الجزء السادس
الفصل السابع عشر
1- في سوق أفغاني
الوجوه الطويلة… ذات اللحى الكثة… تهتز وتهتز… من تحت تلك العمائم… وشوارع كابول… بدائية الترتيب… عفوية المفردات… لا شيء هنا… يدعو للبهجة.
الباعة على قارعة الطريق… يعرضون بضاعتهم… بعد أن يضعوها على طاولات خشبية متراصة… عن يمين الشارع وشماله… ليس الشارع مزدحماً… بالدرجة الكافية… لمنع سائقي العربات… أو ممتطى الحُمر… من السير بارتياح كبير… والقليل من أصحاب الدراجات الهوائية… والأقل من أصحاب الدراجات النارية… وسيارة لاندكروزر… قديمة بعض الشيء… تدخل للشارع بهدوء وكبرياء… وتهتز الزينات المعلقة فيها… من الأمام والخلف… وتبدو الرسومات في أبوابها… وقد أخذت ألواناً متعددة.
ينظر كامل من نافذة اللاندكروزر… ثم يمد يده… ويفتح زجاجها… ويقول بهمس… بعد أن صرف وجهه ناحية نوره:
- " أوه… من يصدق… أنا هنا… هـ…هـ…هـ… الدكتور كامل… بلحمه وشحمه… هنا… وفي أفغانستان "
قالت نوره وهي تبتسم شاكره:
-" أنت تضحى بالكثير من أجلي… أشكرك يا حبيبي "
قال جمال بصوت مرتفع:
-" أبي… أبي أريد آيس كريم "
انفجر كامل بضحكة كبيرة… وقال:
-" آيس كريم… ومن أين لنا آيس كريم … نحن هنا في (آفغ… كريم)… لا يوجد هنا سوى الـ (قنابل… كريم) … و(الصواريخ… كريم) "
أمالت نوره رأسها نحو زوجها كامل… وهمست في أذنه:
-" والمخدرات… هـ…هـ…هـ… "
-" نعم… والـ( مخدرات… كريم)… واللحى الطويلة… والعمائم… والجهل… والانطلاق عبر بوابة الزمن… نحو بداية التاريخ… هـ…هـ…هـ… "
قال جمال:
- " أبي… أنظر… أريد جوز هند "
هز كامل رأسه… وقال:
- " هذا ممكن"
التفت كامل نحو السائق وقال:
-" توقف… توقف هنا "
توقفت السيارة… نزل كامل لشراء جوز الهند… في حين قالت نوره لجمال:
-" هل أعجبتك كابول؟ "
-" أمي… شيء مؤسف… أن يقضي الإنسان وقت أجازته… هنا… لا أدري… كيف يعيش الناس هنا"
-" إنهم فقراء"
- " صحيح يا أمي"
- " ولكن الفقر ليس هو المشكلة الأساسية في حياة البشر "
لم تكمل نوره حديثها… لأن كامل في تلك الأثناء… فتح باب السيارة ودخل… وجاء من خلفه بائع جوز الهند… كان البائع يحمل أربع جوزات… فتحها من أعلاها… ومدها نحوهم.
تناول كامل الجوزات… الواحدة تلو الأخرى… وبدأ يوزع عليهم… ومن ضمنهم السائق… وأبقى لنفسه الرابعة.
نظر كامل لنورة… نظرة سريعة… وبدا من تقاسيم وجهه… أنه فهم فحوى الحديث الدائر بين نوره وجمال… لأنه سمع آخر كلمتين… من حديث نوره… لذا تدخل مشاركاً… وقال:
-" فقراء… ومساكين… وأيضا… هم متحجرون… وملتحون…هـ… هـ… هـ "
قالت نوره مداعبة:
- " يبدو أن لديك عقدة مستديمة مع طول اللحية "
-" لا يا عزيزتي… لا تظلميني… ولكني دائم المقارنة… بين الحياة العصرية… المليئة بالإثارة والإبداع… وحياةٍ راكدةٍ… لا تتجاوز دوران الإنسان حول نفسه وشكله "
-" أنا مع كل ذلك… أميل لهؤلاء البسطاء… إنهم في حاجه لمن يقف معهم… يساعدهم في تخطي العقبات الشاهقة أمامهم "
نظر كامل لجمال بمكر وقال:
- " ما رأيك أنت يا ولد"
قال جمال:
-" أمريكا أفضل من أفغانستان… هناك الألعاب… والملاهي… والحياة المتحركة… وأشجار الصنوبر العملاقة… والعمارات الطويلة… كل شيء هناك جميل "
قالت نورة مدافعة:
-" وهنا أيضاً يا بني… هنا نجد الهدوء… والهواء النقي "
أمال كامل رأسه قليلاً نحو نوره… وقال مداعباً:
-" والمخدرات "
2- بين الحقول
بزيها الأزرق المشجر… تسير بين الحقول… وبجوارها (آية هدى)… الفتاة التي تجيد العربية بدرجة جيدة… مدت الدكتورة نوره يدها… نحو شجرة ذات طول لا يجاوز المتر… أمسكت إحدى الأوراق… تفحصتها جيداً… ثم قالت:
-" أهذا هو الخشخاش "
-" نعم… هذا أحد أنواعه "
أخرجت الدكتورة نوره مقصاً… قصت عدداً من الأوراق… وجزءاً من الساق… ثم جلست… وحفرت قليلاً في التراب… ثم قصت جزءاً من الجذور… بعدها قالت لآية هدى مبتسمة:
-" أنا في حاجه لزهرة كاملة"
-" هناك يا دكتورة… في المزرعة المقابلة"
سارت المرأتان نحو ممر ضيق بين الحقول… دخلتا الممر… ثم سارتا أكثر… وبدأت الدكتورة نورة… تفحص الأشجار أمامها.
مر الوقت متناغما… ما بين اخضرار أوراق الأشجار واصفرارها… وما بين مشاعر الدكتورة نورة… وهي تنقل خطواتها بهدوء… ويحرك الهواء طرف شالها… بيد إن سعادتها الغامرة… لا توصف… خاصة مع ما يداخلها من مشاعر… وهي تتحسس أوراق الأعشاب الصغيرة… تحت قدميها… تدغدغان مشاعرها العميقة.
إنها تأمل في صناعة غدٍ مشرق… لأولئك المدفونين تحت أحجار الموت البطيء… وكيف لمدفون أن يأمل في صباح مشرق… دون أن يكدح العلماء… وينهكوا عقولهم وأدوات معاملهم… من أجل الحصول على الخلاصة.
3- بين جدران معملها
غروب الشمس يبدو متلألئاً على أطراف النافذة… والدكتورة نوره… واقفة في منتصف الغرفة… لم يطل وقوفها… لقد سارت جيئة وذهاباً… ثم أمسكت بخصلة خلف أذنها… ثم عادت بخطوات متسارعة… وأمالت ظهرها قليلاً… للأمام… لتنظر عبر عدسة المجهر.
بقيت الدكتورة نورة تنظر… مدة تزيد على خمس دقائق… تنهّدت بعمق… ورفعت رأسها… وسارت نحو مكتبها… وجلست بهدوء.
وضعت يدها على فهما… وأطرقت ببصرها لأعلى… ودخلت في تأمل عميق.
طُرق الباب… قالت الدكتورة نوره دون تركيز:
-" تفضل "
دخلت فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها… ابتسمت قائلة:
-" لقد أعددت أنابيب الاختبار… جميعاً… يا دكتورة"
انتبهت الدكتورة… وقالت بعد أن هزت رأسها فجأة:
- " ماذا ؟"
- " أنابيب الاختبار… لقد وضعت فيها مركب حامض الكبريتيك H2SO4"
-" جيد… جيد أستاذة (ماهمان) "
قامت الدكتورة نورة في نشاط… اتجهت إلى الخزانة المجاورة للباب… فتحتها… حملت زجاجات فيها خلطات من أوراق نباتية… كانت قد أعدتها بعناية فائقة… من قبل… اتجهت خارجة مع الأستاذة (ماهمان) "
الأستاذة (ماهمان) أخصائية كيميائية… تعمل في إحدى الجامعات الباكستانية… وقد حصلت على تفرغ من عملها… لتعمل مع الدكتورة نوره… مقابل أجر تمنحها إياه الدكتورة .
الغرفة الخاصة… بعمل التجارب… صامته هادئة… إلا من أصوات فقاعات صغيرة… تتصاعد بهدوء… أسفل أنابيب الاختبار المتراصة.
دخلت الدكتورة نورة… وهي تلبس القفازات المطاطية… وقفت أمام الطاولة… تأملتها باهتمام… ثم بدأت عملها.
الفصل الثامن عشر
1- الشيخ جاسم المحمدي
لم تطل الأيام… ها هو أشرف… ينغمس في حياته الجديدة… ويتشرب كل شيء فيها… إنه يتعرف بنجاح… على عدد من المجاهدين العرب… الذين آثروا البقاء في باكستان… أو التنقل بين باكستان وأفغانستان… معظمهم يعمل في التجارة… أو النقل والمواصلات.
امتلك أشرف قلوبهم… أصبح له تواجد حقيقي بينهم… خاصة مع ما يبدو عليه من جدية في طلب العلم… وحرص على الإصلاح… وفي إحدى الليالي المقمرة… وفي مسجد النور… غرب إسلام أباد… وبعد انتهاء الدرس… قام إمام المسجد… وتحدث قائلا:
- " السلام عليكم ورحمة الله… أقدم لكم الشيخ جاسم المحمدي… أخٌ لنا… من دولة خليجية… جاء داعما للخير والإحسان… وربما تعرفونه… إنه من كبار المحسنين… تفضل يا شيخ بالحديث"
قام الشيخ جاسم… وهو رجل طويل وسيم… له لحية سوداء جميلة… لم يجاوز الأربعين من العمر… ابتسم للجميع بسمة صادقة… وقال:
- " لن أطيل عليكم… أنا مُحمّل بالسلام والتحية… من كل إخوانكم في الخليج… المؤمنون إخوة… وأحب أن أزف لكم بشري… لقد وجدنا أحد المحسنين… من الكويت… وقد تبرع بخمسين ألف نسخة من المصحف الشريف… مترجمة للأردية"
ضج المسجد بالتكبير… وعمت الفرحة… وكان من بين المهللين الفرحين… أشرف… الذي كان جالسا في الصف الأول مهتما مبتهجا.
وبعد أن صمت الجميع… قال الشيخ جاسم:
- " وأزف لكم أيضا… بشري أخري… لقد تبرع أحد المحسنين … من إخوانكم في السعودية … ببناء مستوصف تابع لهذا المسجد… وسيجهزه بكادر من الأطباء والفنيين"
ضج المسجد بالتكبير… وابتسم إمام المسجد… وألقى بصره هناك… ليرى دمعة متدحرجة… يمسحها أشرف بيده… ثم يخرج منديلا ليمسح دمعة أخري… في حين أكمل الشيخ جاسم:
- "ستصل المصاحف بإذن الله… صباح غد… ستوزع على كل منزل في هذا الحي… وفي الأحياء المجاورة… وخلال هذا الأسبوع… سيتم البدء إن شاء الله… في بناء المستوصف"
انتهت كلمة الشيخ جاسم… إنها مختصرة ومفيدة… قام أشرف من هناك… بكل اهتمام… واتجه نحو الشيخ جاسم… صافحه بحرارة… وتحدث شاكرا :
- " جزاك الله كل خير… يا شيخ"
في حين علق إمام المسجد الواقف بجوارهما قائلا:
- " هذا هو أشرف المصري… أحد طلاب العلم… في هذا المسجد"
ابتسم الشيخ جاسم وقال:
- " مصري ؟ "
- " نعم… مصري"
- " ما شاء الله"
الفصل الحادي والعشرون
1- على متن طائرة
مع شروق الشمس… وانبعاث نسمات هواء باردة… تدهده أغصان الفناء الرطبة… يقف هناك… عند باب المنزل… ليودع زوجته… بقلب واله.
كامل… تستعرض بسمةٌ صادقة على وجهه… ويلقي قُبلة محب متيّم… على خد من أحبها بشغف… عند ساعات الفراق… ثم يسير بهدوء.
يصطحب ابنه جمال… ويخرج من بوابة الفناء… ويغلق البوابة.
السيارة مع سائقها ينتظرون… يفتح كامل… الباب الخلفي… ويركب… ويركب جوارة جمال… ثم تنطلق السيارة… التي لا تعدو كونها… لاند قروسر… قديم.
اتجهت السيارة… حاملة الحقائب… والأشخاص… وبعد ساعة… وصلت المطار… وقد أزف الوقت.
وهناك… أخذ كمال… كرت صعود الطائرة… وانطلق لبوابة الصعود… ممسكا يد جمال.
كان الطالع سعيدا… لقد صعدوا تلك الطائرة… الوحيدة… الرابظة بسكون… في مطار كابول… والمتجه إلى باكستان… وبعد انتظار لم يطل… أقلعت الطائرة.
هكذا… وبعد كل تلك الأيام المثيرة… يترك كمال… أفغانستان… وينطلق جريا خلف طموحاته التجارية… التي يجد نفسه قد أُعدت لها.
ومضى الوقت سريعا… وعند وصولهم إسلام أباد… استقل كمال وابنة سيارة أجرة… وساروا متجهين لأحد الفنادق الراقية… وقضوا ليلتهم تلك… في جناح خاص.
وفي صباح اليوم التالي… استقل كمال وابنه سيارة أجرة… واتجهوا نحو مدرسة (الفلك)… العالمية… حيث سيدرس جمال ويسكن.
المدرسة كما يبدو… على أعلى المستويات العالمية… وفيها جميع التجهيزات… التي يحتاجها طالب ينتمي لأسرة ثرية… ويريد التعلم على أعلى المستويات.
أنهى كمال جميع إجراءات تسجيل جمال… واطمأن على التجهيزات التي أعدت للسكن… واطمأن على كل احتياجات ابنه… ثم ودعه متجها للفندق… منتظرا حلول موعد الرحلة… المنطلقة لباريس.
2- إلى الفندق
على متن سيارة (بيجو907)… منطلقة عبر الشانزلزيه… في باريس… يطل كامل عبر الزجاجة الجانبية… ثم يعود برأسه للداخل… ويسأل السائق :
- " هل تجيد الإنجليزية "
يجيب السائق بهز رأسه بالنفي… وتُكمل السيارة انطلاقتها… ثم تستدير لتدخل في شارع صغير… ثم تقف أمام بوابة فندق (أمارانتي)… الممتدة على طراز مثلثي الشكل.
يقرأ كامل ما كتب على لوحة الفندق… ثم يقرأ في ورقة في يده… ثم ينظر مبتهجا للسائق.
في تلك الأثناء… تتوقف السيارة… وينزل كامل… وينزل السائق… متجها للشنطة الخلفية للسيارة… يفتحها… وينزل الحقائب.
يمسك كامل حقيبته شاكرا… ثم يناول السائق أجرته… ومن هناك… يحضر أحد حراس الفندق… ويقدم خدماته في حمل الحقائب… ويناوله كامل مقابض الحقائب مبتهجا… ثم يتجه نحو بوابة الفندق… ويدخل.
في غضون دقائق… يقدم كامل أوراقة وبطاقة فيزا… وينتظر قليلا… بعدها يتناول مفتاح الغرفة… ويتجه للمصعد الكهربائي.
دقائق… ويدخل كامل غرفته… ويلقي بدنه على السرير… ليرتاح قليلا.
بعد خمس دقائق… يقوم كامل… ويفتح الثلاجة الصغيرة… ويأخذ قنينة من عصير البرتقال المعلب… ويتجه للشرفة… وهناك… يجلس على كرسي خيزراني… ويراقب الغادي والرائح.
مر الوقت سريعا… وعند حلول الساعة التاسعة… يخرج كامل من الفندق… ويتجه إلى مقهى (الفوكيت)… المجاور للفندق… يدخل بسعادة… ويحجز إحدى الطاولات… في حين يستقبله النادل مبتسما… ويناوله القائمة
الفصل العشرون
1- بعض هواجس الوحدة
في حجرته الصغيرة… يضع خده على كفة… ويمد يده للون الأخضر… في علبة الألوان… يأخذ ذاك اللون… ثم يضعه على الورقة أمامه… ويكمل ما بدأه… في تلوين أوراق الأشجار… ويزفر زفرة طويلة… تم يشخص ببصره لأعلى… ويتخيل صورة أمه… وأبيه… ثم يعاود التلوين.
في تلك الأثناء… يرن جرس العشاء… يترك جمال مقعده… ويتجه نحو الباب… يفتحه… ويخرج.
الطلاب جميعا يجتمعون… كل طالب يأخذ صحنا… وينتقي ما يشتهي… من أصناف الطعام المتراصة… على الطاولة المتسعة.
هنا… المدرسة العالمية… في إسلام أباد… إنها من أرقى المدارس الأجنبية… توجد الصالات الترفيهية… المسابح… والتعليم هنا… على أعلى مستوى… والطلاب من جميع الجنسيات… ربما كانوا جميعا من الطبقة الغنية… والنظام التعليمي هنا… يجعل المدرسة هي الحياة… حسب رأي (جون ديوي)… زعيم الحركة التقدمية… بمعنى… أن الطالب… يعيش حياته كاملة… في المدرسة… يتلقى دروسه في الصباح… ومن حقه أن يحضر لقاعة الدرس… أو يتابع الدرس… عن طريق الشبكة العنكبوتية… فكل طالب… لديه جهاز حاسوبي خاص.
وفي المساء… تبدأ الرحلات والزيارات… والبرامج الترفيهية… في نهاية الأسبوع… يحظى الطلاب… برحلات خارج إسلام أباد.
هناك رحلات بحرية… ورحلات نهرية… ورحلات لزيارة المتاحف… والأماكن الأثرية… ورحلات لتعقب الأسرار… التي أودعها الله في الطبيعة.
الجو من حول جمال… مناسب جدا… لتفريغ طاقاته الإبداعية… وللتقدم بسرعة… نحو التعلم الشامل… الذي يغطي جميع جوانب النمو… المعرفية والوجدانية والمهارية .
شيء واحد… يشعر جمال بافتقاده… إنهما والداه… وجو الأسرة… ولكن… الوضع أصبح اعتياديا… مع مرور الوقت… هناك مربيات متخصصات… يدركن جيدا… كيف يمكنهن أن يكن للتلاميذ أقرب للأمهات.
جمال يسافر كل شهر… مع إحدى المعلمات… إلى أفغانستان… لزيارة أمه… إنها إحدى المعلمات القديرات… أوكل إليها الاهتمام بجمال… بدرجة أكبر… ويتبع ذاك… مرافقته في أسفاره… جمال يكن لها كل حب وتقدير… وهي تحظى بثقة الدكتورة نورة… حيث التقتها في المدرسة… في إحدى زياراتها للمدرسة.
2- ابتكار صغير
يكتب اسمه على لوحة المفاتيح… المتصلة بجهاز الكمبيوتر… ثم ينقر بالفارة… على أيقونة (طباعة).
تخرج الورقة من الطابعة… عليها اسمه مكبرا… ومكتوبا بأحرف (بليس اسكربت)… بالإنجليزية المائلة… يأخذ جمال الورقة… يتأملها جيدا… ثم يضعها على مجسم المشروع… الذي قرر تقديمه غدا للمدرسة.
إنه أشبه ببراءة اختراع… مجسم من تصميمه وابتكاره… بقي في إعداده شهرا… فكرته ببساطة… أقرب لجهاز إنتاج الليزر… إنه يتكون من عدد من العدسات… بأحجام متنوعة… وبأبعاد بؤرية مختلفة… وهدفها… إعادة تكبير الصور المشاهدة… وإعطائها ألوانا أخرى… غير ألوانها الحقيقية.
الأساتذة تابعو جمال… منذ بداية المشروع… وأبدو إعجابهم بالفكرة… وغدا… سيعرض جمال مشروعه… في الاحتفال السنوي للمدرسة.
حمل جمال المجسم… وضعه على أحد رفوف الخزانة… في طرف غرفته… ثم فتح خزينة الملابس… ارتدى ملابس الخروج… وحمل معه ورقة وقلما… وخرج.
3- أمي
ها هو هناك… جمال… إنه يتنقل بين الممرات… بكل هدوء وروية… وعندما اقترب من البحيرة الصغيرة… في قلب حديقة المدرسة… اختار مقعدا مستطيلا… وجلس.
بقي جمال مدة يتأمل… رفع بصره لأعلى… وبدا يقلب طرفه في النجوم… ويغوص في أعماق نفسه… إنها متاهات… من خلفها متاهات… ولكن… صورة الحياة… والصخب… التي عرفها جمال في واشنطن… تتوالى صورها في ذهنه:
- " الذاهبون والغادون… والعمارات الطويلة… وشباب ينطلقون… ممتطين ظهور زلاجاتهم… والحدائق العامة… وأشجارها المتناثرة… هنا وهناك… وامرأة تقود كلبها… أو هو يقودها… وفتيان وفتيات… والنزهات الرائعة… جوار الشلالات… والجلوس على مقاعد السيرك… وأشياء وأشياء"
جالت في ذهن جمال… صور أخرى:
- " الوطن… وأبناء الوطن… والهدوء إلى درجة الركود… لا شيء غير الصمت… ثم… ثم أفغانستان… وسجلات الفقر والعوز… والأمراض التي لها بداية… وليس لها نهاية… وكلام عن حقول المخدرات… وأناس منغلقون… حتى عن أنفسهم… يكفيهم قوت يومهم… وعربات تجرها الحمير… أو الخيول المهترئة".
- "ثم هنا… في باكستان… والمدرسة العالمية… وإمكانيات تعليمية… لا حدود لها… تفوُّق… إبداع… طلاب من كل الجنسيات والأقطار… يتنافسون في طريق التفوق"
- " ثم… أمي… وأبي… لقد كانا مجتمعين… في منزل واحد… وكنت أنا محور المنزل… والآن… كل منهما في وجهة… أبي رجل أعمال… يجوب العالم… وأمي عالمة… تبحث عن الأدوية… في أوراق الخشخاش… وأنا هنا".
وضع جمال الورقة أمامه… واستنشق الهواء بعمق… ثم أخرج القلم من جيبه… وبدأ يكتب.
الفصل الثاني والعشرون
1- أشرف… هناك
مع آذان الفجر… كان داخلا من باب المسجد… ألقى التحية على من كان هناك… في الصف الأول… ثم أدى سنة الفجر… وجلس بعدها يدعو… مرت دقائق… أقيمت الصلاة… وتقدم أشرف… مصليا بالناس.
كان صوت أشرف جميلا عذبا… يحمل في طياته أسرار الخشوع والبراعة… التي تملكها حناجر القراء المصريين… قرأ من سورة الأنفال… وأطال في القراءة… بيد أن أحدا ممن خلفه… لم يشعر بالملل.
وبعد أن انتهت الصلاة… وأنهى المصلون تسابيحهم… وقام أشرف في خشوع ظاهر… واتجه للحلقة التي كان طالبا فيها منذ أشهر… بيد أنه الآن… لم يجلس مكان الطالب… وإنما جلس مكان الشيخ.
تحلق طلاب العلم… حول أشرف… وجلس الشيخ جاسم… مع من جلس… وفتح أحد الطلاب… كتاب صحيح البخاري… وقرأ في كتاب الإيمان… الحديث رقم 16… (حدثنا محمد بن المثنى… قال… حدثنا عبد الوهاب الثقفي… قال… حدثنا أيوب… عن أبي قلابة… عن أنس بن مالك… رضي الله عنه… عن النبي صلى الله عليه وسلم… قال:
( ثلاث من كن فيه… وجد حلاوة الإيمان… أن يكون الله ورسوله… أحب إليه مما سواهما… وأن يحب المرء… لا يحبه إلا لله… وأن يكره أن يعود في الكفر… كما يكره أن يقذف في النار)
بدأ أشرف في شرح الحديث… تحدث بصوت هادئ ساحر… استطاع من خلال ثقافته الواسعة… أن يخرج في شرحه… خارج إطار الروتين… الذي اعتاده طلاب العلم… في مثل هذه الحلقة… لقد أجاد الاستشهاد بعدد من الأمثلة… في الحياة المعاصرة… وبدأ طلاب العلم… يدوّنون ما يقوله… وبعضهم يسأله… لم يجد أشرف صعوبة في الإجابة عن أسئلتهم… وبعد انتهاء الدرس… انصرف طلاب العلم… وبقي أشرف مكانه.
2- لقاء محوري
سلم أشرف من صلاة العصر… واستدار بوجهه للمصلين… وبدأ في تسابيحه… وبعد أن إنهاها… مد يده للسماء في ضراعة… وبقي يدعو قرابة الخمس دقائق… ثم مسح وجهه بكفيه… وعندما عزم على الوقوف… رأى من هناك… الشيخ جاسم… مقبلا نحوه.
وقف أشرف في اهتمام بالغ… سار قليلا حتى لقي الشيخ جاسم… عانقه الشيخ جاسم… ثم جلسا متقابلين… في الصف الأول… وبعد سؤال كل منهما عن حال الآخر… دار بينهما حديث مهم… تطرقا خلاله لموضوعات كثيرة… جلها حول الأعمال الخيرية… من بناء مساجد أو مدارس أو مستوصفات… أو توزيع زكاة أو صدقات.
تبين لأشرف… خلال هذا اللقاء… أن الشيخ جاسم… محسن كبير… وأنه أحد كبار رجال الأعمال… في بلده… وأنه محتسب يبذل وقته وجهده… في إيصال بعض أمواله… أو إيصال تبرعات أشخاص آخرين… إلى مستحقيها.
وتبين لأشرف… أن الشيخ جاسم… يعمل في هذا الحقل… منذ سنوات… محتسبا في ذلك… لوجه الله.
وتين أيضا… أن هذا المحسن… يحتاج مع كل ذلك… لمن يتعاون معه في أعمال كهذه.
وخلال تلك المحاورة… تبين للشيخ جاسم… أن أشرف… رجل زاهد تقي… لا يرجو إلا الله… والدار الآخرة… مهتم بطلب العلم والإحسان… وبعد ما يقارب الساعة… قام الاثنان… وخرجا من المسجد… وتفرقا… على أمل لقاءات أخرى… من أجل العمل الخيري
4- عقود استيراد
مع إشراقة شمسٍ باردة… من بين غيومٍ متلبدة… كامل… في الشرفة التابعة لغرفته… هنا… في فندق (أمارانتي)… في باريس… يمد يده بهدوء… ليحمل فنجان القهوة الساخنة… يرفعه نحو فمه… بهدوء… ويحتسي رشفة… صغيرة… ثم يعيد الفنجان… ليمد يده للطبق المجاور… ويحمل لوحا من ألواح الشيكولاه… يبللها فوق لسانه قليلا… ثم يقضم قضمة… ثم يستنشق بعمق… ذرات أكسجين نقية… لتوها خرجت من رئة شجرة (أرغان) المجاورة.
أنهى كامل قهوته… وقام بارتياح… تمطى قليلا… ثم دخل الحجرة… وارتدى ملابسه… وخرج.
اتجه لمحطة مترو… وبعد أن سار مسافة… تغيب في باطن الأرض.
ما هي إلا عشرون دقيقة… هاهو كامل… يخرج… من محطة (البيرباس)… ليتجه لأسواق (رينجيس)… للجملة… وهناك… عقد عددا من الصفقات… ووقع عقودها… وكتب عددا من الشيكات… ناولها التجار الذين ابتاع منهم كل ذلك.
ثم اتجه لشركة شحن… في الشارع المجاور… واتفق معهم على شحن كل البضائع… في ثلاث حاويات… لميناء دبي.
2- نمو التجارة
يدقق كامل في أوراقٍ بين يديه… ثم يمد يده لعلبة خشبية… تحوي عددا من الألوان… يتناول اللون الأسود… ثم يقترب به من الورقة… ويوقع في أسفلها بهدوء… وفي تلك الأثناء… يرن الهاتف… في ناحية الطاولة اليمنى… يمد كامل يده… يرفع السماعة… يتحدث قليلا… ثم يقفل السماعة.
ويعاود تقليب الصفحات.
يدخل بسام مستأذنا… يقول:
- " لقد تلقيت اتصالا للتو… من موانئ دبي"
- " جميل… وصلت الشحنة إذن… طلبات التجار لم تتوقف… إنهم في انتظارها… على أحر من الجمر "
- " ما المطلوب مني يا سيد كامل؟"
- " اتصل على شركة التوريد… عليهم أن يوصلوا الشحنة إلى المستودعات… هذا شرطنا عليهم من البداية… وأنت… اذهب للمستودع… واستلم الشحنة… تأكد من سلامتها… لا تنس أوراق الجرد"
- " اطمئن دكتور كامل "
- " أعلم… أنت مهتم بعملك… وشديد الحرص… ولكني أحب التأكيد على كل شيء… التجارة تعتمد أساسا… على مبدأ الحرص… أليس كذلك؟"
قالها وهو يبتسم… في حين رد بسام:
- " بالتأكيد "
- " سوف أعد لك الشيك… وخذ وصلا منهم بالتسليم "
خرج بسام… في حين وقف كامل… وأطلّ من الشرفة… في طرف مكتبه… في الدور الخامس عشر… في أبراج الخليج… هنا… في دبي.
ومع تلك الأجواء… تذكر كامل نورة… زوجته… زفر زفرة طويلة… كم يتمنى لو كانت معه هنا… الآن… ولكنها في عملها… هناك… في بلاد الأفغان.
كم هو معجب بتضحيتها… وبمشروعها العالمي.
جلس كامل على مقعد جلدي… وبدأ يقلب أوراق حياته.
لقد نمت تجارته… خلال الأشهر الفائتة بشكل كبير… عملة يرتكز على الاستيراد والتصدير… ودبي… هي حلقة الوصل… التي اختارها لربط تجارته… بين الشرق والغرب… لديه مكتب في كراتشي… ومكتب في دلهي… وهو نشيط… ويحب القيام بكل الأعمال بنفسه… وقد وظف في مكتبه هنا… عددا من الكفاءات… وهو كثير السفريات والتنقل… مع وجود عدد من المديرين لأعماله.
2- جرس الهاتف
يرن جرس الهاتف… ترفعه الدكتورة نورة… ببطء… ثم تبتسم فجأة… وتقوم… وتقول:
- " أهلا يا كامل… كيف الحال؟"
- " الحمد لله… كيف أنت يا نورة… ما أخبارك "
- " لقد اشتقنا لك"
- " وأنا اشتقت إليك أكثر… ما أخبار أبحاثك… وما أخبار جمال"
- " بخير… كل أمورنا تسير على ما يرام… لا ينقصنا شيء… كما تنقصنا رؤيتك… ما أخبار تجارتك "
- " أوه يا حبيبتي… أنا أصنع كل يوم نجاحا جديدا… لقد عرفت بالضبط… كيف يمكن بناء الثروة"
- " رائع… وأين أنت الآن"
- " في أمريكا… بعيد أليس كذلك"
- " أوه… بعيد جدا… كم اشتقنا للجلوس معا… أتذكر"
- " لا تخافي… قريبا يلتم الشمل… قولي لي… هل اقتربت من الوصول للنتائج الأخيرة؟"
- " آمل ذلك… ولكن… الصعوبات تزداد يوما بعد يوم… هنا… الحياة محصورة والأدوات التي نحتاجها معدومة"
- " ولكن… صمودك بالتأكيد… سيهزم كل العقبات "
- أرجو ذلك "
- " أوه… هناك خبر رائع آخر… لقد بدأت أعمل في استيراد الرخام… وفتحت عددا من المعارض في بعض دول الخليج "
- " يبدو لي وكأنك وجدت نفسك في التجارة "
- " بالتأكيد… أنا ولدت لأكون تاجرا… ولم أولد لأكون أستاذا جامعيا "
- " وما أخبار حياتك… قل لي بالتفصيل… هل لديك وقت لذلك"
- " بالطبع "
واستمر الحديث
3- أفكار تطوف هناك
في أحد المتنزهات العامة… في بكين… يسير كامل… بشيء من السعادة… ثم يتوقف… لدى فتاة في الرابعة عشرة… تبيع ثمار الأناناس… يطلب واحدة… ثم يجلس على كرسي خيزران مجاور… ويخرج كاميرا صغيرة… من حقيبته… ويبدأ في تصوير ما حوله.
التقط كامل صورة لتنين ضخم… يطلق النار من فمه… وصورة لطائر أبيض… حط للتو… كي يشرب قطرات من ماء يجري في الجدول المجاور.
ومد كامل الكاميرا أمامه… التقط صورة لنفسه.
لم يطل الوقت… وحين أقبلت الفتاة… بثمرة الأناناس… مقطعة في صحن صغير… في يدها… التقط لها صورة… ثم طلب منها… أن تلتقط له صورة… وهو يأكل من قطع الأناناس… سعدت الفتاة بذلك… وتناولت الكاميرا منه… والتقطت له صورة.
الوقت هنا جميل… جمال الطبيعة الساحرة… الخلابة… والهواء النقي… يدخل الرئتين… فيزيد الإحساس بالنشاط والحيوية… فكر كامل قليلا:
- " ما أجمل الجلوس هنا… لو أن نورة… وجمال… معي هنا… لمَ كُلُّ هذا الفراق… يالها من تضحيات… ولكن… لا بأس… نوره تستحق كل ذلك… ولكن… جمال… هل تراه سعيداً الآن؟… هل تراه بالفعل سعيداً؟… وهل كان قرارنا صائبا… في تدريسه… في مدرسة عالمية؟.
مد كامل يده … وأكل قطعة من الأناناس… ثم أكمل حديثه مع نفسه:
-" ربما… ربما كان القرار صائبا… وربما يستفيد جمال… ويستمتع… ويتعلم وفق أصول تربوية حديثة… ولكن… هل لابتعاده عنا… آثارا سلبية؟… ربما… إنه طفل… بالتأكيد… كل طفل يحتاج لحضن الأسرة الدافئ "
تحرك كامل في تململ… وأكل قطعة أخرى من الأناناس… ثم أكمل حديثه مع نفسه:
- " لكن بالتأكيد… سيستفيد جمال… وستكون الآثار الإيجابية… لدراسته… بهذه الطريقة… أكثر… كل المبدعين في أمريكا… وأوروبا يتركون أسرهم… في سن مبكر… ويقضون أوقاتا طويلة… في المدارس… ثم… ثم جمال ليس محروما من والدته… إنه يقابلها… كل شهر… تقريبا"
الفصل الرابع والعشرون
1- زيارة عمل
تقف سيارة (الوانيت)… أمام منزل قديم… وينزل الشيخ أشرف… من باب السائق… بعمامته البيضاء… ولحيته الطويلة… وإزاره القصير… وبسمته التي لا تفارق وجهه… وتبدو صادقة لدي الجميع.
لقد تغيرت حياة أشرف… خلال الفترة الماضية… التي لم تتجاوز الستة أشهر… بشكل كبير… شهإنه الآن… مسئول عن إدارة عدد من الأعمال الخيرية… التي يقوم بها الشيخ جاسم.
يتقدم أشرف… نحو الباب… يطرقه بهدوء… بصرة مطرق للأرض… لا يمر الكثير من الوقت… يُفتح الباب… عن وجه شاب في الثامنة والعشرين… يدخل الشيخ أشرف… تحيطه حفاوة الشاب… وفي الداخل… يجلس أشرف… على مقعد إسفنجي طويل… ويتغيب الشاب قليلا… ليأتي وفي يده طبق مليء بالفاكهة… يجلس الشاب مقابلا الشيخ أشرف… ويكرر عددا من عبارات الترحيب… وبعد تناول ما تيسر من الفاكهة… يتم عرض أوراق وتقارير… حول عدد من الأعمال الخيرية… وتتم مراجعة أسماء الأسر… التي وصل إليها نصيبها… وتتم مراجعة قائمة المصروفات.
بعد ذلك… طلب أشرف… عددا من الملفات والأوراق… حملها معه وهو يزمع الوقوف… ليدرسها عن كثب.
خرج أشرف… وركب سيارته… وذهب.
2- داخل منزله
يلملم أطراف السفرة المتواضعة… بعد أن يجمع بقايا الخبر… ثم يحملها… ويتجه للمطبخ… وهناك… يفتح الثلاجة… ويضع بقايا الخبز… ويضع السفرة في سلة النفايات.
يتجه للصنبور… ويأخذ براد الشاي… يملأه بالماء… ويضع السكر… ثم يضعه على النار… ويشعل الموقد.
ويبدأ في تنظيف الأطباق… وبعد دقائق… يغلي الماء… وينتبه أشرف… ويطفئ النار… ثم يحمل البراد… ويضعه في طبق… ويضع كيس شاي… وفنجان… ثم يحمله… ويتجه إلى مكتبة.
جلس أشرف في المكتب… وبدأ في التدوين والتخطيط… وكان كثيرا ما يستخدم الآلة الحاسبة… ثم قام ناحية جهاز كمبيوتر… فتحه… وبدأ في الكتابة… ثم طبع ما كتبه… وعندما ارتفع صوت أذان الظهر… ترك أشرف كل ما في يده… وذهب للمسجد… توضأ هناك… ودخل… صلى تحية المسجد… ثم جلس يرتل آيات من القرآن الكريم… وبعد الإقامة… تقدم للصلاة بالناس… إماما.
لقد أصبح الشيخ أشرف… إماما بالناس… في جميع الفروض… عدا صلاة الجمعة… وأصبحت له حلقته الخاصة… التي يدرس فيها الحديث… إنه شعلة من العمل والنشاط… وله أفكار إيجابية كثيرة… في ميدان عمله كمدير للجمعية الخيرية.
3- تسارع في النجاح
الأيام تطوي بعضها… ها قد مر على إمساك أشرف… زمام الأمور… في الجمعية الخيرية… قرابة السنة… لم تعد الجمعية كما كانت… لقد تغيرات رأسا على عقب… صار لها مقر دائم… وأصبحت تحت إشراف الدولة… وأصبحت تمتلك عددا من العقارات… ذات الريع الدوري… ودخلت في عدد من المشاريع التنموية… وأصبح الشيخ أشرف… مديرا لما يقارب الخمس مائة موظف… إلا أنه مازال متواضعا هادئا… مبتسما للجميع.
وفي ذلك المساء… كان أشرف… في استقبال الشيخ جاسم… في مطار إسلام أباد… وفي طريق قدومهما… كان الحديث بينهما… متشعبا… حول الكثير من القضايا… وعند وصولهما منزل أشرف… نزلا… وكانت حفاوة أشرف… غير محدودة… وفي الداخل… تم تقديم الشاي والقهوة… والحلوى… وبعد فترة قصيرة… قُدم العشاء… وبعدها بقليل… استأذن جاسم… فهو يريد النوم… كي يبكر غدا لصلاة الجمعة.
4- دموع جاسم
يهتف بأعلى صوته… ويهتز لصوته هواء المسجد… ويبدو أن كل شيء يهتز معه:
- "اللهم اقبضنا إليك… غير خزايا ولا مفتونين… اللهم انصر إخواننا المجاهدين"
الشيخ أشرف… الخطيب المفوه… الذي يمتلك القلوب… ويأسر الأرواح… فصاحة وبلاغة… وعذوبة صوت… وسلامة لغة… واستشهاداً بمستطرفات الحكم والأشعار… واستدلالاً بأدلة السنة والقرآن.
ها هو… في المسجد التابع لجمعية الإحسان الخيرية… قائداً ركب العمل الخيري… ومنطلقاً من نجاح إلى نجاح… ولا يدري الشيخ جاسم… الجالس في الصف الأول… وهو يستمع للخطبة… كيف يجازي هذا الرجل الصالح… الذي استحالت على يديه… تلك الملايين القليلة… إلى مجموعة أعمال عملاقة… لها مشاريعها الريعية… ولها خططها الإستراتيجية.
لقد تغيرت أنشطة الجمعية… من مجرد أعمال محدودة… مقتصرة على الصدقة المباشرة… للأسر الفقيرة… إلى مؤسسة كبرى… تهتم بما لا يقل عن ألف أسرة فقيرة… وتُدرس ما لا يقل عن خمسة آلاف طالب… ولها قرابة المائة مستوصف… وبنت خمسين مسجدا ومدرسة… ولها عشرة معاهد… لتأهيل الدعاة وتعليم اللغة العربية… شبكة هائلة… وسلسلة متتابعة… من النجاح… وهي الآن تملك عقارات استثمارية… داخل وخارج باكستان… مسح الشيخ جاسم دمعات تدحرجت من عينيه… وقال بهمس:
- " جزاك الله خيرا يا شيخ أشرف"
بيد أن حال أشرف لم يتغير… إنه كما هو… في تواضعه وزهده… وقربه من الناس.
5- مشاريع ضخمة
بعد انتهاء صلاة الجمعة… خرج أشرف… واستقبل الشيخ جاسم باهتمام… واصطحبه إلى بيته المتواضع… غرفتان وصالة… وهدوء وبساطة… ومكتبة تحوي عددا من أمهات الكتب… بيد إنها ليست بالكبيرة.
المنزل لا يبعد كثيرا… عن المكتب الخيري… الذي تدار فيه كل تلك الأعمال… بعد أن تدار بمهارة… في رأس الشيخ أشرف.
ركب أشرف سيارته (الوانيت)… وركب من الباب الآخر… الشيخ جاسم… وسارت السيارة بهدوء… وصلت منزل أشرف… ونزل الرجلان… وعند الباب… قال أشرف:
- " سنتغدى اليوم… سمكا مشويا… أن شاء الله… أنت ضيف عزيز"
- " كلا… كلا…"
- " مالك يا رجل… سأشويه يبدي"
- " هـ… هـ… هـ… لا… لا… ولكني… يا أخي أشرف… على عجلة من أمري… ليس لدي وقت… فقط… أريد معرفة آخر تصوراتك لمشروع البرج"
- " فلندخل أولا… لا تشغل بالك كثيرا… كل الأمور جاهزة… لدي أفكار ثرية"
- " يعجبني أنك دائما تأتي لنا بالجديد"
- " ولا يعجبني فيك… أنك دائما… على عجلة من أمرك"
دخل الرجلان… جلس الشيخ جاسم… تركه أشرف… ودخل للداخل… لم يطل الوقت… لقد عاد بعد دقائق… وهو يحمل طبقا فيه حافظة شاي… وحافظة قهوة… وفناجين… وضع أشرف الطبق… واسترسل بسيل من الترحيبات… وبدأ في سكب فنجان من القهوة… وقدمه للشيخ جاسم.
تناوله الشيخ جاسم… فنجانه… ثم مد يده… ليتناول بعض حبات التمر… قام أشرف حينها… وتغيب قليلا في المطبخ… ثم جاء… وهو يمسح يديه… وجلس مقابلا الشيخ جاسم.
لم يطل الوقت… بدأت رائحة السمك المشوي… تصل لأنفيهما… استأذن أشرف… وقام… وما هي إلا دقائق… وإذا به يأتي وفي يده صحنين… قال في لطف:
- " يا أهلا ويا سهلا… ويا مرحبا"
وضع الصحنين… بين يدي الشيخ جاسم… كانت المائدة تحوي قطعا من السمك المشوي… وبعض الخبز… وشيئا من السلطة… أكمل أشرف مبتسما:
- " وكما تقولون في الخليج… واجبك ذبيحة… ولكن… اليد قصيرة… اكتفيت بسمكتين"
- " ما شاء الله… هذي أفضل ذبيحة"
وبعد تناول الطعام… بدا الحديث… حول آخر أفكار أشرف… قال الشيخ جاسم:
- " قلت لي… إن لديك أفكارا جديدة"
- " بالطبع… سنتعامل مع شركة صينية… لقد راسلتها عبر النت… سيكون هناك صفقات مربحة… لفتح مراكز تجارية كبيرة"
- " هنا؟"
- " كلا… في دبي"
- " دبي!"
- " نعم… دبي"
- "جميل جدا… وماذا أيضا؟"
- " أفكر في إنشاء… مصرف إسلامي"
- " مصرف إسلامي!"
- " سيكون تجربة رائدة"
- " ولكن… هل نقدر عليه"
- " سنبدأ صغارا… وبإذن الله سنكبر"
استمر الحديث حول هذين المشروعين… كان كل شيء مدون في ذهن أشرف… رؤية واضحة… اقتناع كامل… تخطيط مسبق… كان الشيخ جاسم سعيدا لسماع تلك الأفكار.
6- راتب أشرف
يخرج أشرف من المسجد…ويلتقي الشيخ جاسم في الخارج… لقد سبقه الشيخ جاسم في الخروج… وبقي ينتظره قليلا… يتصافحان… ويسيران سويا… على أقدامهما.
المسافة لا تتجاوز الثلاثمائة متر… اقترح أشرف ركوب السيارة… بيد أن جاسم… آثر السير على الأقدام… لم يطل الوقت… ها هما يصلان مقر الجمعية… أخرج أشرف المفتاح… أداره على قفل الباب الخارجي… دخلا… المبني كبير… ويحوي طابقين… ويحوي ما لا يقل عن عشرين مكتبا… القي جاسم نظرة… وسأل:
- " ما أخبار العمل هنا؟"
- " في أيام العمل… تكاد تجرم… أنك في خلية نحل… لا مركزاً خيرياً"
أمسك أشرف يد جاسم… وسحبه قائلا:
- " وهنا… مكتبي… لقد استخدمنا أخر التقنيات في جدولة الأعمال… لدينا أجهزة حاسوب… ونستخدم البريد الإلكتروني… للتعامل مع عدد من الجهات… تفضل… تفضل"
دخل أشرف وجاسم… جلسا على كسريين متقابلين… وبينهما طاولة صغيرة… وبدأ أشرف في فتح عدد من الدوسيهات… وتقليب الأوراق… كان يشرح الإنجازات السابقة خلال الشهر الفائت… تحدث كثيرا عن ضرورة البدء في بناء جامعة أهلية… بالطبع… ليست بالمجان… وإنما هو مشروع استثماري… يرجع ريعه لأعمال الخير… وتحدث عن فتح فروع للمركز… تختص بالدعوة إلى الله… في أوربا وأمريكا… الكثير والكثير من الأفكار… عرضها أشرف… قال جاسم… في حال ذهول:
- " ولكن… الإيرادات… الإيرادات يا أشرف… أنت تتحدث عن مشاريع… تكلف الملايين… تلك المشاريع التي بدأنا فيها… لم ترجع تكلفتها بعد"
- " المال سيأتي به الله… لقد أصبح لنا شبكة داخل دول الخليج… تنسق مع الأثرياء… بحمد الله… أصبح لمركزنا سمعة طيبة… ولكن"
مد أشرف يده… وفتح أحد الملفات… وأكمل:
- " عليك أن تعتمد هذه التوقيعات"
- " توقيعات ماذا؟"
- " أنا كما تعلم… لا أحب أن أتعامل مع الأموال… فقط أتعامل مع الأوراق… لن يدخل قرش واحد… في حساب المركز… إلا بمعرفتك… ولن يصرف قرش… إلا بمعرفتك"
- " سنعود لهذا الموضوع… ألم نتفق… أن تأخذ وكالة عامة… على الحساب الخيري… يمكنك من خلالها… صرف رواتب الموظفين… وصرف تكاليف المقاولين… واعتماد الإعانات"
- " كلا… كلا… كما دخلت في هذا العمل نظيفا… أرجو أن أخرج نظيفا… هذا اتفاقنا من البدء… الأموال لا علاقة لي بها"
- " وهل تظن أحدا سيراوده شك تجاهك… بل على العكس… لو لم أكن متأكدا… أنك كنت فقيرا… ومازلت… لقلت إنك تدعم هذا المركز… من مالك الخاص"
- " هـ… هـ… هـ… لا… لا… هذا المركز يدعم من الخارج"
- " هـ… هـ… هـ… من أمريكا إذن…"
- " أمريكا… هـ… هـ… هـ… لو دعمتنا أمريكا لأفلسنا… هـ… هـ… هـ… بل هي بركات أولئك الصالحين… الذين يخرجون القرش… فيضاعفه الله أضعافا كثيرة"
- " هذه حقيقة… (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله… كمثل حبة أنبتت سبع سنابل… في كل سنبلة مائة حبة… والله يضاعف لمن يشاء)"
فتح أشرف عددا من الشيكات… ووقع عليها الشيخ جاسم… وكان من بينها… شيكا واحدا… طالعه جاسم باهتمام… وقال:
- " ألا زال هذا المبلغ… هو مرتبك؟… أين العلاوة… التي اقترحتَها لجميع الموظفين… راتبك الآن… أقل من راتب أي موظف"
- " أنا!… لا…لا… أنا آخذ راتبي من مكان آخر"
- " مكان آخر؟"
- " إنه أضعاف هذا الراتب… هذا الراتب لا يساوي معه شيئا"
- " ونعم بالله…"
الفصل الخامس والعشرون
1- كل شيء على أصوله
ينتشر اسم الشيخ أشرف… لدي طلاب العلم… ولدى المهتمين بالعمل الدعوي… ويقصده الشباب… للتتلمذ على يديه… والاستفادة من أفكاره الناجحة… وهو الآن… مشغول بفتح فرع للمركز… في كابول… إن أوضاع أفغانستان الاقتصادية… أسوأ من سيئة… لقد تم دعم المشروع… بقرابة السبعمائة ألف دولار… يقول أشرف… إنها أرباح الصفقة الأخيرة… التي تم فيها تصدير كميات كبيرة… من الأرز… لشركة خليجية… ولا يحق لأحد… أن يدقق في مدى صحة هذا الكلام… فأشرف قاله… وهذا يكفي.
وسيتم فتح عدد من المستوصفات الخيرية… وفتح عدد من المشاريع التجارية… التي يفترض أن يعود ريعها… لدعم المشروعات الجديدة… الشيخ أشرف واضح جدا… في إستراتيجيته لإدارة أي مركز يفتحه… انه يهتم بدءا بإنشاء مشروع تجاري تابع للمركز… كي يضمن له الاستمرار… وقد كان المشروع التجاري… التابع لمركز كابول… يهتم بتوريد السجاد… يدوي الصنع… إلى دبي… ومن دبي… إلى العديد من دول العالم… وبهذه الطريقة… يضمن العمل… للعديد من الأسر الفقيرة… في صنع السجاد.
ليس لدى الشيخ أشرف… وقتا يضيعه… لقد سار على الفور… إلى كابول… والتقي هناك… العديد من طلاب العلم… لم يكن اسم أشرف بالاسم المجهول لديهم… لقد استقبلوه بحفاوة بالغة… وساعدوه ببعض الأفكار والتصورات… المتعلقة بطبيعة العمل في أفغانستان.
استأجر أشرف منزلاً صغيرا… وسيارة بسائقها… وبعد صلاة الفجر مباشرة… كان أشرف… يدور في شوارع كابول… ويكتب الملاحظات… لم يتوقف عمله الدءوب… إنه ينزل في بعض الأحيان… من السيارة… ويدخل على قدميه… في شارع ضيق… أو يقف لدى سوق… ويتأمل… أو يطرح أسئلة على عدد من الموجودين… هنا أو هناك.
مر اليوم الأول… وعاد أشرف لمنزله منهكا… وبعد صلاة العشاء… لم يجد بدا من إلقاء بدنه… والخلود للنوم.
في اليوم التالي… وقبل صلاة الفجر بقليل… كان أشرف… داخلا من بوابة المسجد… صلي الفجر… ومع خروجه… توقف عند باب المسجد… قليلا… ومن هناك… جاء السائق الذي صحبه بالأمس… ركب أشرف… وانطلقت السيارة.
قضي أشرف يوما كسابقه… إنه يدون ويكتب… ويتعرف على هذه المدينة… التي أكلت منها الحرب… ما أبقاه الفقر.
وبعد صلاة العصر بقليل… كان أشرف… يتفاوض مع شخص ما… أمام منزل قديم… في قلب كابول… أنهما يتفاوضان حول الثمن… الذي سيدفعه أشرف… لشراء هذا المنزل… والأرض المجاورة له… ولم يمضي سوى دقائق… اتفق أشرف مع صاحب المنزل… على أن يتقابلا في الغد… للتوثيق العقاري.
2- مركز كابول
ها هو المبني المسلح… يرتفع شيئا فشيئا… وها هو أشرف… بنفسه… واقف هناك… يتابع… ويمسك بالحديد… ويهزه… ويتأكد من جودة الإسمنت.
إنه المركز الخيري في كابول… حتما سيتبعه سلسلة من المراكز… في أنحاء أفغانستان… العمل على أشده… ويجب أن يُسلم المبني… خلال ثلاثة أشهر… وفي الطرف الآخر… على الشارع العام… سوق تجاري… يتم إنشاؤه… أنه باسم المركز الخيري… ومزارع ومعدات زراعية… وسيكون لأشرف مكتبه الخاص هنا… لقد اتفق مبدئيا مع الشيخ جاسم… على أن تنتقل إدارة الجمعية… إلى كابول… بدل إسلام أباد… العديد والعديد من الأعمال والتجارة… والمشاريع… والمساجد… والأيدي العاملة هنا رخيصة جدا… ويمكن تأهيلها بسرعة.
لا يمكن التنبؤ بسر هذا النجاح الكبير… الذي نجحه الشيخ أشرف… في أعماله الدعوية والتجارية… بيد أن حاله من الزهد والتقشف… هو الحال الذي عهد عنه… لم يتغير شيء.
3- بانوراما
مر الوقت سريعا… هاهو العمل في المركز… قد انتهى بالكامل… وأصبح المركز الخيري… عَلَما بارزا في قلب كابول… وكان لزاما أن يحضر الشيخ جاسم للافتتاح… بيد إن اقتراح أشرف… لم يقتصر على حضور الشيخ جاسم… وإنما اقترح أن يحضر عدد من المحسنين في الخليج… ليُدشنوا افتتاح المشروع… وليقفوا على احتياجات إخوانهم المسلمين.
وجهت دعوات أخري لبعض المسئولين في حكومة طالبان… إضافة لبعض المجاهدين القدامى… وبالأخص… المجاهدين العرب.
وفي تلك الليلة الموعودة… كانت الجموع تتوافد نحو المركز… وجوه تملؤها السكينة والطمأنينة… وتبدو عليها قسمات الصدق في العمل… من أجل صلاح المسلمين… إلا أن الشخصية البارزة… أمام كل الحاضرين… الشيخ أشرف… الذي وقف في هيبة وإجلال… هناك… على المنصة… ليتحدث عن أهمية العمل لأجل الله… بعيدا عن الرياء والسمعة… أو طلب مصالح ضيًّقة للنفس… لأن الدنيا بما حوت فانية… إلا تلك الأعمال الخيّرة… التي يحفظها المسلم وديعة عند الله… ثم يلقاها يوم القيامة… وقد تضاعفت أضعافا كثيرة… وقال بعدها:
- "والآن… نترككم مع الشيخ جاسم… وكلمته"
أعدَّت كلمة الشيخ جاسم… بطريقة (بانورامية)… بحيث أدخلت معها أناشيد إسلامية أفغانية… حول عمل الخير… وتم تشغيل جهاز (البروجكتر)… لعرض الصور المتحركة والثابتة.
بدأ العرض… وكان الحديث… عن فكرة المركز… منذ بدايته… والنجاحات التي حققها… مع صور متحركة أو ثابتة… حول المشاريع التابعة للمركز… كان الشيخ جاسم يتحدث… وكانت الصور المعروضة… متوافقة مع ما يتحدث عنه… حيث تمت كتابة الكلمة… لتتوافق وإخراج (البانوراما) التابعة لها… بيد إن الشيء غير المتوقع… هو اسم أشرف… اسم أشرف… الذي لم يتم ذكره… أبدا… خلال العرض.
كان الحديث يتطرق له بالقول: (وجاء رأي أحد الأخوة)… أو… (جاء اقتراح أحد الأخوة)… أما بقية الشخصيات… التي شاركت في هذه المؤسسة… سواء من المحسنين.. أو المشاركين… فإن أسمائهم تردد… ويتم عرض صورهم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق