الجزء الثالث
الفصل السابع
1- ممرات ضيقة
يمد الملعقة بهدوء… يضع فيها قليلا من إدام الدباء… ويرفعها ببطء… كي يدنيها من فمه… ولكنه لا يضعها في فمه… لأنه منهك في مقارعة أفكار كثيرة… لقد صدر الحكم عليه… من المحكمة العليا… منذ يومين… حكم بالإعدام… يا لها من نهاية سخيفة… لحياته السخيفة… لقد ثبتت عليه جرائم كثيرة… منها… قتل بالعمد… سطو… سرقة… تهريب مخدرات… الحقيقة أن مشكلته الأكبر… كونه من أصول عربية.
أرجع أشرف الملعقة للطبق… وأرجع ظهره للخلف… ليستند على الجدار… ثم زفر زفرة طويلة… بعدها… وقف بتثاقل… وسار ناحية باب الزنزانة… وأمسك بقضبان الشباك… وبدأ يراقب… لا أحد هناك… في الممر.
رجع أشرف أدراجه… القي نفسه على الأرضية الخشبية… لا يمكنه المواصلة أكثر… في هذا السجن… مشاعره من الداخل… متجهة نحو ضرورة الانتحار… إن الانتحار… أهون من انتظار تنفيذ حكم الإعدام.
بعد دقائق… جاء الحارس… ونظر إليه من فتحات الشباك… وقال له:
- " هيا… طلب خاص"
ابتسم أشرف وهو يقول باستخفاف:
- " خاص!… هل جاءت عائلتي… لإخراجي؟… أم أنه تنفيذ الحكم؟… أم هو العفو؟"
لم يجبه الحارس… اكتفي بفتح الباب… ثم دخل.
في غضون ذلك… وأمسك الحارس… بيد أشرف… وشده ليقف… وقف أشرف… ثم سارا خارجين من الزنزانة… وتابعا السير سويا… حتى وصلا بابا مغلقا… في آخر الممر… وقفا أمام الباب قليلا.
لم يطل الوقت… فُتح الباب… وبدأ أشرف يقلب طرفه… بحثا عن حبل مشنقة معلق… أو شيء مجهز للإعدام… لم يكن ثمة حبل… أو أدوات حادة… لقد كان الباب يفضي إلى ممر صغير… وفي آخر الممر… يوجد باب حديدي أسود… دقق أشرف النظر في الباب… اكتشف أخيرا… أنه بابٌ لسيارة السجن.
شعر أشرف… أن الحارس يشد على يده… بدرجة أقوى… ثم يسحبه… استسلم أشرف… لتلك القوة الساحبة… وسارا عبر الممر… وعندما وصلا باب السيارة… قال له الحارس:
- " اصعد السيارة… هيا"
صعد أشرف… وصعد الحارس… وأغلق باب السيارة… وانطلقت.
2- بلياردو..
الوقت داخل هذا السجن المتنقل… يطول ويطول… والنافذة الصغيرة… في الأعلى… تسمح بدخول قليل من الضوء… مع كثير من الهواء.
الجو البارد… يجعل حاجة السجين… لهواء متجدد… أقرب لحاجته… لعقاب شديد.
ولكن… لا خيار… عينا السجين معصوبتان… ولكنه… ربما استطاع أن يرى عبر عصابة عينيه… ملامح باهتة للأشياء… فقط… عندما يدقق النظر… وربما كانت تلك الطبيعة في غطاء العينين… مقصودة لهدف ما… يعرفه المحققون وحدهم… يدا السجين وقدماه مقيدتان في بعضهما… بيد إنه يستطيع الوقوف والمشي بصعوبة… يوجد صندوق هناك… قد يصلح ليكون مرحاضا… بل هو موضوع لذلك… عند الحاجة… وتوجد قنينة ماء مربوطة بشريط بلاستيكي… وعلبة من البسكويت الرديء المملح.
استمرت الرحلة قرابة الأربع ساعات… ولا يدري السجين… هل هذا الطول في الرحلة… مقصود لذاته… أم لغيره… ولكن… أفكاره كانت منصبة تجاه الموت… الذي ينتظره… وقفت السيارة… ونزل السائق… واجتمع عدد من الحراس… ببنادقهم… حول السيارة… وبعد ربع ساعة… فُتح الباب… وأطل ضابط برتبة ملازم… على أشرف… وقال له:
- " هل أنت بخير؟"
لم يجبه أشرف… أشار الملازم لاثنين من الجنود… طالبا منهم أن ينزلوه من السيارة… وانصرف.
صعد اثنين من العسكر للسيارة… وساعدا أشرف على النزول… وصحباه للداخل.
لم يكن أشرف مشغولا بما حوله… من معطيات هذا الجو العسكري… ولا مفرداته… لقد سار مع سجانه عبر ممرات مضاءة بإضاءة خافته… كان يظن أن النهاية… ستنتهي به إلى زنزانة من نوع ما… بيد أن الطريق انتهي به إلى مصعد… فُتح باب المصعد… وصعد أشرف والسجان… ثم ارتفع المصعد إلى أحد الأدوار العلوية… حسب تقدير أشرف… هو الدور الثالث عشر… وقف المصعد…. وقال السجان:
- " تقدم"
هز أشرف رأسه… وسار في مجاورة السجان… عبر ممرات ملتوية بطريقة ما… ثم فُتح باب حديدي… بطريقة آلية… ودخل أشرف.
الجو داخل هذه الغرفة مكيف… شعر أشرف بهدوء وصمت… وتقدم العسكري… أزال غطاء عيني أشرف… بدت مفردات المكان أكثر أناقة… مكتب واسع… تبدو له شرفة مطلة… بيد أن الستارة المسدلة على الشرفة… تمنع تجاوز البصر لما في الخارج… أثاث مكتبي راقي… وإضاءة خافتة لحد ما.
وهناك… طاولة اجتماعات… وسخان شاي… وثلاجة صغيرة… وعلبة سجائر على الطاولة الصغيرة المجاورة.
التفت أشرف خلفه… التقى بصره بعيني شخص كان واقفا خلفه… رجل طويل… بشارب أصفر غليظ… ومنخرين دقيقين… في أسفل أنف طويل… ونضارة نصف شمسية… وملابس رسمية… قال الرجل الواقف في احتفاء غير نزيه:
- "أهلا… أهلا أشرف… تفضل"
نظر أشرف يمنة ويسرة… كان ينظر في ريبة… لم يعتد على معاملة كهذه… داخل السجن… قال في استغراب:
- "أنا ؟"
- "بالتأكيد… أنت "
تحرك الرجل نحو مكتبه وهو يقول:
- "أنا ديفيد… وأنت هنا ضيفي… لنعتبر أنفسنا أصدقاء"
لم تتوقف عينا أشرف عن الدوران… رجع ديفيد بكرسيه الدوار… للخلف قليلا… ثم سار به يمينا جهة الثلاجة الصغيرة… فتحها… وأخرج علبتي مشروب غازي… أخذها وهو يقول:
- "اجلس… اجلس يا أشرف "
تقدم أشرف ببطء… ولم يجد بدا من أن يجلس… فتح ديفيد علبة المشروب… وقدمها لأشرف مبتسما.
في تلك الأثناء… أحس أشرف بشيء من الاطمئنان… يساوره شيء من الخوف.
ابتسم ديفد… وبدأ يتحدث عن أيام طفولته… وعندما كان طالبا في المرحلة الابتدائية… ثم تحدث عن أعماله العبثية… مع بعض زملائه… وعن قصة غرام غبية… مع إحدى صديقاته… انتهت بأن لقنه أخوخا لكمة فى بطنه… لقد كان يتحدث بكل عفوية… أحيانا ينفعل مع أحداث قصته… وأحيانا يقل حماسه… بيد أن حديثه لا يخلو من براعة… لم يتجاوز دور أشرف أن يكون دور مستمع… صحيح انه كان يبتسم أحيانا… بيد أنه كان يتكلف ألا يضحك… بدا غير متجاوب لحد ما… بيد أن هذا الجو لم يكن بالجو المزعج له… وبعد قرابة النصف ساعة… قام ديفد… وهو يقول:
- " تفضل يا أشرف… أريد أن ألعب معك دورة بلياردو… إذا سمحت"
لم يكن لأشرف من خيار… قام وهو يهز رأسه بالموافقة… سارا قليلا… وفي جزء من تلك الغرفة… فُتح باب كهربائي… وبدت قاعة البلياردو… الواسعة لحد ما… لم يجد أشرف غضاضة في أن يمنح نفسه شيئا من تسلية… تقدم… وحمل إحدى العصي… في حين أعد ديفد عصاه.
بدأ اللعب بهدوء… ثم ازدادت وتيرة الحماس فيه… وأثناء اللعب… كان ديفد يسأل أشرف أسئلة عابرة… عن أشياء تبدو غير ذات أهمية… عن طفولته… أو عن أشياء يحبها… أو عن المصاعب التي واجهها… كان أشرف يجيب باقتضاب… وربما احتال عن الإجابة… مر الوقت سريعا… وبعد لعب ساعة… قال ديفد:
- " شكرا لك أشرف… كنت ماهرا بالفعل… ما رأيك في فنجان من الشاي"
هز أشرف رأسه موافقا… وبعد أن جلس الاثنان… حضر الشاي… وتناول كل منهما فنجانه… خمس دقائق فقط… تحدث فيها ديفد… عن المال والثراء… وألقى أسئلة محدودة… حول الآمال التي يطمح لها أشرف… كان أشرف كثير التشاؤم… لم يبد أي أهداف مستقبلية.
قال ديفد… وهو ينظر بابتهاج نحو أشرف… ويتقدم نحوه قليلا:
- " صديقي العزيز… سأعمل جاهدا… من أجل… من أجل العفو عنك… لا زال المستقبل أمامك… أنت ذكي… وأنت تستحق ذلك… لقد أحببتك"
نظر أشرف باهتمام… وقال :
- " العفو؟"
-" ولم لا… كل شيء يمكن توقعه… في هذا العالم"
مد ديفد يده مصافحا وهو يقول:
_" أراك على خير… أرجو أن أحمل لك الخبر السار… بنفسي"
قام أشرف… وقام ديفد مودعا… وحضر السجان… ليصطحب أشرف لزنزانته.
3- مسرحية إعدام
أسبوعان… مرّا على أشرف… هنا… في زنزانته الضيقة… أفكاره تتنازعها الهواجس والظنون السؤال الذي يطرحه على نفسه باستمرار:
- " ماذا تعني تلك المسرحية؟… هل يمكن أن يكون صاحبها صادقا؟… هل ستتبدل حياتي… للأحسن؟… ولكن… ما الثمن؟… ما القيمة؟… من المستفيد؟"
وقف أشرف… واتجه نحو القضبان… أمسك بها بقوة… السجن يخنقه… يشعره بالضعف والتقزم… لم يشعر أشرف بمشاعر كهذه من قبل.
وبدأت أفكار أشرف تدور في آفاق بعيدة… الحرية… الهواء الطلق… المرح… السعادة… المال… السهرات الحمراء… الحياة المستقرة… المنزل… وربما… ربما الزوجة… الأطفال… الدخول في العمل السياسي… كتابه المقالات… الصحافة.
في تلك الأثناء… سمع أشرف صوت السجان… كان يفتح الزنزانة… ويقول له بعنف:
- " هيا… هيا… قم "
- " إلى أين؟؟"
- " هيا…"
أمسك السجان بيد أشرف… من المعصم… وسحبه بغلظة… سار أشرف منبهرا لهذه المعاملة… واستمر السير في طريق طويل… عبر ردهات طويلة… واسعة حينا… وضيقة حينا… وجدران غير مدهونة… وأخيرا… أفضى الطريق لحجرة ضيقة… في سقفها حبل مدلي… وقف أشرف… نظر مليا… أدرك كل ما حوله… إنها النهاية… نظر له السجان… وقال:
- "اجلس… هنا… على الأرض"
لم ينبس أشرف بكلمة… جلس بهدوء وتسليم… في حين خرج السجان… وأقفل الباب خلفه.
مرت على أشرف خمس دقائق… كان خلالها مطأطئا بصره للأرض… لقد شعر بصدمة رهيبة… إنه الآن في الغرفة المعدة للموت… أدرك ذلك… بمجرد رؤيته حبل المشنقة… بعدها… دخل في نوبة من الذهول… ولكنه الآن… عاد لصوابه بعض الشيء… قرر أن يحيل طرفة في المفردات من حوله.
هناك… إنها طاولة موصلة بالتيار الكهربائي… وأرضية من الرخام… فيها فتحة صغيرة… لتصريف الدم… في حالة الإعدام رميا بالرصاص.
لم يطل الوقت… جاء شخصان موكلان بتنفيذ الحكم… فتحا الباب… دخلا… وقفا متقابلين… أمام أشرف… وقالا له:
- " هيا… قم… لقد تم تأخير تنفيذ الحكم… هناك بعض الترتيبات"
قام أشرف… الدنيا تدور به… سار في شبه بلاهة… عاد في صحبة أحد الرجلين… وفي منتصف الطريق… استلمه السجان الخاص به… وسار معه عبر الممرات ذاتها… حتى وصلا زنزانته… أدخله الزنزانة… وتركه.
لم يجد أشرف تفسيرا لكل هذا… حدث نفسه:
- " هل هي مسرحية أخري… كتلك التي وعدني فيها المحقق… بالعفو؟… أم أن الحكم سيتأخر… بالفعل… يوما أو يومين… أو ساعة أو ساعتين"
أحس أشرف بتوتر نفسي شديد… وبعد دقائق… وصل الطعام… أدخله السجان… قال له:
- " تفضل طعامك"
ثم خرج.
نظر أشرف للطعام… كان زاهدا أشد الزهد… حمله الطبق بعنف… القي به على لأرض… بيد أن السجان… دخل عليه بغلظة… وأمره بأن ينظف كل شيء… وأخبره أنه سيحرم من الوجبة القادمة… ومن الأفضل له… أن يحتفظ بشيء من هذه البقايا… ليأكلها لاحقا.
لم يلق أشرف كبير اهتمام لكلام السجان… وإنما أعاد ظهره للخلف… قليلا قليلا… ليتكئ على الجدار… وبدأ يعيد صورا كثيرة طرأت على مخيلته.
الفصل السابع
1- إيناس تخرج من المشفى
الشمس في كبد السماء… وامرأة تلقي نظراتها البريئة… هنا وهناك… وتخرج من باب المصحة النفسية… وتسير بجوارها الممرضة والطبيبة… من ملامحها… يبدو أنها لم تتماثل للشفاء بعد… لكن الطبيبة… رأت أن حالتها المستعصية… لن يكون علاجها في بقائها في المصحة… وربما يكون شيء من علاجها… في عودتها للمنزل.
أثناء ذلك… خرجت والدة إيناس من باب المصحة… وفي يدها مجموعة من الأوراق… وكيس يحوي عددا من الأدوية… وقفت الوالدة… جوار ابنتها… ووضعت يدها في يدها.
كانت السيارة الخاصة بالمشفى… واقفة أمامهم… وسارتا نحو السيارة… وركبتا… وانطلقت السيارة… نحو منزل أم إيناس.
مر الوقت سريعا… إيناس في السيارة… مشغولة بإطلاق كلمات النقد… على كل شيء تراه… سواء في السيارة… أو في الشارع… أو في طريقة سائق السيارة في القيادة… وتبدو انتقاداتها حكيمة لحد ما… لم يخف السائق بعض إعجابه بآراء الفتاة… لذا قال:
- " الحقيقة… إن كثير من العقلاء… ربما اتهموا بالجنون… وكثير من المجانين… ربما كانوا أكثر عقلا من العقلاء"
لم ترق هذه الكلمات لإيناس… لذا ردت:
- " أنا أتهمك بأنك مجنون… هل تراني على حق"
توقف السائق عن الحديث… وبدأ يفكر في هذه الكلمة… حدث نفسه:
- " هل تراها تقصد إن حكمها علي… يكون صائبا… لأني زكيتها من قبل"
لم يجد السائق بدا من الصمت… في حين صبت إيناس جام نقدها عليه… في قيادته… وفي قسمات وجهه… وفي ملابسة… ولم يكن قادرا على الرد.
لم يطل الوقت… ليست سوى نصف ساعة… وها هي تلك… أم إيناس… تنزل من السيارة… وتمسك يد ابنتها… وتنزل إيناس… ثم تسيران سويا… لباب المنزل… تفتح الأم باب منزلها… وتدخل… في حين بقيت إيناس في الخارج… تتأمل قليلا… ثم دخلت.
2- الطريق الصحيح
في صباح اليوم التالي… خرجت إيناس من المنزل… إنها هادئة بعض الشيء… لم تشأ والدتها أن تمنعها… ولكنها بقيت تراقبها… بدأت إيناس تسير بجوار المنزل… سارت لآخر الشارع… ثم عادت.
نظرات إيناس… ساهية في الأفق… كثيراً ما تحدث نفسها… وجل الحيث حول ابنها الذي فقدته… ومع ارتفاع الشمس… قليلا… عادت للمنزل… كانت أمها قد أعدت الإفطار.
جلست المرأتان… على المائدة… بدأت الأم في تقديم بعض الأطباق… لابنتها… لا مشكلة كبيرة… لدى إيناس… إنها تشعر بالكثير من الاستقرار… بعد أن غادرت المشفى… الذي لم يكن يمثل لها… سوى حلقة من كابوس كبير… ستتفرغ الآن… لحياتها التي قررت أن تكون مختلفة كليا… عن حياة الآخرين.. توصيات المشفى للأم… كانت واضحة… إيناس تحتاج أن تعيش عالمها الخاص… كما هو… دون تدخل من أحد… عندها… لن تكون مؤذية لنفسها… ولا للآخرين… تفهمت الأم ذلك… وقررت أن تطبقه حرفيا… مع ابنتها.
مع انتهاء وجبة الإفطار… خرجت إيناس من المنزل… وبدت تسير في الشارع الطويل… نظراتها منصبة للسماء… ولا تحرم نفسها من التقاط شيء من هنا أو من هناك… في هذا الشارع الطويل… كرتون… عصا طويلة … قطعة حديد.. أسلاك معدنية ألعاب أطفال.
بقيت إيناس على هذا الحال… حتى انتصفت الشمس… في كبد السماء… أمها تلقي لها نظراتها… بين الفينة والأخرى… ومع ارتفاع حرارة الشمس… عادت إيناس للمنزل… إنها أكثر أريحية… بدا على وجهها ابتسامة صغيرة… هذا ما قذف الفأل في قلب والدتها… اتصلت الأم بالمشفى… وشرحت لهم كل شيء… وكان رد الدكتورة… مطمئنا… لقد أكدت على أن اتخاذ خطوة إخراج إيناس… كان صائبا… ويلزم متابعة الحالة… دون أن يكون الأطباء في الصورة .
الفصل الثامن
1- حرية أشرف
سارت الأيام ببطء… وثقل… كسير سلحفاة كسولة… وهناك… ها هو أشرف… يسير مكبل اليدين… والقدمين… في الممرات ذاتها… ويصعد المصعد ذاته… ويتقدم… لقف أمام الباب ذاته… المفضي للمكتب الأنيق.
يُفتح الباب… ويدخل أشرف… والحارس… ثم يتركة الحارس… ويخرج… في حين يقلب أشرف طرفة… وكأنه يبحث عن شيء ما… وأخيرا… يراه هناك… ديفد… الرجل الغامض… يطأطي أشرف رأسه… في حين يقف ديفيد فجأة… ويسير ناحية لوحة سريالية… معلقة على الجدار… ينظر إليها بتأمل… ثم يقول:
- " أشرف… أنت محظوظ… أنت بالفعل محظوظ… بالطبع… ستقول… كلا… لأني سجين… و… محكوم بالإعدام… وأيامي الباقية معدودة… بيد أني أؤكد لك… أنك محظوظ"
استدار ديفيد… لينظر في وجه أشرف… ثم اقترب بوجهه منه… وقال:
- " سوف تنجو… سوف تنجو من الموت… ومن السجن… وستعيش طليقا"
شعر أشرف بمزيد من التوتر… أحس أن هذا الرجل… أمامه… يهذي… أو مسطول… ولكن:
- " هل يمكن أن يكون جادا فيما يقول؟"
تقدم ديفد… حمل علبة سجائر… فتحها… وسحب واحده لمنتصفها… ثم قدمها لأشرف… قائلا:
- " هدئ من توتر أعصابك… تبدو مضطربا… أعلم… أعلم… لا يمكن لمحكوم بالإعدام… أن يستسيغ نبأ العفو عنه… أو يتقبله… دون توتر وشكوك… ولكن… صدقني… أنت محظوظ… وكما يقول المصريون (حماتك بتحبك… هـ…هـ…هـ) "
وجد أشرف في هذه الجملة… نكتة… تستحق منه التبسم… بيد أنه لم يضحك… في حين أكمل ديفد:
- " ليس هذا كل شيء… ستكون حياتك خارج السجن… مريحة.. مرحة… أنت تحب المال… تعبده… أعرف… من الظلم أن تخرج من السجن… للعراء… للشارع… لا… لا… حينها… ستعود للسرقة… والقتل… ثم تعود للسجن… وكأنك لم تستفد شيئا… أنظر… هذا الشيك مدون باسمك… ويحوي مبلغاً من المال… انظر"
نظر أشرف… تناول الشيك… قلبه… ثم أعاده… في حين أكمل ديفيد:
- " إنه مبلغ… مليون دولار… ألم تقرأ… أنه باسمك… ليس هذا فحسب… وماذا يفعل بك المليون؟… إذا لم يكن لديك منزلا… لا تقلق يا صديقي… انظر"
أخرج ديفد ورقة من الدرج… وقال:
- " هذا صك التملك… لمنزل جميل… بحديقته… في لوس أنجلوس… ستكون سعيدا… أنت تستحق ذلك… ما رأيك؟"
لم يجب أشرف… اكتفي بالنظر إلى ديفد… نظر له بريبة أكبر… في حين أكمل ديفد مستجديا:
- " ما رأيك؟ "
قال أشرف:
- " هل يمكني أن أسأل؟… ما الثمن لكل هذا؟"
ضحك ديفد قائلا:
- " الثمن… وهل فعل الخير… يحتاج لثمن؟"
- " هذا ما تقوله الحياة"
- " بالتأكيد… أنت ذكي… وردك هذا أذكي… ولكن قل لي… لو كان الثمن قليلا… هل يمكنك دفعه؟"
- " قليل؟… لم أفهم!"
- " صدقني… ستدفع ثمنا قليلاً… مقابل كل ذلك… على كل… لن استعجل الإجابة… سأستدعيك في وقت لاحق"
دخل السجان… واصطحب أشرف خارج الغرفة.
2- أسرار شخصية أشرف
تقف السيارة السوداء… في المواقف السفلية… وينزل ديفد… بسرعة واهتمام… من تلك السيارة… في يده حقيبة بنية… يضع نظارته الشمسية في الحافظة الصغيرة… المعلقة في حزام سرواله الأسود… ويواصل السير… نحو المصعد… يضغط الزر… ينتظر قليلاً في توتر… وما إن يفتح المصعد بابه… حتى يركب ديفد… ويقفل الباب… ويطلب الدور الحادي والأربعين.
مر وقت قصير… وقف المصعد… ونزل ديفيد… وأبرز بطاقته للحارس… ابتسم له الحارس… ومد له يده… في إشارة للسماح له بمواصلة السير.
دخل ديفد بهدوء… قدم بطاقته للسكرتيرة الجالسة باهتمام… في مكتبها… وقفت السكرتيرة وقالت:
- " تفضل"
دخل ديفد… بعد أن طرق الباب… تقدم قليلا… ثم وقف… وحين رآه الدكتور (بيل جيمس)… وقف وقال :
- " هيا… هيا… بسرعة… هل جميع أوراقك جاهزة؟"
سار بيل جيمس… وسار دفيد خلفه… وقصدا كرسيين متقابلين… أمام النافذة الكبيرة… المطلة على ميدان (روبرت) الشهير.
جلس بيل… وجلس ديفد… وبدأ ديفد باهتمام… فتح الحقيبة… وأخرج رزمة من الأوراق… في حين قال بيل:
- "هل درستم جميع عناصر شخصيته؟"
- " نعم سيدي"
- " الخبراء الذين تابعوا مقابلتك معه… وتابعو عملية الإعدام الوهمية… يثنون على دورك… لقد أحسنت"
كبس بيل على الزر المجاور… وقال في شيء من اللامبالاة:
- " قهوة"
ثم التفت لديفد وقال:
- "تريد قهوة"
"قهوة بالحليب… لو تكرمت"
ضغط على الزر… وقال:
- "وقهوة بالحليب"
ثم عاد مهتما وقال:
- " قل يا ديفد… بم توحي النتائج"
- " هذه سيدي توصيات الدكتور وليم… يقول… (الشخصية قوية… حذرة… متوجسة… تنزع للأنانية) "
- " والتوصيات؟"
- " التوصيات… هنا… يقول… (الشخصية صالحة للمهمة)"
- " جيد… ماذا أيضا؟ "
- " الدكتور هاري روز… يقول… (الشخصية أنانية لحد كبير… ولديها مؤهلات قيادية… وتجيد تقمص الأدوار) "
- " بم يوصي؟ "
- " يوصي بـ ( الشخصية صالحة للمهمة… في حالة وجود حوافز كبيرة) "
- "حوافز كبيرة؟… أموال مثلا… هذا سهل… ماذا أيضا؟"
- " الدكتورة سالي بيتر… "
- " نعم… يهمني رأيها جدا"
- " تقول… (الشخصية غامضة… لا يمكن الوثوق بها… عاطفية بإفراط)"
- "هـ… هـ… هـ… غريب… وماذا"
- " تقول ( يجب إخضاعها للمزيد من الرصد والمراقبة… ويمكن استخدام أساليب العنف معها لترهيبها"
- "هذا ممكن… سندرس هذا الأمر جيدا… وماذا أيضا؟"
- " الدكتور (بالي توني)… يري أن أصوله العربية… لا تجعله مؤهلا لهذه المهمة"
- " نعم… هو يفترض تغير الشخصية عند تغير البيئة"
- " نعم… وهنا في التوصيات… يري أن عودته لموطنه الأم… ربما يقلب شخصيته"
- " جيد… تؤخذ هذه الملاحظات في الاعتبار… ويتم تعريضه لاختبارات وخبرات أكثر… لبحث إمكانية تغيره"
استمر دفيد في استعراض توصيات الخبراء… حول شخصية أشرف… وإمكانية تغيير بعض النميطات فيها… لتأهيله للمهمة الخاصة… التي يُعدّونه لها… وبعد قرابة الساعة والنصف… قال الدكتور بيل:
- " الوضع الآن… فيما يبدو لي… يجعل احتمال مناسبة هذه الشخصية… للمهمة… كبير… سيتم عرض ملف كل خبير من الخبراء… ممن قدموا توصياتهم… على خبراء آخرين… لن نستعجل في اتخاذ القرار… هناك تعاون أمني مع الدولة التي تعود أصول أشرف إليها… سنأخذ ملفا كاملا عن بيئته وحياة أسرته هناك… وأشياء أخري"
- "سيدي… ولكن الوقت… الوقت يداهمنا… وأنا قد أعددت للجلسات التالية… التي سأسجلها معه"
- " لا بأس… لن نتأخر… هيئ نفسك… لتخبره الاختبارات التي أعددتها… اهتم كثيرا بوضوح الصور التي ستلتقطها عدسات الكاميرات لكما… وأيضا… اهتم بوضوح الصوت… كونا قريبين من أجهزة اللاقط… أنت تعرف عملك جيدا… لكني أذكرك… وعند وصول توصيات الخبراء… سندرسها مع الوزير ومستشاريه… وسنتخذ القرار… ونخبرك"
3- الاتفاقية
عيناه ثابتتان… تنظران هناك… وأفكاره تجول في أماكن كثيرة… في هذه الدنيا… المنطلقة للأمام دائما… والتي تأبى قصتها أن تنسجم مع عقله.
لا شيء هنا يعطي للحياة قيمة… لا شيء… ومن بين تلك الأصوات الكثيرة… التي ترتطم داخل رأسه… يرتفع شيئا فشيئا… صوت قرع أقدام السجان… وهو يتقدم نحوه… لم يطل الوقت… حضر السجان… وفتح باب الزنزانة… وبدأ يتحدث بتجهم:
- " هيا قم"
- " إلى أين"
- " لا أدري… هيا قم"
يقف أشرف… يرتدي حذاءه… في حين يضع السجان السلاسل في يديه وقدميه… ثم يخرجان سويا.
عصبت عينا أشرف… وسارا مع الممرات ذاتها… ووصلا الباب… لذي يفضي لقفص سيارة… ركبا السيارة… وانطلقت السيارة… بدا أنها تدور في طرق متقاربة… ثم توقفت… ونزل أشرف… واستقبله عدد من الحراس… واقتادوه إلى المبنى الكبير… ثم أدخلوه المصعد… وارتفع المصعد… ووقف… نزل أشرف… وسار مع سجانه… وأخيرا… وصلا لباب خشبي… فتح الباب… وقال السجان:
- " أدخل"
دخل أشرف… بتثاقل… قلّب نظرة… دون اهتمام يذكر… إنه يدخل هذا المكان… للمرة الثالثة… تلك الحجرة الغامضة… الكئيبة… التي تحمل أسرارا غامضة.
وهناك… يجلس ديفد… على مكتبه… ولكنه وقف فجأة… وترك أوراقا كانت في يده… وتقدم نحو أشرف في اهتمام… وهو يقول:
- "أهلا بك… أهلا… كنت متطلعا لمقابلتك… خلال الأيام السابقة… ولكن… للأسف… لم أتمكن من ذلك… على كلٍ… ها نحن نلتقي… وأنا لا زلت عند وعدي… إن من عادتي… ألاّ أخلف الوعد"
نظر أشرف بتوتر… تذكر المسرحية السخيفة التي عرضت أمامه… وشاهد فيها لحظات موته دون أن يموت… قال ديفد:
- " سمعت أنهم أرادوا تنفيذ حكم الإعدام بك… ولكني سعيت بكل جهدي لإيقافه… لقد أوقف الحكم… سعدت لذلك كثيرا… هل لديك ما تقوله يا أشرف"
رفع أشرف رأسه بهدوء… وقال:
- " أريد أن أعرف… فقط… ما الذي تريده أنت بالضبط؟"
وقف ديفد… وسار بهدوء… نحو شجرة ظل مجاورة… وقف عندها… صمت قليلاً… أمسك بإحدى ورقاتها وقال:
- " ستخرج من هذا السجن… أعرف أنه سجن لعين… وستنعم بالحرية… ليس هذا فحسب… بل ستجد وظيفة مرموقة… خاصة بك… و… ستسافر… وتتمتع… وسيكون لك في البنك… أموالا… ليست طائلة بالتأكيد… ولكنها مجزية… وربما ستنتهي وظيفتك خلال سنوات… وبعدها… ستتفرغ للاستجمام والتمتع"
- " وظيفة … وظيفة ماذا؟"
- " هل تحب أمريكا؟"
- " لم أفهم!"
- " تاريخك يقول أنك تحبها… لذا… تم ترشيحك… لمهمة تاريخية… من أجل أمريكا"
- " لم أفهم!"
- "أنت مسلم… و… تجيد العربية… و… ذكي… و… أيضا… محكوم عليك بالإعدام… وتحب المال والثراء… ليس لديك عمل… أليس كذلك؟"
- " نعم "
- " اسمعني جيدا… سأكون واضحا للغاية… أنت الآن… يا أشرف… قادر على حل جميع مشكلاتك… ولكن فقط… لو اتفقت معي على أمر"
- " أمر… أمر ماذا؟"
- " أنا سأعرضه عليك الآن… هل أنت مستعد للتفكير فيه؟… فقط… التفكير"
قال أشرف متفائلا… في شيء من الحذر:
- " التفكير؟… ولم لا؟"
- "إذن عليك أن تفكر"
- " فيم؟ "
- " في السفر… السفر لبعض البلدان الشرقية… والمكوث فيها… معززا مكرما"
- " معززا مكرما؟… وما السبب؟"
- " فقط… نحن… نحن نريد منك… موافاتنا… ببعض المعلومات"
- معلومات… معلومات ماذا"
- " معلومات… حول بعض القضايا… المسألة سهلة للغاية… ستقابل مسئولين… وصناع قرار… ستكون فردا مقبولا… ومرحبا به… وبالطبع… ستغير ملامح شخصيتك"
ابتسم أشرف… وقال:
- " عميل!… جاسوس!… أليس كذلك؟… تريدون مني العمل معكم في وظيفة جاسوس؟"
ابتسم ديفد بدوره… وقال:
- "أنت ذكي… كما توقعت"
- " ليس من الذكاء… يا صديقي… أن يخاطر الإنسان بحياته… ويعمل جاسوسا "
- " صحيح… هذا فقط… إذا لم يكن في الأصل… محكوما بالإعدام"
- " لا… أقصد أنتم … أنتم تخاطرون بحياتكم… في التعامل معي… والثقة في صلاحيتي كعميل… أنا مجرم… كيف تجرأتم… ووثقتم في"
- " آه… تقصد ذلك… لا عليك… نحن نثق بك… وحسب"
- " جيد… ثقتكم شرف لي… هـ… هـ… هـ… هل تعرفون الشرف"
ابتسم ديفد… في حين أكمل أشرف:
- " ولكن … أنت تعلم… خطورة هذه المهمة… ثم… أنتم تقدمونني… لما يشبه حبل المشنقة… وفي الوقت ذاته… أنتم تستفيدون مني… هذه أنانية… هـ هـ هـ"
- " لا يا صاح… نحن حريصون على حياتك… أنت مكسب لنا… ثم… ليس بالضرورة… وجود المخاطر… ربما الوضع يتحدد… بحسب أدائك… وعلى كل حال… ليست بأكثر خطورة من الوضع الراهن لك… أليس كذلك"
أدار أشرف عينيه… وقال:
- " والمقابل؟"
- " حريتك… ثراءك… نجاتك من الموت "
- " كم المدة؟"
- " لا تزيد عن خمس سنوات… بعدها… ستحصل على تقاعد مرتفع… لن تندم… أبدا… هذا في حال إخلاصك في عملك "
- " والمخاطر؟"
- " كما قلت… كل ذلك… يرجع لنجاحك… سندعمك بكل ما تريد… لن يكون ثمة مجهود عضلي… أو عقلي… فقط… تتبع الأوامر… وتسمع… وترسل… وتقوم بأعمال سهلة… ستصلك التوصيات أولا بأول… كل ما عليك… هو إخفاء شخصيتك الحقيقية… خلف شخصية أخري"
هز أشرف رأسه وقال:
- " على أن أفكر"
- " بالطبع… عليك أن تفكر… سآخذ جوابك بعد يومين… وعند موافقتك… ستكون في اليوم الثالث… على متن طائرة مغادرة… لمكان جميل… تقضي فيه أجازة أسبوع… أو… في حال عدم موافقتك… ربما… ستكون… على متن نعش مغادر… لمثواك الأخير"
نظر أشرف بدهاء… هز رأسه… وقال:
- " تجيدون وضع الخيارات… ويا لها من خيارات"
الفصل التاسع
1- قصة السلّم
الشمس تشرق كعادتها… وغبارٌ مجتمع في الأفق كالعادة… يوحي بطقس لا يسر.
مرت دقائق… وفتح باب منزل أم إيناس… وخرجت إيناس.
بسمة ساحرة… ترتسم على وجهها… بقيت دقائق تتأمل قرص الشمس… ثم اتجهت للطريق الطويل أمامها.
خرجت أمها في تلك الأثناء.. ألقت بصرها خلف ابنتها… كانت إيناس تنظر لأشجار الرصيف… تتأملها بتدقيق… ثم تواصل سيرها… وهناك… وصلت لتلك الشجرة الكبيرة… وقفت جوارها… دققت النظر فيها… أكثر وأكثر… حاولت أن تتسلقها… ولكنها لم تستطع… نظرت يمنة ويسرة… رأت العامل المسئول عن الرصيف… وعن سقي الأشجار… واقفا هناك… إنه يعد أدواته… ليصعد إحدى الأشجار… كي يقلمها… بيد إن السلم المجاور له… لفت نظر إيناس.
سارت إيناس… نحو ذلك الرجل… وعندما وصلت… نظرت إلية… وهزت رأسها… ثم انحنت… وحملت السلم.
رآها الرجل… أسد الرحمن… شعر بدهشة كبيرة… لم يحرك ساكنا… وعندما بدأت بالسير مغادرة… قال لها في أدب:
- " هل أحمل السلم بدلا عنك"
أعادت إيناس النظر نحوه… ثم قالت:
- " نعم"
- " هذا يسعدني… أنا أعلم… السلم ثقيل… ولكن… أين سأذهب به"
- " هناك… لتلك الشجرة"
حمل أسد الرحمن السلم… والدهشة تكاد تدير رأسه… وسار خلف إيناس… وعندما وصلا الشجرة… قالت له:
- " ضع السلم هنا"
وضع أسد الرحمن السلم… على ساق الشجرة… وبقي واقفا… لم يرق إيناس… أن رأته واقفا… لذا قالت له:
- " ما ذا تريد من بقائك هنا"
- " هل تريدين مني أن أذهب"
- " نعم"
- " ولكن… السلم… أنا في حاجته"
- " السلم!… ولم أحضرته ما دمت في حاجته"
- أنت طلبته ذلك مني"
- "لمَ لم تقل لي عندما طلبته منك… لماذا المجاملة والنفاق… لماذا لا تكون صادقا وصريحا مع الآخرين؟"
- " ولكني أردت مساعدتك"
- " أردت مساعدتي؟… فلم تطلب السلم مني الآن"
ابتسم أسد الرحمن… في حين رأى والدة إيناس… تشير له من هناك… بأن يأتي نحوها.
سار أسد الرحمن… نحو والدة إيناس… كان قلقا بعض الشيء.
في حين وقفت إيناس… جوار السلم… هزته قليلا… للتأكد من مدى ثباته… على ساق الشجرة… ثم صعدت.
وصل أسد الرحمن… إلى أم إيناس… وقال لها:
- " السلام عليكم"
- " وعليكم السلام "
- " هل الفتاة قريبة لك؟"
- " نعم… إنها ابنتي"
- " هل هي بخير؟"
- " بخير… ما ذا قالت لك آنفا؟"
- " فقط أخذت السلم… لم تقل شيئا"
- " ولكني رأيتك تحمله لها"
- "نعم… حملته عنها… عندما لم تستطع حمله"
- " هل السلم لك؟"
- " نعم… أنا أستخدمه في الصعود للأشجار… أنا هنا مسئول تقليم أشجار الشارع… وعلي الاعتناء بها… إنها وظيفتي"
- " ولكن… لم حملته لها؟"
- " حسبتها تريده في أمر هام"
- تبدو رجلا طيبا"
- " شكرا… إنها كابنتي… لم أرد أن أكسر قلبها"
- " بارك الله فيك"
- " ولكن… الحقيقة… تعاملها كان غريبا… هل هي طبيعية؟ "
- " إيه… كانت طبيعية… لقد خرجت لتوها من المشفى النفسي… حالتها سيئة… تعرضت لكثير من المصائب… من أقلها المخدرات… قتلت ابنها… خطأ… قتلت زوجها… وهي الآن تعاني أمراضاً نفسية كثيرة… ربما من يراها… يقول هي مجنونة… ولكن الأطباء… قالوا… من المهم كي يتقدم علاجها… أن تعيش حياتها دون أي ضغوط… لذا… أنا اتركها تفعل ما تريد… وهي تحب السير عبر الشارع"
- " لا تقلقي… أنا أداوم البقاء في هذا الشارع… عملي هنا… سوف أرعاها… قدر المستطاع"
- " أكون لك من الشاكرين "
- " اطمئني"
2- بيت رائع
تشرق الشمس… ومع إشراقها… يعمل المنشار اليدوي… في قطع بعض أغصان الشجرة… وهناك… تبدو إيناس… إنها تخطط لعمل شيء ما… إنها في أعلى الشجرة… تنشر الأغصان بهدوء… لم يطل الوقت… نزلت إيناس… من الشجرة… عبر السلم…. ووقفت على الرصيف.
بدأت تنظر… جوارها ألواح وأخشاب… لقد جمعتها خلال الأيام السابقة… من بقايا بعض العمارات المنشأة حديثا… في الحي… وهناك مسامير… ومطرقة… وحبال… وأسلاك.
بدأت إيناس في حمل بعض الأخشاب… والصعود بها للشجرة… وضعتها في مكان مستوٍ… حملت واحدة منها… وبدأت في تثبيتها بالمسامير.
تبدو إيناس منسجمة مع عملها هذا… وتبدو دقيقة جدا في تنفيذه… إنها تقيس… وتوازن… وهي متأنية كامل الأناة.
لم يطل الوقت… ها هو من هناك… أسد الرحمن… قادم نحوها.
وصل أسد الرحمن للشجرة… ألقى السلام… وبقي ينتظر.
إيناس لم ترد عليه السلام… بقيت منهمكة في العمل… ولكنها بعد دقائق رأته في الأسفل… ألقت له طرفها… ثم عادت للعمل.
ولكنه ابتسم لها.. وقال:
- " تريدين قطعة الخشب تلك "
نظرت له نظرة فاحصة… ثم هزت رأسها موافقة.
حمل أسد الرحمن… قطعة الخشب… وناولها إياها.
استمر الحال بهذه الطريقة… أسد الرحمن يقدم التوصيات… أو يناول الخشب والمسامير… وإيناس توازن وتدق… أو تنشر.
مرت ثلاث ساعات… ومن المنزل… هناك… جاءت أم إيناس… إنها تحمل فطور ابنها… وصلت لابنها… ألقت السلام… ونظرت لأسد الرحمن شاكرة… وضعت الفطور وهي تقول :
- " هيا يا إيناس… هذا فطورك"
قالت إيناس:
- " وفطور هذا العامل… الذي يعمل لدي من طلوع الشمس… أين هو؟"
قالت الأم:
- " آسفة… لم أنتبه "
قال أسد الرحمن:
- " لا… لا… أنا فطوري معد هناك… إنه في بداية الطريق… وأنا الآن سأذهب… ينتظرني الكثير من العمل "
بقي الحال على هذا الحال… ومر أسبوعان… وفي نهايتهما.. كان لدى إيناس… بيت رائع… على أغصان الشجرة… إنه بالفعل… بيت جميل… لقد ساعدها أسد الرحمن… في بنائه… كان يحضر لها الأخشاب… ويساعدها في القص.
وعندما انتهى البناء… فرشت إيناس منزلها… كان له نافذة… وشرفة للجلوس… وسرير… ووضعت موقدا صغيرا… وأدوات لإعداد الشاي والقهوة… وأشياء أخرى.
الفصل العاشر
1- في المطبخ
لم يطل الوقت… ها هي السيارة تقف… وها هي الدكتورة نورة… تنزل… هواجس كثيرة تدور في ذهنها… دخلت المنزل… اتجهت لغرفتها… وبعد أن بدلت ملابسها… عادت بهدوء… كانت تريد إلقاء نفسها على المقعد… أمام التلفزيون… ولكنها رأت باب المطبخ… نظرت إليه بحسرة شديدة… وضعت يدها على خدها ثوان… جالت بخاطرها فكرة… سارت بحيوية… دخلت المطبخ… وألقت السلام على الخادمة… من مدة لم تدخل الدكتورة نورة مطبخها هذا:
- " ياه ".
فتحت نورة أحد الأدراج… قلبت طرفها قليلا… أقفلت الدُّرج… ثم عادت للخلف… زفرت زفرة طويلة… إنها تشعر بحنين شديد لكل شيء داخل هذا المطبخ… الذي يبدو راقياً لأقصى الحدود… الملاعق… الصحون… السكاكين… حتى الكبريت… والمريلة… المريلة… مدت نورة يدها… تناولت المريلة المعلقة… لبستها… وفتحت باب الثلاجة.
كثير من همومها بدأ في الزوال… وكثير من مشاعر أمومتها… بدأت تداعبها… أمسكت السكين… ابتسمت… ثم أعادتها… وانطلقت إلى غرفة جمال… دخلت عليه… إنه منهمك في تركيب أجزاء مركبة فضائية مصغرة… قبلته بحنان… وجلست جواره… ساعدته قليلاً… ولكنها توقفت… لتُجيل طرفها في أنحاء الغرفة.
أمريكا… هنا أمريكا… إنها أمريكا المصغرة… قامت نورة… اقتربت من الصور الموجودة في الجدار… إنها تتغير باستمرار… ولكنها تحكي الأشياء ذاتها… الخيول… رعاة البقر… الشلالات… أبراج عالية… صورة لـ" سبايدرمان ".
نظرت نورة للسقف… البيت الأبيض… هو كما هو… يمتد لأربعين بوصة عبر السقف… أكملت نورة مطالعة الصور… لفت نظرها صورة غريبة… بعض الشيء… شاطئ… وفتيات شبه عاريات… هزت رأسها في استغراب… ثم عادت إلى جمال… كي تساعده في إكمال بناء مركبته… شعرت أن كثيراً من همومها زال.
عادت لذهنها فكرة المطبخ… لم يطل تفكيرها… قامت… لقد قررت أن تقوم اليوم… بعمل رائع… ستعد عشاء أسرتها… وستمسح بهذه الطريقة كثيراً من همومها… ستكون الأسرة سعيدة… لأنها ستتناول العشاء… من يد الدكتورة نورة.
سار الوقت للأمام… ساعة ونصف… ليصل كامل… انه في الخارج… أدار القفل… ودخل… ومع دخوله… استقبلته زوجته بالمريلة… شعر بدهشة كبيرة… ولكن دهشته كانت أكبر… عندما علم أنه سيتناول العشاء… من يدها.
2- على المائدة
لم يمض طويلٌ من الوقت… ها هي الأسرة الصغيرة… تجلس على المائدة… وها هي السكاكين… والشوكات… تعمل عملها… في الوجبة الرائعة.
انتهى العشاء… وبقيت كلمات الشكر… تنساب على لسان كامل… وبعد قليل… سيشربون الشاي… وهذه المرة… سيكون الشاي… من يد نورة أيضا.
أعدت نورة الشاي… وحملته… اتجهت لصالة الجلوس… هناك يجلس زوجها… جلست نورة… وسكبت الشاي… وانبعثت رائحة النعناع… مع بخاره… وابتدأت أحاديث أنس جميلة.
استمرت أحاديث الأنس… لم تتحدث نورة… عن مشكلتها اليوم… مع مريضتها… لأنها لم تشأ ذلك… وفي لحظة ما… من لحظات تلك الجلسة… وقف الكلام… وعم الصمت… ليحمل كامل جهاز التحكم… ويفتح التلفاز.
القنوات تتغير بسرعة… بسبب دواسة على الأزرار… وأخيراً… ها هي الأخبار.
صدرت ضحكة مدوية… من فم كامل… عندما شاهد الصورة… بالطبع… قبل أن يعرف الخبر… لكنه قال:
- " أفغان… هـ… هـ… هـ… أفغان… وماذا لديكم يا ترى من أخبار… أنظري ملابسهم الفضفاضة… ولحاهم الثائرة… يالكم من طالبان".
أراد كامل أن يقلب القناة… ولكن شيئاً ما حصل… جعله يتراجع عن إتمام كبس الزر… لقد ظهرت كتابة في الشريط السفلي… مفادها (تماثيل باميال).
توقف كامل قليلاً يتأمل… ثم نظر ناحية نورة… ورفع الصوت… وبدأ يستمع… أما نورة… فلم تبد أي اهتمام بالموضوع.
لم يطل الخبر… لقد بدت الصورة التي ثار منها الدخان والغبار… وتتابع التكبير:
- " الله أكبر الله أكبر ".
وقف كامل… وتقدم جهة التلفاز… ثم ركز بصره… أشبه بمن أصابته الدهشة… ثم قلب على قناة أخرى… ليرى الخبر من بدايته… ظهرت الأخبار من جديد… وظهر التعليق:
- " لقد قامت حكومة طالبان… بزرع الألغام… في التماثيل البوذية… وفجرتها… لتتحول التماثيل إلى ركام… إيماناً من الحكومة… بأن هذه التماثيل… أصنام".
صرخ كامل بعنف… ضرب بيده على رأسه… وبدأ يروح ويجيء في الغرفة… كالمجنون… كان يردد:
- " هذا الموروث البشري العظيم… هذه المنحوتات القيّمة… التاريخ بأسره… يقوم الأفغان بتدميره… بأي مبرر… ومن أي وجه حق… حمقى… جهلة… أعداء للحضارة… بعيدون عن القيم… هذه الحكومة المنحرفة… يجب أن تزول من الدنيا… إنها وصمة عار… على جبين القرن الواحد والعشرين… إنها ندبة… ندبة غائرة… في خد الحضارة… هل رأيتِ يا نورة… هل رأيتِ ؟ ".
- " بالفعل… جريمة لا تغتفر ".
- " أين الدول العظمى… من إيقاف هذه الهمجية ؟ ".
هزت نورة رأسها… في حين أكمل كامل:
- " يجب أن يكون هناك يد قبضتها من حديد… توقف هذه البربرية… عند حدها… أناس متوحشون… انظري… انظري… ثيابهم… ووجوههم… أنظري… هذا الشعر الكثيف… في وجوههم… يظنون أنهم لازالوا في القرون الوسطى… كلا… ستحلق وجوهكم دول العالم الأول… ستعلمكم ألف بائيات الحضارة… يا رعاع… يا…".
قامت نورة وهي تبتسم… ثم ربتت على كتفه وهي تقول:
- " لا داعي لكل هذا الإنفعال ".
- " يجب أن ينالوا عقابهم كاملاً جراء ما فعلوا ".
- " أنت لست كوفي أنان… وأنا لست المرأة الحديدية… ليس باليد حيلة… إجلس يا حبيبي وارتشف من فنجانك ".
3- حل اللغز
زفر كامل زفرة عميقة… فيما كان يجلس على الكرسي… ثم أغمض عينيه في حزن.
بجواره كانت نورة… تتابع الخبر في هدوء… إلا أنها صرخت فجأة:
- " وجدتها… نعم … وجدتها ".
قامت نورة في انبهار واضح… بدأت تسير بهدوء… وضعت يدها على فمها… سارت خطوات… ثم عادت… ثم ذهبت… ثم عادت… أدرك كامل إنها في حالة غير طبيعية… لذا… قام نحوها… أمسكها بيدها وهو يقول:
- " ماذا حصل… قولي… قولي… هل أنت بخير؟… لا عليك منها… إنها مجرد أحجار… لا تضر ولا تنفع… إنها أوثان… هل صدمت لسقوط التماثيل… لا عليك منها… أحجار… أحجار"
نظرت إليه باستغراب… ابتسمت وقالت:
-"انظر… أنظر… أفغانستان… نعم… إنها أفغانستان… أفغانستان… هي بلد الخشخاش… وهي بلد المخدرات… استمع جيداً للتقرير"
رفع كامل كتفيه مستغربا… كان القلق يساوره… ابتلع ريقه بصمت… رفع يده… ودفع زوجته برفق… سارت معه الهوينا… حتى أجلسها على الكرسي… ثم نظر في عينيها… كانت عيناها مسمرتان على شاشة التلفاز… أدار كمال وجهه ناحية التلفاز… بدا يُتابع التقرير.
التقرير كان اعتيادياً… لمتابعٍ اعتيادي… فهو يتحدث عن انتشار زراعة الأشجار المخدرة… في أفغانستان… وعن عدم إمكانية قضاء الحكومة الطالبانية… على هذه النباتات.
لكن الخبر… لم يكن اعتيادياً للدكتورة نورة… الباحثة المختصة في آثار الإدمان وعلاج المدمنين… لأنها نظرت للخبر من زاوية أخرى… لذا قالت… وهي تدير وجهها لتنظر في وجه كامل:
- "حبيبي… إنها أفغانستان… أفغانستان… هي الكنز "
- "الكنز؟… لم أفهم"
- "ببساطة… جميع أنواع المخدرات… سنجدها هناك"
- " بالطبع… ولم لا… تلك الحكومة… الرجعية… لم تقض على الشجرة الخبيثة… ولكن… ما دخلنا نحن؟"
- " حبيبي… هنا يأتي دورنا… دورنا الفعلى … وفرصتنا الذهبية"
- " صدقيني… لم أفهم!"
- " باختصار… أفغانستان… بلد مفتوح… ونحن… نستطيع أن نسافر إليها… ونجمع ما نشاء من الأوراق المخدرة… سنجد أصنافاً قوية… وبالتأكيد… سنجد أصنافا ضعيفة… وسنجد أصنافاً ذات قدرة أقل على التحذير… وبحيازتنا لها… سنكون بالفعل… قد حزنا المفتاح…. المفتاح لإكمال بحثي"
ابتسم كامل… فتح عينيه مندهشا… ثم قال:
- " أوه… مذهل… شيء مذهل!"
أمسك كامل بيد نوره… انطلقا خارجين كعصفورين سعيدين… نحو الحديقة… سيكملان الحديث الشيق… هناك… هذا ما اقترحه كامل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق