فوق ذلك الركام… طالع عددا من الكتب الممزقة… وقناني الاختبار… وبقايا فرش… ومقعد جلدي… كانت والدته تجلس عليه… أدرك حجم الفاجعة… أمسكت المرأة بيده وهي تقول:
- " تصبر يا ولدي"
بيد إن جمال… لم يكن يدرك ما حوله… ترك المرأة واقفة مكانها… وذهب… كان يسير دون أن يدرك ما حوله.
استمر السير… واستمر… وبعد ساعة… ارتفع صوت الأذان… قَرع الصوت الجليل… أذن جمال… فتوقف الصبي… وبدأ يدقق النظر فيما حوله… وكأنما تنبه من غيبوبة… رأى الناس من حوله… يفدون للمسجد.
سار جمال مع السائرين… ودخل المسجد… وتوضأ… في مكان معد للوضوء… ثم دخل في الصلاة.
  
 

الفصل الواحد والأربعون
 

1- الجيران
ينظر بغير اهتمام… إلى ذلك الشخص… الذي يصلي… في القفص المجاور له… استمر يتابع النظر… حتى انتهي المصلي من صلاته.
رفع المصلي كفيه للأعلى… وبدأ يقول… وبصوت مرتفع:
- " اللهم إنا نبرأ إليك منهم… اللهم إنا نبرأ إليك منهم… اللهم إنا نبرأ إليك منهم".
لا يهتم كامل كثيرا… لهذه الدعوات… التي لا زالت ترن في أذنه… همه الوحيد… ينصب في كيفية إقناع المحققين… بأنه برئ… برئ من الإرهاب… جملة وتفصيلا… بل هو يرى نفسه… أقرب حالا للمحققين… منه لأولئك المسجونين جواره… والذين يقاسمونه في كل شيء… إلا الأفكار… والمعتقدات… والولاءات.
ومع مرور الأيام… هاهم جيران كامل… يتركون زنزاناتهم… ويسيرن في أوقات متأخرة من الليل… مع الحرس.
ويعودون بعد ساعات… وهم أقرب للمغمى عليه… من شدة التعذيب.
لقد بدأ جيران زنزانة كامل… يدخلون غرف التحقيق… ويتغيبون فيها ساعات… ثم يخرجون… إن خروجهم ذاك… وبحالهم تلك… يكسر كل قلب… إلا إنه لم يكن ليؤثر في نفس كمال.
مرت أيام أخرى… تحسس كامل وجهه… وذقنه:
 

-" أوه… ما هذا… ألا توجد أمواس حلاقة هنا"
ها هي لحية كمال… طالت… وطالت… وأصبحت كلحية أي واحد من أقرانه هنا… في السجن.
زفر كامل زفرة طويلة… وقال يحدث نفسه:
 

-" من كان يصدق… أنا… كمال… ويصبح لدي لحية… لحية… يا لها من طرفة… كم طال عدائي للمتسربلين بلباس الدين… التاركين لحاهم… على هواها… تروح وتجيء… في وجوههم… وكم طالت سخريتي منهم… هـ هـ هـ… إلا إني في غفلة من الحال… انخرطت في عدادهم… يا لها من أحجية".
 
 

2- موس حلاقة
مع غروب الشمس… باصفرارها الحانق… يتكئ كامل… على إحدى أعمدة قفصه… ثم يسحب شعرة طويلة في ذقنه… ثم يزفر زفرة طويلة:
 

-" لقد تم استدعاء جميع المساجين… المرة تلو المرة… ولكن… أنا… أنا… لم يتم استدعائي… حتى الآن… مر على دخولي إلى السجن الكئيب… أربعة أشهر… أربعة أشهر بكاملها… دون أن أرى أي نور… في آخر النفق"
وبعد صلاة المغرب… التي أداها السجناء… كل حسب استطاعته… وبالطبع… لم يكن كامل منهم… قال كامل صارخاً للحارس:
- " أريد موس حلاقة… أريد أن أحلق هذا الشعر المؤذي… في وجهي "
لم يطل الوقت… لقد جاء أحد الجنود… ومعه أدوات حلاقة كاملة… ودخل للقفص… الذي يجلس فيه كامل… ثم قال له :
- " سنحلق رأسك "
- " ولحيتي "
نظر إلية العسكري بحقد… ثم قال:
- " أنت مجرم محترف… لعين… مخادع… سوف نُخرج كل ما في رأسك"
شعر كامل بشيء من الدهشة:
- " ما الداعي لكل هذا الكلام؟… لقد بدا لي… أني قاب قوسين أو أدنى… من ثبوت براءتي… ثم… يتهمني هذا الوغد… بالخداع… إنها مغالطة"
صرخ كامل:
- " أنا لست إرهابياً… أبدا… أنا إنسان عصري… مدني"
لم يكن من المجند… إلا أن رد عيه رداً جارحاً… دون أن يتكلم بكلمة… لقد بصق عليه.
جمد كامل في مكانه.
لم يطل الوقت… بدأ كامل يشعر بيد الجندي… وهي تمسك رقبته… ثم بدأت ماكينة الحلاقة… في قص الشعر… وبعد أن أنهى الجندي مهمته… قام وخرج.
 
 

3- غموض
الدوامة في رأس كامل… تدوم… وتدوم… إنه جالس يقضي حاجته… على المرحاض المكشوف… عيون الجنود ترقبه… إلا إن عيون المساجين… حوله… تنحرف عنه… بعد أن ينحرف أصحابها بأجسادهم.
هذه عادة المساجين… منذ دخولهم المعتقل… بمجرد ما يجلس أحدهم لقضاء حاجته… على ذلك المرحاض المنتصب… في طرف القفص… ينصرف الجميع عن النظر إليه.
ومع كل تلك الأيام… التي انقضت… بقي كامل سرا غامضا… على الجميع… ولم تنشأ أي علاقة ود… بين كامل… وبين أي من جيرانه… في الأقفاص… مع أن بقية المساجين… قد نشأت بينهم صداقات حميمة… اكتفوا في إنشائها… بتلك الأحاديث… التي يتبادلوها بالإشارات عن بعد… أو… بالحديث بأصوات مرتفعة… وسرعان ما يخرسهم من أجلها الجنود.
 
 

الفصل الثاني والأربعون
 

1- ما وراء الأكمة
ديفي لوبي… جالس على مكتبه… يراجع الأوراق… ثم يدون ملاحظاته… ثم يرفع كوب الشاي… ويرتشف منه قليلاً… ثم ينظر للنقيب بوني أمامه… ثم يقول:
- " الأخطر… هو كامل… هذا المجرم… إنه محترف… خبيث… ماكر… لا أستبعد أبداً… أن يكون زعيماً بارزا في تنظيم القاعدة… سيرته مذهلة… يجيد الإنجليزية… بطلاقة "
- " سيدي… إن مكمن خبثه… يبرز في شخصيته المتناقضة… مع نفسه… ومع شخصيات البقية "
- " بالتأكيد… حتى صلاتهم… إنه لا يصليها… هـ هـ هـ… وأخيراً… حلق لحيته… لقد جاء إلى هنا… ولحيته محلوقة"
- " وهو ينظر لبقية المساجين… بكل ازدراء "
- " لا عليك… لن يكون أكثر ذكاء منا"
- " هل نبدأ في التحقيق معه؟ "
- " كلا… كلا… جميع حركاته في الزنزانة مرصودة… إنه داهية… يجيد التمثيل… ويعرف جيداً ما يريد… ويظن أننا بلهاء… أغبياء… ويحسب أننا سنقول: (بما أنه لا يصلي… ولا يتوضأ… فمن المستبعد أن يكون أحد أفراد التنظيم)… ولكننا أكثر دهاء… إن أعماله هذه… تجعلنا نجزم بأنه رأس مدبر… يعرف جيداً ما يريد أن يفعل"
- " ولكن سيدي… لم يظهر منه حتى الآن… ما يجعلنا متأكدين من حقيقته"
- " بالتأكيد… لا يوجد شيء اسمه مائة بالمائة"
 

-        " هل من الممكن أن يكون بريئا؟"
 

-        " قد يكون بريئاً… ولم لا… وربما… ربما… لا ناقة له ولا جمل… ولا جدي له ولا حمل… ولكن… لماذا لا يصلي؟ "
- " المسلمون… ليس جميعهم مصلين "
- " يكاد عقلي ينفجر… لا أفهم ماذا يريد أن يوصل لنا… ولكن… سنهلكه بطول الانتظار… سيرته محيرة… درس في أمريكا… هو وزوجته… وتخرج بدرجة دكتوراه… وعاد لبلده… وعمل أستاذاً في الجامعة… لسنوات… وكذلك زوجته… ثم طلب إجازة… وطلبت زوجته إجازة علمية… ثم ذهبوا لأفغانستان… ثم عمل في التجارة… ونجح فيها نجاحاً باهراً… لا شك عندي أنه حلقة وصل خطرة… بين تنظيم القاعدة… وبين جماعات أخرى… إنه يجيد التخفي… وإلا… لم كانت سيرته هكذا"
- " صدقت… ولكن… سيدي… ماذا عن زوجته؟ "
مد ديفيد يده… وتناول إضبارة من الدرج المجاور… وهو يقول:
 

-        " لتوه جاء هذا الملف… استمع"
بدأ يقرأ بعض النقاط:
- " زوجته… أمر غريب… جدا… إنها باحثة… متزنة… محبوبة… خجولة… هكذا تقول صفحاتها… ذهبت لمهمة علمية… إلى أفغانستان… ابنهما يدرس في باكستان… ثم… فقد أثناء الحرب "
- " وماذا فعلت زوجته أثناء الحرب "
- " أثناء الحرب… قصف معملها… ربما كانت داخله… لا توجد معلومات كافية… ولكن… حسب التقارير… انظر… هنا… لقد زارت سفارة بلادها في باكستان… وسألت عن زوجها وابنها… ثم عادت لأفغانستان"
- " هي لم تعلم إذن… بأن زوجها معتقل "
- " ربما لم تعلم… أنظر هنا… لها جهود في بعض الأعمال الإغاثية… تتعاون مع بعض الهيئات… هذا لغز… لغز وأي لغز… علينا أن نتعامل مع كامل… بافتراض أسوأ الاحتمالات… يجب أن نعتبره قائداً ماكراً مراوغاً… أكملوا تحليل لقطات الفيديو التي تلتقطها الكاميرات المسلطة على زنزانته… واحضروا التقارير أولاً بأول… وسوف نقرر لاحقاً… متى نبدأ معه في التحقيق… ولكن… قبل بداية التحقيق… يجب أن نجمع عنه الكثير.
 
 

2- الصبر
الأيام تمضي كئيبة داكنة… وأولئك القادمون من مكاتب التحقيق… تزداد قسمات البؤس على وجوههم… وكامل في زنزانته… صامت صمت الأحجار… لم يصنع أي علاقة… مع أي أحد… إنه ينتظر الإفراج… أو بمعنى أدق… ينتظر أن يكتشف الأمريكان الأذكياء… حقيقة أنه بريء… ولكنّ شيئاً من ذلك لم يحصل… لذا… بدأ يستمع خلسة… لما يتحدث عنه زملاؤه المساجين… في تلك اللحظات… التي يسرقونها عنوة من سجانهم… حيث يتحدثون بين الحين والآخر… بأصوات مرتفعة… بمضمونها رسائل معينة… وفي الغالب… لا تحتوي طيات كلامهم… سوى الوصايا الصادقة… بضرورة الإيمان… والصبر… والثبات على المبدأ… ربما كان المحققون في بعض الأوقات… يسمحون بحدوث شيء من هذا القبيل… بين المساجين… علهم يرصدون معلومة هنا… أو هناك.
لقد قرر كامل… بعد أن أضناه الانتظار… أن يستمع باهتمام… لما يقول جيرانه المساجين.
بدأ أحدهم يتحدث بصوت مرتفع… قال:
- " إن الله مع الصابرين… والصبر طريق النجاة… الصبر الأعظم… هو الصبر على التحقيق… في تلك الليلة العصيبة… التي من لم يدخلها حتى الآن… فعليه أن يعد نفسه للصبر عليها"
 بدا كامل يطالع حوله… أدرك أن التعذيب الذي يتعرض له المعتقل هنا… أنواع وأشكال… وأدرك أيضاً… أن أقسى أنواع التعذيب… هو ما يدخره المحققون… كحل أخير… في الليلة العصيبة… التي ينهار فيها السجين… ولكن حقيقة هذا التعذيب… وهذه الليلة العصيبة… لم يتوصل إليها ذهن كامل.
 
 

3- أنت الأخطر
قبل طلوع الفجر بقليل… كامل نائم في زنزانته… والسجناء الآخرون… ما بين واقف يصلي… أو جالس يدعو… أو منهمك في ترديد ورده.
دخل السجان… وسكب جردلاً من الماء البارد… على كامل… وقال له :
- " انهض "
نهض كامل مرتبكاً… لا يدري ما الذي يدور حوله… وفي تلك الأثناء… باغتته يد الجندي… لتمسك بظهر قميصه… ثم تسحبه لأعلى.
 قام كامل… مستجيباً… لما لا يملك له ممانعته… وفي الوقت نفسه… انحنى الجندي… وفك الأغلال… المثبتة في الأرض… من جهة… والمثبتة في قدمي كمال… من الجهة الأخرى… ليبدلها بأغلال أخرى… تجمع بين توثيق الأيدي وتوثيق الأرجل… وقال في صلف:
- " هيا… تحرك "
وعند الباب… كان هناك جنديان… تناول الجنديان كامل… بمجرد خروجه وبدءا يدفعانه بقوة.
 سار كامل… مثقلاً بهمومه… وبقيوده… وتتكشف أمام عينيه… بهدوء وصعوبة… بعض مشاهد ما يمكن أن يقدم عليه… بعد لحظات.
وفي الوقت ذاته… يعز على كمال… ألا يكتشف هؤلاء السجّانون… حقيقة أنه بريء… بريء من تهمة الانتماء للقاعدة… براءتهم هم أنفسهم… من الانتماء للقاعدة… ولكنه سأل نفسه:
- " لماذا أنا… أنا بالذات… أقع هنا… بين أيديهم… وقد كنت معززاً مكرماً… واقفا في صفهم… على الإرهاب… هذا ظلم"
ولكن… سرعان ما لاح لكامل…. احتمال غريب:
-" لم لا تكون هذه الخطوات… هي خطوات بداية الطريق… نحو الحرية… ربما اكتشفوا أخيراً… براءتي… وربما قرروا إخراجي" 
مضى الطريق… ومضى معه الوقت الثقيل… وأخيراً… ها هو الباب المفتوح… الذي وجب على كامل… أن يلجه.
دخل كامل… ونظر إلى ظهر المقعد… هناك… المستدير للخلف… لحظات صمت رهيبة… بعدها… عاد الكرسي لوضعه الطبيعي… متجهاً للأمام… وبدا وجه المحقق.
ألقي المحقق نظرات نارية… حسِب كامل… أنها مجرد مزحة… ولكن… قال المحقق بعدها:
- " أنت… أنت تعرف السيناريو كاملاً… لستُ عبيطاً… ولا معتوهاً… صحيح… أنت ذكي… هذه شهادة مني… ولكنك وقعت… قد نكون أكثر ذكاءً منك… وقد لا نكون… ولكن… المسلَّم به… أن حظك لم يخدمك… ووقعت… بالطبع… هذه فرصتنا الذهبية… مسئول كبير في القاعدة… بمكانتك… وقيمتك… إنها فرصة كبيرة لنا… صحيح… القبض عليك كان من قبيل المصادفة… ولكنها الصدفة… التي هي خير من ألف ميعاد… وعندما تُسلّم بدءاً… بأن حظك العاثر… هو وحده ما وقف في وجهك… مع مدى الدقة في تخطيطك… وتخفيك… وإخفاء الأدلة التي بعدك… فإن عليك أن تسلم أيضا… كل أوراقك… وتستسلم… كي لا تؤذي نفسك… بالتعذيب "
صمت المحقق… وبدأت الدنيا تدور بذهن كامل… هذا ما كان ينقص… وهذا ما لم يكن لكامل… أن يتخيله… مطلقاً… الوضع ليس كما توقع… سحابة صيف… آن لها أن تنقشع… كلا… لقد أبرقت السحابة… وأرعدت… وتحولت إلى فيضان جارف.
قام المحقق… وسار بصرامة… حتى وقف أمام كامل… ثم قال:
- " هل ستبين لنا مخططاتكم بالتفصيل؟… وأسماء كل من يعمل معكم؟… قل"
نظر كامل بعينين باهتتين… ذابلتين… ولم ينطق بكلمة… أكمل المحقق:
- " أعلم… أعلم جيداً… أنت تماماً مثلهم… لن تستسلم بسهولة… سوف تتلقى كل أصناف الويل… قبل أن تقول كلمة… ولكنك في النهاية… ستجد أن من الأفضل لك… أن تنطق… وحينها… ستقول كل شيء… نصيحتي لك… اختصر الوقت… وقل كل شيء… قبل أن تنال القدر الهائل… من التنكيل… الذي يجعل سماحنا لك… بالحديث… عن كل شيء… أمنية تتمناها… ولا تجدها… وتذكر… نحن هنا… في… قونتناموا… بعيدا عن القانون الأمريكي… هل كلامي واضح؟"
لم يجد كامل ما يقوله… وإنما اكتفى بأن يثبت… عندما تلقى صفعة على وجهه… كانت قوية… بالدرجة التي تجعله يشهق… ثم أكمل المحقق:
 

-        " هل كلامي واضح… يا… يا دكتور؟ " 
دخل جنديان من هناك… وبدا التنكيل بكامل… ليجعله يعيش أسوأ ليالي حياته.
 
 

الفصل الثالث والأربعون
 

1- أين جمال
الذبول يرتسم على أغصان الشجر المقتلع من جذوره… والطرق… بالكاد… تجد فيها مترا مسفلتا… والبيوت… لم تعد سوى خربات… يقطنها أشباح… أو فقراء… هم أقرب للأشباح… والمَحالُّ التجارية… أصبحت خالية… بعد أن أحالتها الفوضى العارمة… إلي صيد سهل… للصوص.
هنا كابول… المدينة التي تفنن الجيش الجرار… في خرابها… وها هي تلك… الدكتورة نورة… إنها داخل الحافلة صغيرة… الداخلة للبلدة المنكوبة.
تتفنن الحافلة في الرقص… على النتوءات والمطبات الإصطناعية… التي صنعتها الألغام… أو القنابل.
بعد ساعات طويلة… وصلت الحافلة… موقف الحافلات… نزلت نورة… من الحافلة… ثم استأجرت سيارة صغيرة… لتوصلها إلى منزلها.
لم يطل الوقت… ها هو هناك… ما يفترض أن يكون منزلا للدكتورة نورة… إلا أن نورة… عندما دققت النظر… لم تره منزلا… ولكنه ركام… ركام من دمار… شهقت بذعر… وضعت يدها على رأسها… بدأت تنظر في ذهول… ثم صمتت.
وبعد دقيقة… خفّت صدمة نورة قليلا… وما سبب خفة صدمتها… إلا أنه… لم يعد في الحي… المجاور لمنزلها… شيء… سوى ركام وركام.
وكثيرا ما يكون نزول المصائب… على الآخرين… تقليل من وقع المصيبة على الفرد… أو كما يقال… (الموت مع الجماعة… رحمة).
الحقيقة… إن نورة… لم تكن متأكدة من أن تلك الأكوام… هي منزلها… لذا… طلبت من سائق السيارة… التوقف… وبعد أن توقف… طلبت منه أن ينظر لحظات… ليتم لها للتأكد… من شيء في الخارج.
نزلت نورة… تقدمت نحو المنزل… عرفت شجرة السدر… المقلوعة هناك… وعرفت بعض عقاقير… وأنابيب اختبار… ومزهرية هناك… وجزء من سريرها.
عادت لسائق السيارة… وطلبت منه أن يُنزل حقيبتها… من سقف السيارة… فهي تريد البقاء هنا.
صعد سائق السيارة… وأنزل حقيبتها… وانصرف.
سارت نورة نحو ركام منزلها… تأملته… جلست على إحدى الأحجار… بقيت دقائق صمت.
 
 

2- أنتِ هنا
نورة… الدكتورة!… جالسة تتأمل… مدت يدها… أمسكت قنينة اختبار مكسورة… تفحصتها… وضعت فيها قليلا من التراب… رفعتها قليلا… لترى الشمس من خلالها.
لم يطل الوقت… من هناك… جاءت جارتها (مرح)… مسرعة… تاركة غنيماتها الخمس… تأكل عشبا يابسا… لم يحترق بعد!… ولا يعرف السبب الكامن… وراء عدم احتراقه.
كانت مرح… مهتمه في سيرها… وبدا عليها القلق… وعندما وصلت للدكتورة نورة… سألتها:
 

-       " هل مازلت بخير؟… هل نجوت من القصف؟"
نظرت لها نورة… وهزت رأسها… وقالت :
- " كما ترين"
 

-       " ولكن… هل وجدت ابنك… وزوجك؟"
فوجئت الدكتورة نورة… بهذا السؤال… لأن علاقتها بهذه المرأة… محدودة… جدا… لا تعدو كونها… طلب إحضار بعض الأشياء… من السوق… في بعض الأحيان… وتعطيها أجرة ذلك… أو سؤال عن أماكن أو طرق… ومرح هذه… لا تعلم شيئا عن طبيعة عمل الدكتورة… ولا عن أسرتها… ولا عن الأحداث الأخيرة… التي واكبت اختفاء زوجها وولدها… ولا تعلم أيضا… عن ذهابها للبحث عنهما.
إلا إن دهشة الدكتورة… جعلتها تسأل:
 

-       " ما الذي حصل؟"
 

-       " ابنك… لقد جاء ابنك هنا… منذ عشرة أيام… تقريبا… جاء على قدميه… كان يبحث عنك"
 

-       " ماذا؟"
وقفت نورة… في اهتمام بالغ… تقدمت نحو المرأة… وقالت:
 

-       " جاء إلى هنا؟"
 

-   " نعم… هذا ما حصل بالضبط… وعندما رأي منزلك… مهدما… ظن أنك قد قتلت… كلنا ظننا أنك قد مت… حمد لله على سلامتك… حاولنا إقناعه بالبقاء… لكنه لم يجبنا"
أغمضت نورة عينيها في ذهول… وطأطأت رأسها… ولم تلبث أن سألت:
 

-       " وأين هو الآن؟"
 

-       " لقد أحس بحزن شديد… ورحل"
 

-       " رحل؟"
 

-       " نعم… لقد بدا يائسا… فقيرا… ثيابه ممزقة… لا أدري أين كان"
 

-       " ووالده"
 

-       " لا أدري… لقد كان حزينا جدا… ولم يجب على أسئلتنا"
وضعت الدكتورة نورة… يدها على رأسها… كأي أفغانية من تلك الأفغانيان… تصاب بفاجعة في ابنها… ثم جلست على الأرض… وبقيت تبكي وتندب.
 
 

الفصل الرابع والأربعون
 

1- تبدد الوهم
الأيام تمضي خلف الأيام… ها هم المساجين… يصلون صلاة المغرب… وهو هناك… في قفصه… ملقى كخرقة بالية… ينظر للدنيا… ويتأملها… ويتذكر العذاب… الذي يتعرض له… في هذه الليالي البائسة… بكل تفاصيله… ليلة بليلة.
نظرات كامل للدنيا… بدت تختلف شيئاً فشيئاً… وتسير في كل الاتجاهات:
-" ما هذا العالم الغريب؟… الذي وجب علي أن أدخله… عالم المعتقلين… الإسلاميين… يا لها من سخافة… أنا… كامل… الأبعد ما يكون… عن القناعة بمبادئ الدين الإسلامي… ولو صدق القول… في قناعاتي… لكانت قناعاته أقرب لقناعات السجانين أمامي… وكل من فوقهم… حتى الرئيس الأمريكي… عينه… ولكن الآن… ودون سابق نذير… أصبحت في مصاف أعداء أمريكا… دون مبرر يذكر… سوى… أنني وُجدت في المكان الخطأ… وفي الوقت الخطأ"
كنت في البداية… أراهن على العدالة الدستورية… التي تتمتع بها الدولة الإمبراطورية… ولكن… العدالة تلك… لم تستطع أن تدخل زنزانتي".
وقعت قطرة دمع على الأرض… تسللت من بين رموش كامل… ثم شهق.
وخلال تلك الأيام الرهيبة… تغيرت بعض الأمور… في قناعات كامل… إنه الانتماء… انتماء كامل… لمن شاركوه في سُكنى تلك الأقفاص… لقد وجد في آخر المطاف… بذرة صغيرة… يتسلل من خلالها… شيء من الميل لهم.
ومع مرور الوقت… بدأ الميل يزداد… ويزداد… إنه الاتفاق في العناء… والاتفاق في المصير… مع أن المنطلقات الداخلية… والولاءات… أشد تناقضاً.
لقد استفرغ جيران كامل… جميع أصناف التعذيب… التي يرى منتزعوا الأدلة… ضرورتها… لانتزاع اعترافاتهم… ولكن أولئك السجناء… يخرجون بعد كل تحقيق… وهم أشد صموداً وصمتاً.
ربما لأنهم بريئون من كل التُّهم… الموجهة لهم… وربما لقناعتهم… أنهم كانوا مجاهدين… اعتدى عليهم الذئب الأمريكي… فعاندوه… وقاوموه… وكانوا لو ظفروا به… إذا لأذاقوه الأّمرّين.
ولكن كامل هنا… معهم… وكل ما كان لديه… الحب الجامح… لأمريكا… والإيمان الكامل… بأنها القدر العادل… الذي سيعيد للدنيا حريتها… فما بال أمريكا الآن… تسلبه حريته.
 
 

2- كامل ينصت
مع انغلاق بوابة الأفق… بغروب الشمس… وانبلاج بعض نوافذها… بأضواء نجوم متناثرة… هنا أو هناك… كانت زنزانة كامل… كأي زنزانة بائسة… تحتوي أي (إرهابي) مفترض… وكان كامل… يُطرق بسمعه… قليلاً قليلاً… عله يستمع تلك الأحاديث… التي يرسلها بكل خوف… مجاوروه هنا… في دنيا الأقفاص… عسى أن ينفسوا بها عن أنفسهم قليلاً… أو يدخلوا من خلالها عبر بوابة الأمل… التي تفضي بأذهانهم… وأذهانهم فقط… لعالم الحرية.
صحيح… إن الحديث بين السجناء… ممنوع… ولكن… السجان نفسه يتجاهل أحياناً… تلك الأحاديث… التي تسرقها منه أفواههم… وربما لم تكن تلك الأحاديث… التي يجدون فيها متنفساً واسعاً في تلك الجزيرة الضيقة… إلا وسيلة من وسائل التلصُّص… يدخل من خلالها السجان… إلى بعض خصوصياتهم… وإلى أشياء يريد أن يسمعها في طيات كلامهم.
ومع أن المعتقلين… يعلمون بدرجة مؤكدة… تواجد سماعات تصنت… سرعان ما تسجل كل ما يقولون… ليتم تحليله بدقة… والوصول به لإدانتهم… ولكنهم مع كل ذلك… أصبحوا يحترفون فن حديث الزنزانات… كي لا يضر بهم.
الشيء الذي لفت انتباه كامل… وهو يستمع أحاديثهم تلك… والتي هي في غالبها… أحاديث دينية… تتناول رحمة الله… وسعة فضله… أو تطرح آية أو حديثا… أو تفسيرا لأي منهما… وهم لا يتحدثون عن أي شيء يتعلق بأنفسهم… أو شخصياتهم… أو بماضيهم… بما في ذلك أفغانستان… أو بأي عمل كانوا يقومون به هناك… ربما كان ذلك حذراً منهم.
إلا إن كامل بدأ ينسجم… أكثر وأكثر… مع سماع أحاديث كتلك.
 
 

الفصل الخامس والأربعون
 

1- البداية من هناك
لم يعد ثمة وقت للعويل… أو وقت للنحيب… بل هو وقت الجد في البحث… لقد شعرت الدكتورة نورة… بأمل كبير… أمل في أن تجد زوجها وابنها… ومع كل حزنها… إلا إن سعادتها لا تخفى… ولم لا… وقد تأكد لها… أن ابنها مازال حيا يرزق… صحيح… إنه قد عانى… وشعر بالتشرد… وكابد… حتى وصل لمنزلها المهدم… إلا إنه مع كل ذلك… مازال حيا:
 

-   " ولكن… كامل… لمَ لم يأتي مع ابنه… هل أصابه مكروه… ووجد جمال نفسه وحيدا… وقرر العودة إلي؟… لا… لا… ربما افترقا… لأي سبب… وكامل الآن قادم في طريقه… إلى هنا"
ومع كل تضاربات المشاعر… التي تنهب قلب الدكتورة… إلا أن بصيص الأمل… يراودها… بين فينة وأخرى… إنها هناك… تلملم شيئا مما أمكنها لملمته… من بقايا أغراض منزلها المتهدم… ربما… أوراقا… أو كتبا… أو قناني اختبار… أو لوحات حائط… لكن السعادة المخلوطة بالحزن… أدركت الدكتورة نورة… عندما وجدت على ذلك الجدران… الذي مازال يقيم نفسه بالكاد… صورة معلقة… إنها لها… ولزوجها… وابنها… لقد رسمها رسام إسباني… حين كانوا في زيارة لإسبانيا… منذ سنوات.
وها هي الصورة… مترنحة الآن… قد ارتسمت في زجاجها نقوشات متداخلة… ليس بيد فنان نقشٍ على الزجاج… وإنما بيد فنان قتل محترف.
لم تتمالك الدكتورة… ردا على الألم… إلا أن تقف… في انسجام تام… مع الموقف… لدقائق… تتسلل إلى نمنمات الصورة… وكأنها تنساب في نمنمات حياتها.
بدأت صور الحياة… ومواقفها… تتراءى على شريط الذكريات… الطفولة… الصبا… الدراسة… كل ذلك… لكن نورة… عندما عرّجت على تجربتها التي عاشتها في أمريكا… بدأ قلبها يدق بعنف:
 

-   " هل تلك هي الحضارة… التي كنت أتغنى بها… أنا وكامل… وابننا الصغير… هل هذا ما كنا نلهث لنقدمه للعالم… كبديل؟… هل تستحق أمريكا… كل ذلك؟"
بدأت صورة القتل… التي شاهدتها الدكتورة نورة… أثناء تنقلها في الأيام المنصرمة… تعاود الظهور… فى ذهنها… جلست الدكتورة… على مكعب من الأسمنت المكسور… وقالت:
 

-   " وهْم… وهْم… لا يمكن أن تسود الحضارة… التي تقتل… بلا حسابٍ لمعنى القتل… إنه الإرهاب بعينه… وتمارسه أمريكا… من جديد… لكن الشيء الذي يميز إرهابها عن أي إرهاب آخر… هو أن إرهابها… مدعوم بمنظومة ضخمة من الأعلام… الذي يجعلها حَمَل سلام… ويجعل ضحاياها ذئاب.
ولكن… كيف انطلت عليّ كل تلك المؤامرات… وأنا أشاهدها باستمرار… على مدار تقدم الحضارة الأمريكية… منذ أيام بدايتها… هـ…هـ… وثقافة الإبادة للهنود الحمر… ثم التعامل الفج… مع الملونيين… ثم استخدامها القنبلة الذرية… كأول بلد يستخدم أسلحة دمار شامل… دون وجود مبرر حقيقي… سوى ما يصنعه الإعلام… ثم حرب فيتنام… وحروب الخليج… وحربها ضد شعب فلسطين… الأعزل… كل ذلك… كل ذلك".
قامت الدكتورة نورة… وحملت الصورة… وخرجت من بين تلك الأنقاض… لكنها خرجت بمشاعر أخرى… غير تلك المشاعر… التي دخلت بها… إنها عازمة الآن… على الوقوف في وجه هذا الطاغوت الظالم.
وفي أثناء خروجها ذاك… سمعت في الجو… أصوات دوي طائرات حربية مرعبة… نظرت إليها نورة… وواصلت سيرها.
 
 

2- قصف رحلة
تنحني برفق… ثم تخلع حذاءها… الذي انقطع للتو… ثم ترفعه… وتحاول معالجة الجزء المقطوع منه… وبعد أن اطمأنت لإصلاحه… حركت حجابها الأفغاني الأزرق… لتُحدد بدقة… الخروم في غطاء وجهها… كي تكون بمحاذاة عينيها… ثم انطلقت.
أنها تنحدر من ذلك الجبل… ذي الأحجار الحادة… وتسير عبر الممشى الضيق… الذي عبّدته الأقدام السائرة عليه… لأمد بعيد… وأخيراً… ها هو سوق الأغنام… أمامها.
لقد كان الباعة قليلون… والمشترون أقل… لم يعد عصب الحياة لينبض… في هذه الأسواق… التي كانت من قبل… مكتظة بالبشر… وبسبب الحرب… التي لا تطال في الغالب… إلا المدنيين… وممتلكاتهم… أصبحت الدنيا مقفرة.
وبعد لحظات… دخلت نورة السوق… وسارت كما تسير أي أفغانية بسيطة… وانحنت نحو زير ماء كبير… في طرف السوق… سكبت من مائه في كوب طيني… ثم شربت.
نظرت الدكتورة نورة… يمنه ويسرة… ثم اتجهت في الاتجاه الذي تنبعث منه رائحة الخبز… لم يطل الوقت… ها هي هناك… وحيدة أمام باب المخبز… دفعت القيمة… وأخذت رغيفا كبيرا… ثم اتجهت وهي تحمله… نحو محطة الحافلات… وهناك… سمعت أحدهم ينادي:
- " قندوز… قندوز… قندوز"
كانت الدكتورة نورة… قد عقدت العزم… على السير في الخط المفترض… للعثور على زوجها وابنها… دلفت عبر باب الحافلة… كان السائق أفغانيا في الثالثة والأربعين… وبدا على وجهه الحزن… جلست نورة… لم تكن الحافلة ممتلئة بالركاب… ربما كان المتواجدون… هم نصف العدد الذي يفترض أن تقله الحافلة.
نظر سائق الحافلة للركاب… وبدأ يكيل السباب للأمريكان… وكيف أنهم قطعوا الأرزاق… ولولا الحرب… لكانت الحافلة الآن… مليئة بالركاب.
أدار السائق المقود… وانطلقت الحافلة… في حال من صمت الجميع.
وبعد استواء المركبة في طريق رحلتها… الذي لا تكاد تستوي على مثله السيارات… بدأ الراكبون في مراجعة همومهم الخاصة… منهم من انفجر بالبكاء فجأة… ومنهم من بدأ يسب ويلعن القتلة… ومنهم من انسجم مع نفسه… وهو يقرأ ما يتسر له من القرآن… أو ربما سمعت طقطقات أحجار سبح مرمرية… بدأ أصحابها في التسبيح.
وعبر النافذة… يستطيع الجالس جوارها… أن يدخل على نفسه كل أنواع الحزن والنكد… بمجرد إطلالة صغيرة… على كل ما كان حيا هناك… ثم اتجه لعالم الّلاحياة.
حاولت الدكتورة نورة… أن تتعرف على إحدى النساء في الحافلة… حيث قامت… وجلست جوارها… وبدأت المرأتان في اشتكاء الهموم.
لم تكن الدكتورة نورة… التي هنا… هي الدكتورة نورة… التي عاشت في أمريكا… طالبة علم مجتهدة… مستنيرة ومنفتحة… إنما هي هنا… مجرد امرأة بسيطة… تبحث عن ابنها وزوجها… اللذين فقدتهما بسبب الحرب… لا شيء غير ذلك.
كانت الدكتورة تتحدث بلهجة تختلط فيها المفردات العربية بالأفغانية… وكانت تعيد المقاطع التي لا تفهمها المرأة… بطريقة أخرى… ولكنهما في النهاية… انسجمتا.
وبعد وقت ليس بالقصير… أخرجت نورة رغيف الخبز الكبير… من كيس بلاستيكي… قد وضعته فيه… ثم قسمته… وأعطت صاحبتها نصفه… في حين أخرجت صاحبتها علبة فيها بعض الزبيب… وأعطت نورة حفنة منه.
بدأت المرأتان في تناول هذه الوجبة… التي ربما كانت اعتيادية لصديقة نورة… لكنها بالنسبة لنورة… تعبّر عن معاني أعمق بكثير.
لقد بدأت نورة تعيد النظر للحياة… بطريقة أخرى… طريقة البسطاء… بكل ما تحويه من قيم سامية.
ومع ذلك الهدوء والرتابة… كان من المفترض للأمور… أن تسير بهدوء… لولا أن صرخ قائد الحافلة وهو يقول:
- " انتبهوا… انتبهوا … هناك غارة أمريكية… بالطائرات إنها متجهة نحونا"
لم يكن لمن داخل الحافلة… أن يستوعب ما يقصده السائق… لقد كان كل مشغول بنفسه.
ومع ارتفاع صوت الطائرات القادمة… بدأت الجلبة داخل الحافلة.
لم يدر السائق ما يفعل… هل يقف… أم يتقدم… لكن الطائرات وصلت قبل أن يتخذ السائق قراره.
وبدأت القذائف تنهال أمام الحافلة… ألقت الدكتورة نورة بخبزها… وبالزبيب الذي في يدها… ونظرت لعيني المرأة التي جوارها… لم تملك أي من المرأتين… بعد ارتفاع صوت الطائرات… بدرجة لا تطاق… وبعد ابتداء سقوط القذائف… إلا أن ألقت نفسها على الأخرى.
مرت لحظات قاسية… بعدها… اختلّت العربة… واهتز كل من بداخلها… وبدأ الصراخ والعويل… ثم تركت نورة حضن جارتها… وبدأت تشعر بآلام شديدة… ثم فقدت الوعي.
 
 

3- على اللوح
أجساد مسجاة… هنا أو هناك… ورجال ونساء… مجتمعون حول المشهد… وأغطية بالية قديمة… توضع على تلك الجثامين… التي فقد أصحابها الحياة… وخشبة طويلة… يحملها رجلان… ويتجهان بها نحو تلك المرأة… المسجاة… ويقول أحدهما:
- " مازالت حية… إنها تنزف"
توضع المرأة على اللوح… ويقول رجل جاوز السبعين… يتحدث من هناك… وبدا أن له مكانة كبيرة… في القرية:
- " هذه المصابة… تذهب حالا… لمنزل عبد الجواد نواز… أخبروهم أن يعتنوا بها"
ثم نظر لمن يحمل الخشبة… وقال:
- " أخبرهم جيدا عن الجرح… يجب أن يتوقف النزف… وحاجيات التطبيب… أخبرهم أن يأخذوها من عطارة ميرا بازان… وأنا سأدفع التكاليف"
وُضعت الدكتورة نورة… على الخشبة… وبدأت تفيق… شيئا فشيئا مع تحريكها… وتطالع ما حولها… بعين واهية… ربما أدركت شيئا مما حصل… ولكنها رأت الحافلة هناك… وهي تحترق… والرجال يصبون عليها دلاء الماء… ورأت الجثث المسجاة… وسمعت بقايا صوت طائرة تحلق في الأعلى… ثم أغمضت عينيها من جديد.
 
 

4- أسرة بسيطة
منزل قديم متهالك… لا يبدو أن أهله يملكون من حطام الدنيا… شيئا يؤهلهم مواصلة طريقهم إلى نهاية الحياة… لكن قضيتهم الشاغلة… هي تلك المرأة… النائمة على سرير قديم… في إحدى الغرفتين في المنزل.
ربة البيت… اسمها حورية… إنها أرملة مسكينة… ومعها في المنزل… أبناؤها الثلاثة… أنور… ذو الستة عشر ربيعا… وضياء… ذو الأربعة عشر ربيعا… ورحمة… ذات الأحد عشر ربيعا.
لقد مات والدهم مجاهداً… أيام الحرب ضد السوفييت… منذ أكثر من عقد من الزمن… وتركهم في هذا المنزل الصغير.
إنهم يجاهدون من أجل البقاء… ويبيعون ويشترون في الخضروات والبقول… وبالكاد… يجدون لقمة يومهم… ومنذ أن حلت عليهم هذه الضيفة المصابة… وهم أشبه بخلية نحل… يسعون جاهدين لراحتها… حتى ولو كلفهم ذلك… تناسي حقوقهم في المطعم أو الراحة.
لقد ضُمد جرح الدكتورة نورة… الذي سببه سقوطها من السيارة… بعد انقلابها… إنه جرح في رأسها… ممتد عبر ظهرها… إلا أنه لم يكن بالجرح العميق… وقد كان للخلطات الطبية الشعبية… أثر كبير في التئام الجرح.
 
 

5- كلهم قضى
مضى على قدوم الدكتورة نورة… على هذا المنزل… قرابة الأسبوع… إنها الآن… تشرب الحليب المحلى بالعسل… وتحتسي شربة الذرة… وتشرب شيئا من المرق… الذي لا يبخل به الجيران… عند طبخهم اللحم… وربما أكلت بيضة أو بيضتين… في الصباح.
أصحاب المنزل… سعداء جداً… لرضا هذه الضيفة… بقيامهم بواجب الضيافة… إنهم مهتمون جدا لحالها… ولكنها فاجأتهم تلك الليلة… بأن سألت:
- " ما أخبار من كانوا معنا… في تلك الحافلة؟"
طأطأت الأم رأسها… في حين نظر الأبناء الثلاثة للدكتورة نورة بقلق… لاعتقادهم أن أحد أقاربها… ربما قضي في الحافلة.
أصاب القلق الدكتورة… وسحبت نفسها لتجلس… وأدارت عينيها في عيون الأم وأبنائها… ثم أعادت السؤال:
- " قولوا لي… ما أخبار من كانوا معي في تلك الحافلة؟ "
قامت الأم… وسارت بهدوء… حتى جلست بجوار الدكتورة نورة… ثم قالت في اهتمام:
- " أكثرهم… ربما… قضي… داخل الحافلة"
شعرت الدكتورة نورة بحسرة شديدة… تحف أوصالها… في حين نكست الأم رأسها… وعم الصمت فترة… ثم قالت نورة:
- " والنساء؟"
وضعت الأم يدها على عاتق نورة… وقالت:
- " عليك أن تتصبري… لم يبق من النساء… إلا أنت "
بدأت صور كثيرة… تدور في ذهن نورة… وتدور… لتلك المرأة… التي كانت تجلس جوارها… وأعادت في شريط ذكرياتها… صور الخبز والزبيب… وضحكة المرأة الوقورة… ومشاهد ومشاهد… قالت حورية:
- " هل أي ممن في الحافلة… قريب لك؟"
قالت نورة في تأثر:
- " بالطبع… كلهم"
عم الصمت من جديد.
 
 

6- أسرة جديدة
تدخل بخطوات بطيئة… وتتجه للموقد الصغير… ثم تفتح القدر… وتشم رائحة المرق.
إنها الدكتورة نورة… لقد مر على حادث إصابتها… شهران كاملان… وها هي… هنا… في المنزل المتواضع… لقد تحسنت صحتها بدرجة كبيرة… وبدت كأي فرد من أفراد المنزل… الجدير بالذكر… أن الحال الاقتصادي للأسرة… تحسن بشكل ملحوظ… حيث تعهدت الدكتورة نورة… بشراء جميع لوازم الطعام… وهي تعطي النقود يوميا… للأم… كي تحضر أصنافا من الخضار… واللحوم… والقمح…. والأرز… وقد أعطتها نقودا أيضا… لشراء فرش جديدة… وموقد يعمل على الكيروسين… وفوانيس للإضاءة.
وفي هذه الليلة… قررت الدكتورة نورة… أن تُعد العشاء.
الدكتورة نورة… لقد وجدت في هذه العائلة… عائلة لها… شعرت أن الأبناء الثلاثة… هم أبناؤها… وأن أمهم… أختا لها… وشعرت بسعادة غامرة… وهي تعيش في هذا المنزل المتواضع… صحيح… إنها غيرت الكثير من تواضع المنزل… بعد دخولها إليه… إلا أنه مازال متواضعا جدا… بالنسبة لما تعرفه نورة… من حياة فارهة… لكنها سعيدة هنا… أكثر من سعادتها في أي وقت مضي… وتزيد سعادتها بشكل خاص… عندما تعطي تلك النقود القليلة… للأم… وتطلب منها… أن تحضر شيئا… مما يحتاجه المنزل.
 
 

الفصل السادس والأربعون
 

1- المعتقل (135)
يبدو عنيداً أكثر من اللازم… لكن عناده ذاك… يضفي على الأجواء داخل السجن… نكهة خاصة… وسرعان ما تتحول النكهة… إلى حسرة وشفقة… إنه المعتقل رقم (135)… لتوه جاء نزيلاً على هذا السجن… وهو في التاسعة والثلاثين من عمره… وكان يعمل صحفياً لدى إحدى القنوات العربية الفضائية… ولكنه عنيد… ويعرف كيف يصنع في رأس سجّانه تنوراً… صحيح… إن التنور سرعان ما يعود إلى رأسه هو… ولكن شخصيته المعاندة… تجعله لا يحسب كثير حساب للنتائج.
آلياته في قلب حال السجن… رأساً على عقب… بسيطة… بسيطة جداً… لكنها فعالة للغاية… فهو بين الفينة والأخرى… يُلقي نشرة إخبارية… أو برنامجاً وثائقياً… وسيلته الوحيدة والمتاحة… هي صوته الرنان… الرخيم… وهو يلقي نشرات الأخبار بلغات متعددة… لأنه يجيد الفرنسية والإنجليزية والألمانية… ويجيد العربية بالطبع… جل الأخبار التي يذيعها من زنزانته… هي أفكاره… أو آماله… أو مقترحات يقترحها… وهو لا يكيل السباب أو الشتائم… ولكنه يكيل شيئاً أقسى… إنه يتحدث في الفلسفة… وفي التاريخ… ويهتم بإذاعة برنامج يومي… عن حقب الاستعمار… والأبعاد التي تسندها… لقد أصبح لجو المعتقل نفساً جيداً… مع مجيء هذا الزائر الجديد.
بيد أن مسئولي المعتقل لم يكونوا ليبقوا مكتوفي الأيدي… أمام من يتناوشهم من بعيد… خاصة وأنه أصبح قادراً على إيصال عدد من الرسائل… إلى بقية المعتقلين… صحيح… أنها رسائل لا يمكن أن تمثل خطراً للسجانين… ولكنها على كل حال… كانت قادرة على وضع أطر جديدة للمعتقل… لا يرغب فيها القائمون على شئون تلك الأقفاص.
لذا… كان المعتقل (135)… يؤخذ عنوة لغرفة التعذيب… وينال فيها قدراً من التنكيل… كافياً لإسكاته وقمعه… وبعدها… يعود إلى المعتقل… وما يلبث أن يعود بفكرة جديدة.
 
 

2- آيات من سورة طه
ينظر بذهول… لبعض النتوءات… في بدلته البرتقالية الخشنة… ثم يعدل جلسته ليضم ركبته إلى صدره… ثم يلقي بصره من بين قضبان حبسه… لينظر لتلك اللحية… التي تتلاعب بها الريح… يمنه ويسره… وبعد وقت قصير… ينطلق صوت من هناك:
- " الله أكبر …."
إنه السجين رقم (135) … وهو يصلي صلاة الضحى… وهو يجهر بتكبيره فيها… نكاية بكل من لا يعجبه سماع هذا الصوت… كامل كان هناك… وهو ممن لا يعجبهم هذا الصوت… حاله حال السجانين من الأمريكان… الذين يعج بهم المعتقل… ولكنه الآن… فكر في الموضوع بطريقة أخرى… فمن الواجب عليه… ألا يكون هو وسجّانه… في مربع واحد… لذا حاول التغيير من مشاعره… تجاه الشعائر الدينة… ومع مرور بعض الوقت… أصبحت كل الشعائر الدينية… التي يقوم بها المعتقلون… محل تقدير كامل… صحيح إنه لا يصلي… ولكنه يأنس لصلوات من بجواره.
انتهى السجين رقم ( 135) من صلاته… ثم جلس متكئاً على عمود حديدي في طرف القفص… وبدأ يتلو بصوت مرتفع… من آيات القرآن:
" (طه ﴿1﴾ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴿2﴾ إلا تذكرة لمن يخشى ﴿3﴾ تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى ﴿4﴾ الرحمن على العرش استوى ﴿5﴾ له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ﴿6﴾ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ﴿7﴾ الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ﴿8﴾ وهل أتاك حديث موسى ﴿9﴾ إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ﴿10﴾ فلما أتاها نودي يا موسى ﴿11﴾ إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ﴿12﴾ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴿13﴾ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ﴿14﴾ إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ﴿15﴾ فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ﴿16﴾ وما تلك بيمينك يا موسى ﴿17﴾ قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ﴿18﴾ قال ألقها يا موسى ﴿19﴾ فألقاها فإذا هي حية تسعى ﴿20﴾ قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ﴿21﴾ واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى ﴿22﴾ لنريك من آياتنا الكبرى ﴿23﴾ اذهب إلى فرعون إنه طغى ﴿24﴾ قال رب اشرح لي صدري ﴿25﴾ ويسر لي أمري ﴿26﴾ )"
استمر السجين (135) في القراءة… مدة ثلاث دقائق… وبعدها…جاء من هناك… أحد الحراس… ووقف أمامه… وقال له:
- " أنت… اصمت… إن كنت تحب الخير لنفسك "
لم يكن من السجين (135)… إلا أن رفع وتيرة صوته… بدرجة أكبر… وذلك ما حدا بالجندي… أن يعيد له الكلام ذاته:
- " اصمت… إن كنت تحب الخير لنفسك "
لكن السجين… استمر… وكأن أحداً لا يكلمه.
بعدها… مد الجندي يده… وأشار لعدد من الجنود… حضروا بسرعة… وفُتح باب القفص… وحملوا السجين خارجاً.
وفي الساحة المفتوحة… تناول السجين وجبة من اللكمات واللطمات… ثم تركوه مكانه… بعد أن قيدوه في دعامة حديدية. 
وبعد نصف ساعة… جاء ثلاثة من الجنود… وحملوا السجين على أذرعهم… وألقوا به في قفصه… وبقي على حاله ملقى دون حراك… لما يقارب الساعة… بعدها… دبت الحياة فيه من جديد.
وفي تلك الأثناء… وخلال ذلك المشهد… كانت العديد من التساؤلات… تثور في ذهن كامل… وهو يتابع المشهد… أسئلة لم يستطع تجاهلها… وهي تدور حول سبب هذا التحدي… الذي يتحدى من خلاله السجين (135)… كل هؤلاء الجلادين:
- " هل هو بالفعل يؤذيهم؟… وهل هو يقتص لنفسه منهم؟… بقراءته تلك الآيات… ولكن… لو لم تكن القراءة تؤذيهم… لما استشاطوا غضباً عندما يسمعونه يتلوها… وهل ما يفعله لهم؟… نوع من التحدي والتحرر… ومعاندة القيود… ربما… ولكن العقاب الذي تلقاه أكبر بكثير"
واستمر كامل في أفكاره.
 
 

3- الطعام
شمس الشروق البيضاء… ترمي نفسها بين أحضان تلك الأقفاص… هذا ما يعلمه عنها المساجين… فلا عالم لديهم سوى أقفاصهم… لكنهم خَلقوا داخل تلك الأقفاص… عالماً خاصاً بهم… لقد أصبحت لهم لغتهم الخاصة… ولهم أعيادهم… ولهم علاقاتهم الحميمة.
كامل جالس في مكانه… إنه يتابع ما حوله… لقد أعجبته فكرة الإضراب عن الطعام… التي يمارسها بعض السجناء… إنهم يواصلون الصيام… الصيام بالنسبة لكامل… هو الإضراب:
- " الإضراب عن الطعام… ولم لا أُضرب… إنها طريقة حضارية… في التمرد… ولكن… المشكلة… هي أن هؤلاء المساجين… من حولي… تجمعهم روابط كثيرة… يستقونها مما يدينون به… أما أنا… فأنا غريب عنهم… بثقافاتي… واتجاهاتي… أوه… أنا المشروع الأمريكي بعينه… لماذا أنا هنا؟… لماذا ؟"
صاح سامي من قفصه هناك:
- " أنا أعلن صيامي لله كل يوم… حتى أخرج من هذا المعتقل الرجعي الظالم"
بدأ الضجيج داخل الأقفاص… ولم يطل الوقت… تقدم الجنود في شبه استنفار… نحو تلك الأقفاص… وفتحوا أبوابها… ودخلوا على المساجين… وأرغموهم بالصمت… تحت وقع اللكمات والركلات… وعاد السجن هادئاً.
 
 

الفصل الرابع والأربعون
 

1- التحقيق
يدخل المحقق على كامل… داخل قفصه… ينظر إليه بعينين ناريتين… ثم يستدعي اثنين من الجنود… ويقول لهما:
- " اتبعاني به "
يتقدم جنديان قويان… يمسكان كامل من عضديه… ويوقفانه… مازالت كتل الحديد في قدميه… يسحبانه بعنف… ويكيلان له في الوقت ذاته… سيلاً من الشتائم… هي في غالبها تتحدث عن شرف أمه… لكن الحديد الثقيل… في قدميه… والذي يجعلهما تؤلمانه ألما شديدا… يفقده القدرة على التفكير في كلامهما.
سار الجنديان بسرعة… وسار كامل معهما.
وفي الخارج… كان الجو مشمساً… وكان رأس كامل محلوقاً… لم يطل طريق السير… لقد دخل الجميع إلى غرفة التحقيق.
خرج الجنديان… وتركا كامل واقفا.
لم يطل الوقت… جاء المحقق من خلف كامل… ثم صرخ بكلمات نابية… بعدها سار حتى أصبح مقابلاً له… نظر فيه بعين حادة… وفي ذات الوقت… نظر كامل نحو المحقق… بعين حادة أيضا… مما جعل المحقق يقول:
- " أنت قذر… لئيم… لماذا كنت تخطط من أجل هدم حضارتنا؟… هل تحمل كل هذه الأحقاد في قلبك؟… الحضارة التي صنعت لك كل شيء… وابتكرت لرفاهيتك ما لم يكن بحسبانك… أيها البدوي السفيه… لماذا تخطط لتدميرها… وبكل هذه الجرأة… قل… لماذا؟"
ودون مقدمات… رد كامل بصرامة:
- " أنا… أنا بريء… أنا هنا بطريق الخطأ "
احمر وجه المحقق… ودفع يده بسرعة خاطفة… ولطم كامل على وجهه لطمة قوية… أتبعها بسباب قاسي.
وبعد لحظات… زفر المحقق بغضب… ثم ترك كامل… واتجه نحو مكتبه.
جلس المحقق على الكرسي بتوتر… بعدها… أشعل سيجارة… وبدأ يدخن بحنق… لم تكتمل السيجارة… وقف… السيجارة في يده… اتجه نحو كامل… وقف قبالته… وقال :
 

-        " من الآن… سيبدأ العمل الجاد… سنسير معك بتدرج منهجي… لنزع اعترافاتك… ولكن… عليك أن تعلم جيدا… أن كل يوم… سيكون أسوأ من سابقه… وإن لم تعترف بكل شيء… مبكراً… فسوف نوقع عليك جميع العقوبات التي تتخيلها… والتي لا تتخيلها… وعليك أن تعلم… أنك لو كنت أحمقا… وقررت ألاّ تعترف… فسنستخدم معك… العقاب العبقري… عقاب آخر ليلة… هل تعرف ما هو عقاب آخر ليلة؟"
تراجع المحقق خطوات للخلف… وهو يتظاهر بشيء من اللامبالاة… ثم قال:
- " في آخر ليلة… سيتم التحقيق معك… بطريقة مبتكرة… الحقيقة… تلك الليلة… ستكون هي أسوا ليلة لك في سجون قونتناموا… وهي الليلة… التي سوف تنال فيها العذاب الرهيب… الذي لا يمكنك تحمله أبداً… وكما قلت لك… عذاب مبتكر… المهم في الموضوع… أن هذا النوع من العذاب… سيستمر بعد تلك الليلة… لكل الليالي اللاحقة… يتكرر… ويتكرر… ويتكرر… كل ليلة… حتى تجد نفسك مضطراً للاعتراف… أنت قوي… ولكنك ستنهار… وستجد أن قوتك… هي ذاتها… سبب انهيارك… هل فهمت؟ هـ… هـ… هـ…"
 
 

2- سوداني
مع غروب الشمس… أذّن السجين رقم (135)… وفي الوقت ذاته… أخرج كل واحد من المساجين… طعاماً كان قد أخفاه… من الوجبات السابقة… إنهم صائمون… جميعهم كانوا صائمين… وفي أثناء الأذان… رفعوا أيديهم… وبدوا مجتهدين في الدعاء… ثم بدءوا باسم الله… في تناول إفطارهم.
شخص واحد… كان جالساً في قفصه… هناك… لم ينظم لهذه الزمرة… ولم يكن له نصيب من تناول لقيمات كتلك… مع الصائمين… لكنه في شبه فيضان… ما بين أمواج تضطرب في عقله… وتموج موج البحار.
انقطع حبل أفكار كامل… فجأة… عندما سمع أحد الجنود… وهو يتحدث مع سجين هناك… قائلاً :
- " ماذا تأكل؟"
نظر السجين السوداني (135)… بعينين غاضبتين… ولم يجب… عندها فتح الجندي القفص… وقال:
- " أنت… لماذا لم تأكل وجبتك… في الوقت المخصص بالطعام… هذا ليس وقت طعام "
أجاب سامي… وقد أعياه الصيام:
- " هذا ليس من شأنك "
تقدم الجندي… ونزع الطعام من يده… ثم ضحك.
هز كامل رأسه… بدا وأن الأمر لا يعنيه كثيرا… ولكن استأنف التفكير.
 
 

3- الكلب
نجوم باهتة… ترقب الموقف… أو بدت كذلك… وخطوات ينقصها الاتزان… تنقل كامل… نحو غرفة التحقيق… في معية اثنين من الحرس الأشداء… لم يطل الوقت… دخل كامل… غرفة التحقيق… غير سعيد بهذا الدخول… وهناك… تقدم المحقق نحوه.
ابتسم المحقق بخبث… ورفع يده… ووضع السيجارة التي مازالت مشتعلة… بين شفتية… ارتشف رشفة طويلة… ثم فكر أن يطفئ السيجارة… في مطفأة السجائر… لكنها كانت بعيدة… لذا… اقترب من كامل… ووضعها على رقبته… حرك كامل رأسه في ألم… في حين اتكأ المحقق بيده على السيجارة… أكثر وأكثر… بعدها… ألقى المحقق السيجارة… وترك كامل… وعاد إلى كرسيه.
اشتغل المحقق… بتقليب أوراق كانت معه… لم يطل الوقت… رفع السماعة… واتصل بالحارس.
جاء الحارس… وبعد أن وقف أمام المحقق… قال:
 

-        " نعم سيدي"
 

-        " أحضر غطاء الوجه… ولفه على رأسه "
اتجه الحارس للرف المجاور… وأخرج غطاء الرأس… فتحه… ثم تقدم نحو كامل… وربطه على رأسه… ثم دفعه للأمام.
اختل توازن كامل… وسقط على ركبته… وانفجر المحقق… بضحكة مدوية… بعدها قال:
 

-        " أحضر الكلاب… هيا… الكلاب… سنستمتع الليلة بالشواء "
بدأ قلب كامل يرتجف… حدث نفسه:
- " لابد وأن المرحلة الحرجة بدأت… ولابد أن الأيام المقبلة… ستكون عصيبة للغاية… ولكن… كيف يمكنني إقناعهم… بأنني بريء… وأنه لا دخل لي بهذا الموضوع؟… كيف!… بل على العكس تماماً… إنها مشكلة… ثم إن طرق إنكاري الانتماء للقاعدة… يجعلهم يزدادون إصراراً على إلحاق التهمة بي… بحجة أني بارع في المخادعة والإنكار"
وفي تلك الأثناء… وعيني كامل يحيطهما السواد والظلام… بدأت أصوات الكلاب الشرسة… تتقافز إلى أذنيه.
 ضربات قلبه تزداد وتزداد… والرعب يملأ قلبه… اقتربت الكلاب أكثر وأكثر… ثم نبحت.
كاد قلب كامل يسقط من مكانه… بدأت ضحكات المحقق تزداد وتزداد… إنها عزف قاسي على قرع قلب كامل… بعدها قال المحقق:
- " هذه الكلاب المتوحشة… يمكنها أن تقطع لحمك إرباً… بمجرد أن تصل إليك… هل تدري؟… أنها لا تبعد عنك الآن… سوى متر واحد… وهذا المتر… سوف ينقضي شيئاً فشيئاً… مع مرور التواني القادمة… لن نسمح لها بأن تأكلك… ولكننا سنسمح لها بأن تنهش قدراً قليلاً من لحم ذراعك… وبالمناسبة… أنت تستطيع إنقاذ نفسك من هذه الآلام… فقط بأن تعترف "
كان كامل في بداية الأمر… قادراً إلى حد ما… على تمالك أعصابه… لكنه الآن… أصبح في وضع المنهار.
بدأ نباح الكلاب يرتفع… ويرتفع… وبدأت خربشات حناجرها… تتحصرم داخل أذني كامل… اقترب الكلب الشرس… من وجه كامل… شيئاً فشيئاً… وعندما أصبح مجاوراً لأذنه… نبح .
الحقيقة… لقد كان الكلب مكمماً… ولا يستطيع فتح فمه… ولكن كامل لم يكن يدري بذلك… لأنه كان معصوب العينين… إنها طريقة جهنمية… لإدخال كل أصناف الرعب… داخل نفس الشخص.
تفكير كامل… انصب حول إمكانية أن ينفلت الكلب من يد الحارس… ويبدأ في انتهاش لحمه… ترى… بأي عضو سيبدأ؟… بالخدين!… بالأنف!… بالذراعين!… بالرقبة!.
بدت حركة كامل عشوائية… وهو يحاول سحب يديه… ليغطي وجهه… استمر المشهد خمس دقائق… قضاها كامل في الصراخ… كان مرعوباً لأقصى حد… بعدها جاء المحقق… ووقف على رأس كامل… وقال يحدث الجندي:
- " هيا اذهبوا بهذا الكلب المسعور… إنه في الحقيقة مرعب… مرعب للغاية… مع أن فكيه… لم يكونا قريبين من وجهي… وإنما هما قريبان من وجه هذا الإرهابي "
أُبعد الكلب… ثم فتح المحقق غطاء عيني كامل… نظر إليه ملياً… وبعدها قال:
 

-        " أعرف… أنت عنيد… لن تعترف… لأنك قائد… والقائد يرى أن عليه ألاّ يعترف… لا مشكلة… ذلك يسلينا… نحن سيئون… نرقص على أحزان الآخرين… ولكن… لا ذنب لنا… هذا عملنا… عملنا أن نتفنن في طرق نزع الاعترافات… لا ذنب لنا… إن كنا نستمتع بعملنا… هـ هـ هـ… من حقنا أن نستمتع بعملنا "
لم يتكلم كامل… وإنما اكتفى بزفرة طويلة… في حين بدا المحقق في السير نحو مقعده هناك… وقال أثناء سيره:
- " نعم… نعم… من حقك أن ترفض الحديث… بالطبع… هذا من حقك… ولكنك حينها… تكسبنا مشروعية الاستمتاع… ربما حظك السيئ… هو الذي أوقعك في أيدينا… وإلا… لكنت الآن بين جنودك… هناك… تدبرون الخطط والمكائد… وترسمون الكمائن… لنا… وربما… كان عدد من جنودنا أسرى لديك… وكنت تحقق معهم الآن… بطريقة أكثر عدوانية… ولكنك وقعت في أيدينا… وعلينا أن نمارس حقنا… هل هذا واضح؟ "
نظر كامل بعينين حمراوين… سابحتين… مازال قلبه يرجف… لم يحرز أن ينبس بكلمة… ولكنه أدرك أن أيامه البيضاء… قد ولت… تماما… وأن أياماً سوداء… في انتظاره… وعليه أن يقضيها… بكل حسرة… مع من أحبهم ودافع عنهم… كثيرا… وأسكنهم… سويداء قلبه… الأمريكان.
 
 

الفصل الخامس والأربعون
 

1- تغير الأحوال
ها هي الأيام… تجري… وتتغير… وتتغير مع جريانها… مجريات حياة أهل المنزل الصغير… مر شهران على انضمام نورة لهذا المنزل… لكنها أصبحت عن جدارة… القوام الرئيس… في هذا المنزل.
والأهم من ذلك… أنها اشترت بقرة جديدة… حلوبا… وعدداً من الأغنام… وتعاقدت مع النجارا… لعمل بيت للدجاج… وطلبت من الابن الأكبر أنور… أن يشتري عددا من الدجاج البياض… وعددا من الدجاج اللاحم… لم تشأ نورة أن يتغير حال هذه الأسرة… لتنتقل لحال الغني الكامل… ولكنها ساهمت… في أن تحيلها… لأسرة قادرة على التعايش… بطريقة أفضل… وقد استأجرت حقلا صغيرا… وطلبت من الجميع العمل… بجد واجتهاد… في فلاحته.
الأهم من ذلك… أن الدكتورة نورة… استأذنت حورية… في بناء غرفة ثالثة… وإلحاقها بالمنزل… كانت سعادة حورية غامرة.
وفي اليوم التالي… استأجرت نورة بعض عمال البناء… وطلبت منهم البدء في بناء غرفة مع دورة مياه.
لم يكن الوقت طويلا… لقد تم إنجاز العمل… في وقت قياسي… وها هي الغرفة… بعد شهر واحد فقط… صالحة للسكن .
لقد أثثتها نورة… بشكل جيد… ووضعت فيها سريرا… ومرآه… وتم تصريف المياه… بطريقة صحية… مع إن الماء… مازال ينقل يدويا.
 
 
 

2- السر الكامن
بدأت الأمور تسير بطريق أفضل… وفي مساء إحدى الليالي المقمرة… وعندما خلدت الدكتورة نورة… إلى فراشها… وكان الصمت يعم المكان… ولم يكن الوقت ساعتها متأخرا… بدرجة كبيرة… سمعت صوت همس… في الغرفة المجاورة.
لا تدري نورة… لماذا دفعها الفضول… إلى معرفة ما يدور بين طيات ذلك الهمس… لذا أرخت سمعها أكثر.
كان الحديث يدور بين أنور… ونور… الأخوان… قال أنور… الابن الأكبر:
- " يا لها من ألغام… رهيبة… إنها قادرة على تفجير عربة أمريكية… وتدميرها بالكامل… وقتل كل من فيها"
رد نور هامساً:
- " وكم من الجنود… يكون داخل العربات الأمريكية"
- " ربما خمسة جنود… أو أربعة"
- " رائع… ولكن قل لي… هل رأيت التدمير بعينك؟"
- " نعم… ولكن… بعد أن قتل العم نزار… الخبير في تصنيعها… لم يعد أحد من الشباب… قادر على صناعتها… يالها من خسارة"
- " هل الكميات الموجودة… لدى المجاهدين… من تلك المتفجرات… كثيرة"
- " مع الأسف… هي قليلة… قليلة جدا… إنها مدفونة في سفح الجبل… لقد تركها المجاهدون هناك"
- " هل تعرف مكانها بالضبط؟"
- " لو ذهبت لسفح الجبل… ربما عرفت مكانها"
- " ولم لا نجرب "
- " بالتأكيد… أنا عازم على ذلك… فقط… أنتظر الوقت المناسب… لقد بقي لغمان جاهزان للتفجير… إنهما يحتاجان… إلى من يدفنهما في طريق أحدي المدرعات… أوه… لقد صنعها نزار… قبل موته… وتركها عند عبد القدوس… ولكن… عبد القدوس… مصاب… وهو يريد شخصا يزرعها… هل ستساعدني؟"
- " لا… لا… لدي فكرة أفضل"
- " فكرة أفضل… ما هي ؟ "
- " فكرة… يمكن من خلالها استهداف أكبر عدد من المحتلين"
- " ما هي؟… قل لي"
- " مطعم جبل الشمع… هناك أكبر تجمع من الجنود… وانفجار واحد… يوقع أكبر عدد من القتلى"
- " مطعم جبل الشمع!… وهل يوجد مدنيون في المطعم؟"
- " الحقيقة… يوجد مدنيون… تستطيع القول… إن نصفهم مدنيين… وربعهم جنود أفغان… من المتحالفين مع المحتل… والربع أمريكان"
- " أوه… لا… لا… ستكون مغامرة كبيرة"
- " ولم مغامرة؟… ما دمنا نريد الشهادة"
- " وهل نكون سويا؟ "
- " لو حصلنا على اللغم… لكان من السهل وضعها في ثيابنا… والدخول للمطعم… هل لديك استعداد للشهادة؟"
- " لا أدري"
- " أنت لا تفكر في الجنة… الشهيد لا يشعر بالموت… حين يموت… إن الله يخفف عليه سكرات الموت… هل تدري… إن الشهيد… يري مكانه في الجنة… مع أول قطرة من دمه"
- " ويدخل الجنة مباشرة؟"
- " بالتأكيد… مباشرة…. وما الذي نجده في الحياة؟… هنا… سوي النصَب… والتعب… إنها فرصتنا… وما دمنا قادرين على التضحية… بأنفسنا… في سبيل الله… فإن التأخر عن ذلك… يعتبر خدشا في إيماننا"
- " فكرة رائعة… ولكن قل لي… متى يمكننا فعل ذلك؟"
- " سهل جدا… المهم موافقتك… بعدها… علينا أن نذهب لعبد القدوس… ونحضر اللغمين… وعلينا أن نجعل الأمر سريا للغاية… وفي الليلة التي قبل العملية… سنقوم الليل… وندعو الله… أن يتقبلنا شهداء… وفي اليوم التالي… نلبس الألغام… تحت ثيابنا… وننطلق… وهناك نفجرها"
- " ما رأيك… سأذهب أنا وحدي… إلى عبد القدوس… غداً… يا سلام… وربما بعد غد… نكون ضيوفا لله… في الجنة"
- " ولكن… لا تنسى… السرية الكاملة"
- " لا عليك"
 
 

3- المبادئ
تتزايد ضربات قلب الدكتورة نورة… وهي تسحب غطاء سريرها… لتُغطي وجهها… وتتأمل بقلق… محتويات السر… الذي دار بين الولدين… حول عملية التفجير… التي أزمعا القيام بها.
بدأت أفكار نورة… تتداخل… وتُدخلها في دوامة كبيرة… وبدأت ثقافتها ومعلوماتها وخبراتها… تدخل هي الأخرى… في اختيار حقيقي.
لم يكن بوسع الدكتورة نورة… أن تسمع هذا الكلام… وتصمت عليه… لأنه باختصار… يناقض كل مبادئها… حول السلام… والحوار… ونبذ العنف.
صحيح… إنها رأت الكثير من التعدي والطغيان… الذي يمارسه الاحتلال… ولكن… هذا لا يبرر مطلقا… أن يتحول الأفغاني… إلى قط برِّي… يخمش صديقه… ويخمش عدوه… إنها المبادئ … التي لا تنازل عنها… أبدا.
وبعد تفكير طويل… أغمضت الدكتورة نورة عينيها… ونامت.
 
 

4- تنتحران؟
الضياء يعم كل مكان… والدنيا تسير حثيثا… في جو من النشاط.
ها هي الأسرة الخماسية… تستدير حول المائدة… وها هي الدكتورة نورة… تُقشّر بهدوء… احدي البيضات المسلوقة… قالت بعد أن فرغت من تقشير البيضة:
- " نحن جميعا نكرة هذا الاحتلال… ولكن… كُرهنا له… لا يخولنا عمل أشياء غير محسوبة… أليس كذلك يا أم أنور.
نظرت حورية لطفليها… وابتسمت… وقالت:
 - " يا أختي… منذ خُلقنا… ونحن نتفيأ ظلال الحرب… الدنيا لا تساوي التراب… الذي سيوضع تحت رؤوسنا… عندما نوسد وسادة منه… إنها قصة مأساتنا الطويلة… كل أفغانية… من تلكم النسوة الأفغانيات… فجعت ذات يوم… وربما فجعت لأيام متكررة… مرة بزوجها… ومرة بابنها… ومرة بأخوتها… ومرة بهم جميعا"
حاولت نورة تركيز الموضوع… لذا قالت:
- "أنا فقدت زوجي… وابني… وكدت أفقد نفسي… ومع ذلك… أنا لا أفكر في الانتقام… أقصد… لا أفكر في الانتقام الأعمى"
- " صدقت يا أختي… أنا أقل علما منك… كل ما تقولينه هو الصواب… وما أدراني أنا… وأنا أمية… جاهلة" 
أنهي الجميع فطورهم… وقامت الأم نحو المزرعة… وعندما أراد الطفلان النهوض… قالت الدكتورة نورة:
- " اجلسا… أريدكما في أمر"
الطفلان اليافعان… يكنان لنورة… كل تقدير واحترام… ويُجلانها… أشد الإجلال… ويريان فيها… شخصية واعية عاقلة عارفة… ابتسم الطفلان… وقال الأكبر:
 

-        " حاضر"
قالت نورة في شبه همس:
- " كان صوتكما البارحة… مرتفعا… بعض الشيء… لم يكن بودي أن أسمع… حوار شخصين… دون علمهما… ولكني سمعته"
نظر كل منهما للآخر… في شيء من الارتباك… في حين قالت نورة:
- " ربما من المهم… أن نبني غرفة أخرى… لكما… ألا يسعدكما ذلك"
ابتسما في فرحة… وقالا:
- " نكون شاكرين… جدا"
- " ولكن… الأمر المهم… هو ما سأتحدث معكم فيه… الآن… هل من الممكن… أن تفهما رأيي؟"
نظر كل من الطفلين لبعضهما… ثم قالا سويا:
- " بالطبع"
- " الأمر سهل للغاية… أنتما تفكران في عمل انتقامي… أقدر لكما ما رأيتماه… من تعدٍ على البلد… من قبل ذلك المحتل"
- " إنه ظالم جبار"
- " أعلم ذلك "
- " ألا يلزمنا الدفاع عن أنفسنا؟"
- " أنا أحبكما… مثل نفسي… لذا… سألخص لكما الموضوع… لا يمكنك أن تقتل أحداً… دون أن يكون مستحقا للقتل… ثم… ليس أنت من ينفذ عملية القتل فيه… يجب أن يكون حكم القتل… وفقا للقانون"
- " ولكن… ليس هناك قانون… إنها غابة وحوش"
فكرت الدكتورة قليلا… ثم قالت:
- " لا يمكن لأحد أن يزهق نفسا"
- " حتى لو كانت تلك النفس… نفس شخص معتد"
- " إنهم… يريدون مطاردة من قام بالاعتداء عليهم"
- " ولكن… لسنا نحن من اعتدي عليهم"
- " أدري… أدري… ولكن… يمكنك أن تقتل من أراد قتلك… قتلك أنت بالتحديد… كثير من الجنود الأمريكان… جاءوا لتحرير هذا البلد… وتطويره… ولتقديم المساعدة له"
نظر الطفلان باستغراب… وابتسما… في حين شعرت نورة… أن عليها ألا تقول مثل هذا الكلام… فكرت قليلا… ثم أكملت:
- " أقصد… إنه لا يجوز قتل الناس… هكذا… دون مبرر… أنت لم تتأكد… وبدرجة مئة في المئة… أنه لن يكون هناك مدنيون "
أحست نورة… أن نظرات الطفلين… المندهشة… تطاردها… وأحست أنها لم تتمكن من إقناعهما بشيء… بل شعرت أنها غير قادرة على مواصلة ما بدأته… بدت أفكارها حول هذا الموضوع مبعثرة… وضعت يدها على فمها لتفكر… ثم قالت:
- " على كل حال… أرجوكما… أرجوكما… انسيا الموضوع… ولا تفكرا فيه مجددا… أنا لا أريد أن أفقدكما… ووالدتكما كذلك… الانتحار لا يجوز… أنتما تنتحران"
صمتت الدكتورة نورة… ثم انفجرت ببكاء شديد… ضمنته كل أحزانها… على فقدان ولدها وزوجها… ولم ينقطع البكاء… إلا عندما سمعت صوت وقع قدم الأم… وهي قادمة من الخارج.
نظرت الدكتورة نورة لهما على عجل… ثم قالت:
- " هل أنتما على استعداد… أن تعداني… بعدم فعل شيء من ذلك؟"
نظر كل من الطفلين لبعضهما… ثم هزا رأسيهما بالموافقة… ودخلت الأم… وهي تقول لطفليها:
- " هيا إلى المزرعة… المواشي جائعة"
ثم نظرت للدكتورة نورة وهي تقول معتذرة:
- " هل تتحدثون في شيء ما؟… هل قطعت حديثكم؟"
- " كلا… كنا نتحدث عن الماشية"
 
 

الفصل السادس والأربعون
 

1- جلسة تحقيق
مرت ساعات اليوم ثقيلة طويلة… كحالها دائما… ومع غروب الشمس… كان لكامل موعد جديد… مع جلسة تحقيق جديدة… لقد دخل عليه الجندي… وقال:
- " قم… هيا "
قام كامل في كل استسلام… وسار… تصحبه السلاسل… وخرج من قفصه… وأمسك به اثنان من الجنود… وبدأ السير معهما.
وعندما مر بزنزانة سامي… قال له سامي:
 

-        " أسال الله لك الثبات… في ليلة العذاب الرهيب"
انقدحت في ذهن كامل هذه الكلمة… نظر لسامي باهتمام… كان يريد أن يسأله:
 

-        " ما هي يا ترى… ليلة العذاب الرهيب؟"
ولكن الجنود… لم يسمحوا له بالكلام… سار كامل معهم… وهو يحدث نفسه:
- " لقد سمعت من المحقق… حديثا عن نوع من العذاب… لا يمكن احتماله… وأن كل المعتقلين… عند تعرضهم لهذا العذاب… إما أن يعترفوا… أو يصابوا بعقد نفسية… تستمر معهم للأبد… بالتأكيد… لقد تعرض سامي… وبقية المساجين… لهذه الليلة… لذا صاروا موتورين للغاية… إنهم يُضرِبون عن الطعام… ويتمردون فجأة… لينالوا بعد تمردهم… كماً هائلاً من الضرب… ما هي هذه الليلة… ذات العذاب الرهيب؟… ثم… هل تراها تكون هذه الليلة؟… هل موعدي مع العناء الضخم… سيكون بعد دقائق؟"
لم يسمح المجند لكامل مواصلة التفكير… لقد دفعه للأمام.
استمرت خطوات كامل… حتى وصل غرفة التحقيق… كانت الغرفة مضاءة… لم يكن المحقق موجوداً.
دخل كامل… وأمسك الجندي بقيوده… ثم فكها… أصبح كامل طليقاً داخل الغرفة… هذا أمر غير معهود… خرج الجندي… وأقفل الباب.
 
 

2- نوع جديد من التحقيق
سار بخطوات بطيئة… ثم وقف… وبدأ ينظر للمكان حوله… غريب… هذه ليست غرفة المحقق… إنها مكان أنيق لحد ما… يوجد كرسيان جلديان… وسجادة على الأرض… بدأ كامل يتساءل :
 

-        " ما سر هذا المكان… وما هي الطريقة المبتكرة… وهذه الحيلة… التي سيحققون بها معي"
عم الصمت… أفكار كامل تروح وتجيء… مرة هنا… ومرة هناك… الهدوء يحيط بالمكان… لحظات… وبدأ صوت موسيقى هادئة… على الأرجح هي شرقية… تسري في المكان… شعر كامل بشيء من استرخاء… إنه يقدس الموسيقى… أياً كانت… شرقية أو غربية… أغمض كامل عينيه في إعياء… وجلس… على أحد المقعدين.
لم يطل الوقت… سمع كامل صوت طرق على الباب… أدار وجهه ناحية الباب… كان يتوقع أن يرى صورة المحقق البغيضة… التي تثير اشمئزازه وتقززه… وتوحي له بالشؤم والكدر… أو صورة أي الجنود… لكن الأمر كان مختلفاً تماما… لم يكن الداخل هو المحقق… أو أحد جنوده… إنه مخلوق آخر.
 لم يطل الوقت… إنها واقفة عند رأسه… فتاة في الثانية والعشرين… باهرة الجمال… مسحت رأسه بهدوء ولطف… ابتسمت له… كاد يفقد عقله: 
- " ما كل هذا؟… هل هذا حلم؟ "
بدأت تتحدث معه… لم يتمالك نفسه… اعتدل في جلسته… سألها :
- " ماذا تريدين؟ "
- " أنا… أنا هنا كي أدخلك في جو من السعادة… الهدوء… كي أنفس عنك همومك"
تركته الفتاة… سارت قليلا… ثم بدأت بالرقص… مع أنغام الموسيقى.
كانت تبتسم… وتشير له بعينها… استمر الحال لدقائق… أخرجت الفتاة قنينة صغيرة… من حقيبة يدها… شربت قليلا… وأكملت الرقص… أنها تمرُّ بيدها… على أماكن حساسة في بدنها.
كامل مبحلق بعينيه… أسئلة كثيرة تدور في ذهنه… وهو صامت… اقتربت منه… ناولته القنينة… لم يتناولها… وضعتها قريبا من فمه… وابتسمت.
سعار من الأفكار والهواجس… يثور في أعماق كامل:
 

-        " هل أشرب قليلا… إنه خمر… لا شك… لقد شربت هي منه… هذا يدل على انه ليس سماً… وما المانع… أخرج قليلاً من هذه الحياة"
تناول كامل القنينة… وضعها على شفتيه… ولكنه فكر قليلا… وأعاد القنينة لها… وبدأ ينظر في أرجاء الغرفة… ويحدث نفسه:
 

-        " لاشك… أن هناك كاميرات تراقب… هذا شيء مؤكد"
بدأ كامل… يحسب حساب كل خطوة… ما النتائج المتوقعة لها… إنه يدرك جيداً… أن المحققين… لا يملكون ضده أي دليل… وهم الآن… يبحثون عن دليل… بل هم يريدون الوصول لشيء ما.
دقق كامل النظر في الغانية… وهو لا يكاد يفهم ما يراه… لم يطل الوقت… ابتسمت له… القنينة في يدها… رفعت القنينة… فتحتها… قالت:
 

-        " أرجوك… تفضل… اشرب"
حك كامل رأسه… ثم لحيته… وعاد يفكر:
- " إنه خمر… وهذه خطة منهم… خطة… نعم… نعم… إنهم يريدون معرفة ما أدين به… ويريدون التعرف على حقيقة انتمائي للجماعات الإسلامية… هم يعرفون أن كل المنتمين لجماعات الإسلامية… يمتنعون عن شرب الخمر… نعم… نعم… إنها فرصتي… سوف يتبين لهم أني لا أنتمي في الأصل… للمبادئ الدينية الإسلامية… لأن من لوازم الانتماء لها… ألاّ أشرب الخمر"
 قرر كامل… أن يشرب القليل… مد يده… ولكنّ فكرةً أخرى طرأت عليه:
- " لا… لا… قد يكون شربي للخمر… يسير في سياق آخر… وقد يوصل لنتائج عكسية… عكسية تماماً… إنهم يتحدثون دائماً عن مدى خطورتي… وقدرتي على التخفي… والظهور بمظهر مختلف عن الحقيقة… يا للعجب… إنهم يرون فيّ قائداً خطيراً… وذكياً… من قادة القاعدة… ويرون في أعمالي التي تدل على عدم تديني… ذكاء ودهاء… وتحايلاً عليهم… وربما فسروا شربي للخمر… من هذا القبيل"
 أصبح كامل بين فكي كماشة… كل خطوة يعملها… تحسب ضده… ماذا عليه أن يفعل؟.
بدأت الفتاة في التمايل أمامه… ازداد تمايلها… وازداد إلحاحها عليه… ليقبل شرب الخمر.
مد كامل يده… أمسك القنينة… لكن عقله كان متردداً… في رفعها نحو فمه… وفي ذات الوقت… عرفت الفتاة… ما يدور في ذهنه… من تردد… لذا… مدت يدها… تناولت القنينة… من يده… ثم رفعتها لفمها… وشربت قليلا.
ارتفع صوت الموسيقى… بشكل أكبر… مع تلك الجرعة.
أغمض كامل عينيه… وزفر زفرة طويلة… وهو لا يدري ما يفعل… لكنها مازالت تتناهبه تلك الأفكار.
الحقيقة… أن كامل… يرغب بالفعل… في شيء من الخمرة… كان يشعر إنها ربما… ربما تهدئ شيئا مما ناله من نصب جسمي ونفسي… خلال المدة الماضية… ولكنّ خشيته من أن ينقلب السحر على الساحر… جعله يتردد.
ومع مرور الوقت… لم تقف المشكلة عند هذا الحد… لقد اتخذت منحىً آخر… لقد سارت الفتاة للخلف قليلا… وبدأت في التعري… شيئاً فشيئا… كامل ينظر في دهشة… لقد خلعت جل ملابسها… لم يبق إلا ما يستر سوءتها… اقتربت من كامل… أكثر وأكثر… وضعت يدها على أماكن حساسة في جسمه… شبه كهرباء بدت تسري في بدنه… قبّلته.
دخل كامل في جو آخر… أحس بشيء من النشوة… ولكنه سرعان ما تذكر الكاميرات… وتذكر أنه هنا… هنا… في قونتاموا… وأنه مستهدف… وأن تهمته التي هو متهم بها… رهيبة… المسألة جد… وليست مسألة راقصة بين يديه.
شعر كامل أن نفسه تعاف ما يحدث أمامه… ولم لا تعافه… وهو يعلم… أن رقبته داخل حبل المشنقة… هز كامل رأسه بتأمل:
 

-        " أي الخيارات سيكون مفيداً في براءتي… هل أنساق خلفها؟… أم أتجاهلها؟"
بدأت جرأة الفتاة… تزداد وتزداد… ألقت نفسها علي كامل في دلال… بدأت تضمه.
نفس كامل منكمشة تجاهها… استمر المشهد… عشر دقائق… إنه عراك هادئ غريب… لم تكن أفكار كامل تدور حوله… إنها تدور حول النهاية التي سيقع فيها.
بعد كل ذلك… لم تحظ الفتاة منه بشيء… سحب كامل نفسه… بهدوء… انزوى هناك… ثم جلس منطوياً… ضم ساقيه إلى فخذيه… وفخذاه إلى صدره… وعيناه للأرض.
استمر المشهد… واستمرت محاولات الفتاة… واستمرت… ولكنها في النهاية… باءت بالفشل… مرت خمس دقائق أخرى… وأُقفلت الموسيقى… ولبست الفتاة ملابسها… ثم انصرفت.
لم يطل الوقت… دخل الجندي… أعاد السلاسل ليدي كامل وقدميه… واقتاده إلى زنزانته.
 
 

الفصل السابع والأربعون
 

1- جريمة رهيبة
مرت الأيام سريعة… إنها ليلة هادئة… كأي ليلة تقضيها أسرة ريفية… لقد اعتادت نورة الحياة هنا… داخل منزلها البسيط… وجوار مواشيها.
كانت الدكتورة نورة… في غرفتها الخاصة… المبنية من الطين… والمسقوفة بالخشب.
تبدو تلك الغرفة… لحد ما… تليق بدكتورة موجودة في ريف أفغانستان… كانت النافذة الوحيدة… مفتوحة… كي يدخل القليل من الهواء اللطيف… وربما القليل من البعوض… لكن الناموسية المخيمة على السرير… تمنع أيما بعوضة… من الوصول للدم… نورة تضع يدها تحت خدها في استرخاء.
لم يكن لنورة… أن تهتم كثيرا للأمر… ولم يطل الوقت عليها… حتى دخلت في نوم عميق… إلا أنها فزعت من نومها المستغرق فجأة… عندما سمعت ركلا قويا… بدا لها وأن الركل على باب المنزل.
قامت الدكتورة نورة مرعوبة… حاولت أن تضيء السراج… وفي تلك الأثناء… سمعت حوارا في الحجرة المجاورة… بين الأم وأبنائها… لم يستمر الحوار… لقد تحول لصراخ… ثم عويل.
خرجت الدكتورة نورة… من حجرتها… كانت مرتبكة لحد ما… كانت تريد تقصّي الأمر… وربما تقديم المساعدة.. إن لزم الأمر… ولكنها وقفت فجأة… حين رأت في ساحة الدار… ما لم تكن تحسب أن تراه.
عدد من الجنود الأمريكان… متترّسون برشاشاتهم.
ابتلعت نورة ريقها في ذعر… لم تحرز أن تتكلم… في حين ألقى أحد الجنود بصره… يمنه ويسرة… ونظر للملازم… الذي قال بدوره… وهو ينظر نحو أنور:
 

-        " اخرجوا جميع الأسلحة… التي لديكم… وجميع المتفجرات"
أدارت الأم حجابها… وتقدمت نحو الجندي… وقالت:
 

-        " أقسم يا سيدي… أقسم… أنه ليس في المنزل شيء مما قيل"
نظرت نورة من هناك… رأت الأطفال الثلاثة… إنهم محتجزون في إحدى الزوايا…. وقد طُلب منهم… رفع أيديهم.
وفي تلك الأثناء… تقدم الملازم… بكل عنجهية… وقال مخاطبا بعض الجنود:
- " فتشو كل شبر في المنزل… استخباراتنا لا تكذب "
انطلق خمسة جنود… وبقي ثلاثة… للحراسة… وبدأ الجنود الخمسة… يقلبون كل شيء في المنزل… بما في ذلك… حجرة الدكتورة نورة… التي قُلبت… رأسا على عقب… وبعد عشر دقائق… عاد الجنود… وهم يقولون:
- " لم نعثر على شيء"
تقدم الملازم نحو الطفلين… أمسك بيدي الطفل الأكبر… بعنف… وقال:
- " أنت… وأخوك… تنتمون للتنظيم الإرهابي… صح؟… وتُخططون… وتحتفظون بالأسلحة… في المنزل… أليس كذلك؟"
لم يكن الطفلان… قادرين على الحديث… لقد كانا خائفين… بقدر ما هما حانقين… قال الضابط… وهو يشد يد الطفل الأكبر… بكل قسوة:
- " اعترف… اعترف"
لم يسمع من الطفل… أي جواب… ولم يكن الضابط… لم يقبل التحدي… لذا… نظر للطفل… شزراً… وأشار للجندي… إشارة ذات معنى.
تقدم الجندي… نحو الفتاة الصغيرة… ذات الاثني عشر عاما… أمسكها بيدها وهو يقول مخاطبا الطفلين:
- " اعترفا… هيا"
لم يجيبا… وإنما… طأطآ رأسيهما… لذا أكرر عليهما:
- " اعترفا"
لم يجيباه… لقد كانت العيون تتقلب في بعضها… ولم تكن الأم… ولا الدكتورة نورة… يدريان… ما يمكن أن تتمخض عنه اللحظات القادمة… لكن الجندي… فاجأ الجميع… بعمل رهيب.
لقد أمسك بجيب ثوب الطفلة… من جهة الصدر… ومزقه.
توقفت القلوب… وبدا صدر الطفلة عاريا… وصرخت… وصرخت الأم… ولم يصرخ الطفلان… ولكنهما انقضا كأسدين ضاربين… نحو من أمسك بأختهما… كانا يريدان الدفاع… الدفاع بكل ما يملكانه من قوة… وأي قوة يملكها الطفلان.. في مقابل المجندين المدججين.
وفي تلك الأثناء… هب أربعة من الجنود… نحو الطفلين… أمسكوهما بعنف… ثم قيدوهما… ثم وقف ثلاثة من الجنود… على رأسي الطفلين… حاملين البنادق… والملازم أمامهما يصرخ:
- " اعترفا… أين الأسلحة… أين الأسلحة… أين أماكن الأسلحة"
نظر الطفلان لبعضهما… بدآ في إلقاء بعض ألفاظ السباب.
لم يطل المشهد… على هذه الحال… لقد أمسك الجندي… يد الطفلة… ثم ضمها لصدره بقوة… وارتفع صراخها… وصراخ أمها.
الدكتورة نورة هناك… في مكانها… واقفة… لم تحدث أمرا… ولكن… بدا أنها تعظ شفتها من الغيظ.
وفي أثناء ذلك… ألقى الجندي بالفتاة أرضا… وخلع بقية ثيابها حتى أصبحت عارية… تماما… واستمر الضابط… في طلب الاعتراف من الطفلين… وقام بعض الجنود الواقفين… بركلهما بأعقاب البنادق… وبالأحذية… ولم يتوقف الطفلان عن سلاحهما الوحيد… السب والشتائم.
لم تطل تلك اللحظات القاسية… وإنما تقدمت نحو لحظات هي أقسى منها… لقد سُمعت صرخة مدوية… انفجرت من فم الطفلة… واتجهت الأبصار نحو الطفلة… هناك… يالها من صورة… لقد كان (العلج)… يغتصب الفتاة.
لم يطل الوقت… على صراخها… تحته… لأنها صمتت.
ولم يكن صمتها لشيء… إلا لأنها… فقدت الوعي.
الغريب… في تلك الأثناء… أن الدكتورة نورة… لم تكن واقفة مكانها… لقد اختفت لحظات… وبعدها… عادت… ولكنها الآن… تحمل حديدة طويلة… ربما كانت لتعليق الملابس… أو لشيء آخر.
تقدمت الدكتورة نورة… من أولئك المجندين… إنها منفعلة أشد الانفعال… وتسب وتشتم… بدأت في الضرب بالحديدة… يمنة ويسرة… تفاجأ الجنود… من جرأتها… بدا الارتباك جليا عليهم… ثم أطلق أحدهم النار عليها… لم تسقط نورة… لقد انفجر في داخلها وحش ضاري… لا يمكن له أن ينفجر داخل امرأة… إلا إذا كان لها رصيد رهيب من ضغط متراكم.
وفي تلك الأثناء… هجم أحد الجنود… على الدكتورة نورة… وتصارع معها دقائق… ثم ألقاها أرضا… وجاء جندي أخر… ليساعده… ثم اجتمع عليها عدد آخر… من الجنود.
مرت لحظات غاضبة… وبعدها… سمع صوت تمزيق ثيابها… ثم سمع صوتها وهي تصرخ… وتصرخ… ثم توقف الصراخ… وجاء كلام أحد الجنود:
- " هيا… هيا… لقد جاء العقيد براون… من هناك"
ارتبك الملازم قليلا… وأشار للجنود بالانصراف… سارعوا في تهدءة الأوضاع… وتركوا موقع جريمتهم… وخرجوا وهم يقولون:
 

-        " لم نجد شيئا… لم نجد شيئا"
 
 

2- الوفاة
ثقيلة هي اللحظات… التي يتجرع فيها الإنسان… كؤوس ضعفه وذله… وأثقل منها… أن يري من ظلمه… وهو يتجرع… كؤوس الأنفة والكبرياء.
إنهم واقفون جميعا… بجوار سرير رحمة… الطفلة الصغيرة… ذات الاثني عشر عاما… وهي تتألم… من الكمد… والحسرة.
لكن نزيفها… لم ينقطع… وحالتها تتدهور… كل ساعة… ولم يكن لقابلة القرية… التي جاءت لتطبيبها… أي قدرة… على ترميم ما أفسدته ضراوة الجنود… وهم يغتصبونها.
طفلة مسكينة… طال الوقت على عينيها الساهيتين… فهي ساعة تدخل في غيبة… وساعة تفيق… ثم تنفجر بالبكاء… حتى الطعام والشراب… أبت أن تتناولهما… قالت الدكتورة نورة… للجالسين بجوارها:
- " اذهبوا للنوم… أنا سأبقى بجوارها الليلة"
ردت الأم:
- " أنت مصابة أيضا… وتحتاجين للراحة… أكثر من أي شخص آخر… أنا… أنا سأبقي عند ابنتي… اذهبوا للنوم جميعا"
نظرت الدكتورة نورة للجرح المضمد في يدها… لم يكن بالجرح العميق… تذكرت الجرح الغائر… في أعماقها… والذي سببه تجاسر الجنود… لهتك عرضها… والذي بدا أنه لن يندمل أبدا… ثم قالت:
- " كان الله في عون الجميع"
ذهبت نورة والطفلان… كل إلى فراشه… وكان الإجهاد الذي عرض لهم… خلال الأيام الثلاثة الماضية… كفيل بأن يسمح للنوم… أن يسطو بكل سرعة… على جفونهم.
مرت ساعات الليل صامته… وفي آخر ساعة منه… انفجع النائمون… على صراخ الأم… وهي تولْول وتصيح… وعندما اجتمعوا… لم يكن ليخفى عليهم… أن حال الطفلة… ليس على ما يرام… لكن نورة أقبلت تقول:
- " لا بأس… لا بأس"
وضعت نورة يدها على رقبة الطفلة… وتحسست نبضها… ثم صرخت بذعر شديد… ثم انكبت عليها لتضمها… إلا أن والدة الفتاة… أدركت الوضع… بشكل أوضح… لذا تقدمت نحو ابنتها… ثم انفجرت ببكائها… وألقت هي الأخرى… نفسها… على الطفلة… ولم يُحدث الطفلان… أي عمل… سوى أن نظرا لبعضهما… ثم طأطآ رأسيهما… إلى الأرض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق