الجزء العاشر
الفصل الثامن والأربعون
1- مقنعان
مرت خمس دقائق… كامل جالس في تلك الغرفة… كل شيء من حوله هادئ… بعدها… فُتح الباب… دخل شابان مقنعان… يبدوان قويان جداً… وعضلاتهما بارزة… بدءا في الدوران حوله… نظراتهما مريبة… ضربه أحدهما على مؤخرته… ثم ضحك… وأكملا الدوران… وبعد وقت قصير… قال له أحدهما:
- " اخلع ملابسك "
ابتلع كامل ريقه… حاول أن يحلل هذا الكلام… أن يفهمه… أن يدرك مغزاه… لم يصل لتفسير… لذا… آثر الصمت… ضربه الآخر على مؤخرته… وضحك… وبدأت ضربات قلب كامل… في الارتفاع.
زفيره وشهيقه يتسابقان في رئته… وضحكات الرجلين تدوران في ذهنه… أمسك أحدهما يديه… ثم طرحه أرضا… وبرك على صدره… ووقف الآخر على رأسه… ثم فتح قميصه.
بدأ كامل يقاوم… لكن مقاومته تُستقبل باللكمات المتتالية… على وجهه وأنفه… وأخيراً… خٌلعت سترته.
نظر أحدهما له في استهجان… ومد يده… وبدأ ينزع شعراتٍ في صدره.
تتابعت الضحكات… قلب كامل يزداد نبضا… برك أحدهما على قدميه… وأمسك سرواله من الأسفل… كامل يرفس بقدميه… ويصرخ… يستجدي… ويحاول الانفلات… ولكن… لا فائدة.
وأخيراً… نُزعت كل ملابسه… لم يعد يرتدي أي قطعة.
وازدادت ثقل الشخص البارك على صدره… وبدأ كامل يشعر بالإعياء… وبدأت قواه تخور.
ومن هناك… جاء المحقق… دخل بكل هدوء… سار في تشفي ملحوظ… ثم وقف على رأس كامل… وقال:
- " أعلم… أنك تعاني… ولا تطيق نفسك… وربما تريد الموت… هذا أمر طبيعي… طبيعي جدا… هذا شيء قليل… سوف يساعدنا هذا على خلخلة أفكارك… وإخراج شخصيتك الحقيقية… وقتل العناد بداخلك… عليك أن تترك المراوغة… وعليك أن تعترف… أي قيادي أنت في القاعدة… هيا… تكلم "
لم يتكلم كامل… لأنه بالفعل… أصبح غير قادر على الكلام.
وهذا ما أغضب المحقق… الذي قال بعدها :
- " مازالت مراوغا… قذراً… تظن أن لديك قيم… وكرامة… وأفكار… نعم… نعم… ليس من طريقةٍ لهدم كرامتك… وسحقها… إلا أن تفقد ما هو أغلى من الكرامة… إنه الشرف… هل ستقول ما عندك؟… أم تفقد شرفك؟… قل"
كان دواراً أشبه بدوار البحر… يدور في عقل كامل:
- " هل سأكون فريسة بعد قليل… لهؤلاء المسعورين جنسيا؟… هل علي أن أخجل من نفسي… طيلة عمري… كلما تذكرت هذا الموقف؟… وياله من موقف… أم علي أن أقول ما عندي… المشكلة… أنني لا أملك شيئاً لأقوله… سوى أنني بريء… والمشكلة أيضاً… أنهم لا يريدونني أن أقول الحقيقة… وإنما… يريدون مني أن أقول ما في رؤوسهم"
صرخ المحقق في وجهه كامل:
- " قل… تكلم… قبل أن يَفعل فيك هؤلاء… شيئاً لا تتصوره "
لجأ كامل للصمت… السلاح… السلاح الوحيد… الذي لا يفيد… ولا يوجد غيره.
بعدها… صرخ المحقق :
- " لقد استفرغت كل جهدي… عليك أن تعلم… أنه بعد أن تسحق كرامتك… ستنتهي كل قيمك… التي تجبرك على الصمت… وعندها… ستتكلم… وتفضي بكل شيء… وإن لم تعترف… فلا مشكلة… مازال أمامنا الليلة الرهيبة… ليلة قونتانمو الخاصة… التي لن تثبت أمام نكالها… أبدا… والأيام بيننا"
نظر المحقق إلى الجنود… وقال :
- " عليكم به "
2- طعام قسري
تغرد عصافير الحرية… على أغصان تلك الأشجار… هناك… في الخارج… وترتشف قليلاً من ماء الطل… وتطير… وكأنها تهزأ بالراقدين في أقفاصهم… أو الجالسين.
ومن خلال الفتحات المربعة… في أقفاصهم… يشاهد السجناء… العصافير… يتأملونها باهتمام… يدرسون تفاصيلها… وكأنهم ينظرون في لوحة فنية… إنها بالفعل… لوحة… وهي لوحة معبرة… ويالها من لوحة… لوحة سجون قونتامو… أروع لوحة رسمتها العقلية الأمريكية… في حربها ضد البشرية.
ولا أحد من هؤلاء… أقدر على قراءة تفاصيل اللوحة… من الجالس هناك… في القفص… يمسح دموعه… ويشهق… ولم لا يفعل كل ذلك… وهو ابن الثامنة والثلاثين… يحمل الدكتوراه… ولديه ثروة… وله أفكاره الليبرالية… ويؤمن بالحداثة… وهو براجماتي النزعة… (سارتري) القناعات… وكان في السابق… يؤمن بأمركة العالم… ويؤمن… أنها حتمية عادلة… ولا أحد يدري عن مدى قناعته الآن… بتلك الأفكار… بل لا أحد يدري… هل مازال لديه أفكار… ولكنها الدموع… التي تخرج من عينيه… هي وحدها… ما يمكن أن يعبر عن شخصيته.
كامل… إنه وحده… هنا… يستعيد شريط الليلة الفائتة… بكل ألم حسرة… سأل نفسه:
- "هل كانت الليلة الماضية… هي الليلة التي يتوعدني بها المحقق… دائما… ويدعوني للاعتراف… قبل أن يُصليني عذابُها؟… ولكن… لا… لا… لقد توعدني في الليلة الماضية… قال: (إذا لم تعترف… فستعترف في الليلة الرهيبة)… آه… هذا يعني… إنها لم تأت بعد… وأي قسوة أشد مما عانيته البارحة… هل تُراهم سيعيدون الكرّة معي… مرة أخرى… أم أنهم سيتركونني… حتى الليلة الموعودة… التي لا يمكن لأحد تحملها… كما يقولون… ترى… ما الذي تحويه تلك الليلة… من الأهوال والضغوط"
لم يطل الوقت… جاءا لفطور… كامل أزهد ما يكون… في تناول أي طعام… وما يفيد الطعام… مع حياة كهذه… قرر كامل… رفض الطعام… وبعد مرور بعض الوقت… تم الإبلاغ… عن عدم تناول كامل وجبته… وتم سحبها… وبعد قرابة الساعتين… عاد أحد الجنود… وهو يحمل الوجبة… ودخل زنزانة كامل… وتحت التهديد… بأن أي عصيان… في تناول الطعام… يعني الإطعام… عن طريق قصبة تدخل قسرا للمعدة… بالإجبار… بعدها… تناول كامل وجبته.
3- آلام رهيبة
مر يوم كامل… كامل مشغول بتذكر حسراته وآلامه… ومع بزوغ فجر اليوم التالي… كان الطبيب قادماً من هناك… دخل إلى زنزانة كامل… حقنه حقنة… وخرج.
الأيام ثقيلة ثقل الهم… ولا شيء يقطع الصمت الرهيب… سوى تلك المواعظ… التي يلقيها السجين 135… صحيح إنه ينال بعدها… وفي كثير من الأحوال… عدداً من اللكمات واللطمات… ولكن اللكمات واللطمات… أصبحت اعتيادية بالنسبة له.
مواعظ السجين 135 كانت في السابق… محببة لجميع السجناء… عدا واحداً… ولكنها الآن… محببة لجميع السجناء… دون استثناء.
وفي هذه الليلة… أضفى حديث السجين135… شيئا من الأنس والبهجة… ومن بين أولئك المبتهجين… كامل.
كامل ليس مبتهجا… لأنه مقتنع بما يقال… كلا… ولكنه مبتهج… لأنه يرى في هذا الحديث…. شيئا من التحدي… للسجانين.
المحققون يعرفون جيداً… أن السجين 135… وأمثاله… ليسوا خطراً على أحد… ويعلمون أيضاً… أنهم قد جاءوا هنا… دون أن يكون لهم ناقة ولا جمل… حال كثير من البسطاء… الذين تم اعتقالهم بطريق الخطأ.
لقد أصبحت لغة المواعظ… لغةً مألوفة للجنود أيضا… إنهم كثيراً ما يتغاضون عما يعتبرونه ثرثرة فارغة… بل تطور الأمر أكثر من ذلك… فحتى الصلاة… التي يصليها المساجين في زنازينهم… لم يعد الجنود… يلقونها بالاً كثيراً… وأصبح كل سجين… عند دخول موعد الصلاة… يتيمم ويصلي.
ولكن كامل… كامل هو السر… الذي لا يزال غامضاً لدى المحققين… ومن أجل ذلك… فهو يحتمل كل أصناف العذاب… ولا يُخرج كلمة… إلا وهي محسوبة… إنه متخفيٍ تحت ثياب ابتعاده عن تطبيق تعاليم الدين… وهو لا يصلي… ولا يتوضأ… ولا يرفع يديه للسماء… وهو صامت صمت الليل.
مرت الأيام العصيبة… مبشِّرة بأيام هي أصعب… وبعد غروب الشمس بقليل… في أحد تلك الأيام… جاء الجندي… من هناك… وعندما وصل زنزانة كامل… وقف… وقال له:
- " هيا… قم "
لم تعد هذه الكلمات… غريبة على كامل… لا شك… هي كلمات تعني الاقتياد لغرفة التحقيق.
نظر كامل للجندي… في بلاهة… ولكن… سرعان ما دقق النظر… لقد أدهشه ما رأى… هذا الجندي… يحمل طبقاً مليئاً بالطعام الدسم… أرز… لحم… بطاطا… لم يتحدث كامل… في حين قال الجندي :
- " قم… خذ هذا الطعام "
لم يجبه كامل… لذا أعاد الجندي:
- " أنت ملزم بأكل هذا الطعام… كاملا"
لم يتحرك كامل… ولم ينبس ببنت شفة… في حين تقدم الجندي قليلا… وفتح الباب… ووضع الطعام جانبا… وناول كامل… عدداً من اللكمات واللطمات… ثم أقبل مجند آخر… يحمل عصا كهربائية… وتلقى كامل بعدها وجبة ساخنة من الضرب… مما اضطره للبدء في تناول الطعام.
كان تناول كامل للطعام… متقطعا… ولكن شوطا واحداً… من تيار كهربائي… يدفعه للمواصلة.
شبع كامل… وانتهى الطعام… وحسب كامل أن المشهد قد انتهى عند انتهاء آخر لقمة… ما أجمله من عقاب… لو توقف عند تناول الطعام… لكن الساعات المقبلة… لم تكن بريئة… مما أعده المحقق لكامل.
ومع انتصاف الليل… كان الجندي… واقفاً على رأس كامل… قال له :
- " قم… هيا… استيقظ "
انتبه كامل… المتخم إلى حد ما… بما أكله من طعام… نظر يمنه ويسره… أعاد عليه المحقق :
- " قم… هيا "
قام كامل… الحزن يغطي كل ملامحه… إلا أنه شَعَر بمغص في بطنه… إنه يريد الخلاء… لكن المجند… انتهره.
في حين دخل مجندان… واقتادا كامل للخارج… ثم إلى قفص خاص هناك.
كان الظلام يغطي كثيراً من الأشياء… دخل كامل القفص… يبدو القفص صغيرا… أمسك الجندي بيدي كامل… ربطهما في سلسلة لها بكرة معلقة بسقف القفص… وبدأ برفع السلسلة.
ارتفعت يدا كامل… لأعلى… وأصبحت قدماه مستقرتان على الأرض… بالكاد… كامل يشعر بمغص شديد في بطنه… إنه في حاجة ماسة لدورة المياه… يبدو أن العشاء الذي تناوله… يحوي شيئاً من المسهلات… وتبدو العملية مقصودة.
قام أحد الجنود… بخلع ملابس كامل… أصبح كامل عارياً في العراء… معلقاً بيديه لأعلى… ويشعر بمغص شديد في بطنه.
بدأ كامل يصرخ:
- " أريد الخلاء … أرجوكم… أنزلوني … أنزلوني"
خرج الجنود… وأغلقوا باب القفص… وتركوه وحيداً يعاني.
بدأ التحدي يثور في أعماق كامل… إنهم يريدون إنزال الضغط النفسي والجسدي… بأقوى أنواعه… وكامل مضطر للدخول في كهف التحدي… عليه ألا يستسلم… وعليه ألا يخرج الفضلات على نفسه.
بدأ كامل يفكر بطريقة أعمق… إنه الآن في قفص مكشوف… ومع انبلاج الفلق… سيكون عُرضة لأعين بقية المساجين… والأدهى… أنه يشعر بحاجة ماسة… للخلاء… ولن يكون الخلاء… إلا المكان الذي عند قدميه.
بدأ بدن كامل يرتجف… وشبه بركانٍ من الحنق… يثور في رأسه.
كامل يزحزح يديه… داخل السلسلة… ليس لأمله في خلعها… ولكن ربما… ربما ليخلع يديه… أو هكذا خطر بباله.
استمر الصراخ… واستمر… وأخيرا… جاء المحقق من هناك… وضع نور المصباح… في وجه كامل… نظر له بتشفي… ثم قال:
- " تريد أن نطلق سراحك… لأنك تريد الخلاء… ولأنك تريد ارتداء ملابسك… وتريد نومة هناك… في مضجعك… أعلم… الأمر سهل… سهل جداً… خلال ربع ساعة… ستكون في دورة المياه… الخاصة بك… والمقفلة من الداخل… ولكن… هذا فقط… لو اعترفت بكل شيء… هل هذا واضح؟ "
طأطأ كامل رأسه للأرض… وبدأ يبكي… ويبكي… في حين أكمل المحقق:
- " كاذب… أنت تمساح كاذب… لن ينفعك البكاء… ما سينفعك… هو الاعتراف… وإذا قررت أن تعترف… أخبر الجندي… ليطلق قيدك… ويساعدك في الذهاب للحمام"
استمر صمود كامل… ساعتين… بعدها… كان مضطراً لإخراج كل ما في بطنه.
ومع انبلاج الصباح… كان كل المساجين يشيحون بأبصارهم… ولا ينظرون للزنزانة… التي يتعلق فيها كامل.
كان كامل… يختلس النظر… ليرى هل يطالعه أحد… ولكنهم جميعاً يُقدّرون مشاعره.
أحس كامل بامتنان كبير… لصنيعهم هذا.
وبعد ساعة… أُطلقت يدا كامل… بطريقة كهربائية… ومنح وعاء وماء… وطلب منه تنظيف القفص وتنظيف نفسه.
ثم سمح له بالخروج من هذه الزنزانة… والعودة إلى زنزانته… وارتداء ملابسه.
ومع خروج كامل… قال له المحقق… وهو يراه مسرعاً… يسير بين الممرات:
- " لم تنكسر الليلة الفائتة… ولم تنهزم… ولم تعترف… هذا شيء جيد… لأنك حينها تسمح لنا… بالمضي قدما… تجاه الليلة الرهيبة… التي سيُنتزع اعترافك فيها… انتزاعاً"
قال كامل في نفسه :
- " قبحكم الله… وهل بقى شيء أقسى مما أنا فيه"
4- وعيد
هاجس الطعام… المحقون بالمادة المسهلة… يدور في ذهن كامل… كلما أراد أن يأكل لقمة… إنها بالفعل مشكلة… وأي مشكلة… تلك المسهلات… التي توضع في الطعام… ويتبعها تعليق باليدين… في سقف القفص… وخلع جميع الملابس.
كامل لا زال يشكر للسجناء… ما قاموا به… عندما كان معلقاً في القفص… وحاله يرثى له… وهم قد أغمضوا أعينهم وتجاهلوا وجوده… ويسأل نفسه:
-" أي ذكاء منحتهم إياه بصيرتهم".
لقد مرت الأيام سراعا… على حادثة الطعام والمسهل… لكن كامل لم ينس أياً من لحظات ذلك الموقف العصيب… وهو في الوقت ذاته… يخشى تكرار ما حصل… ويخشى أيضاً… اقتراب تلك الليلة الرهيبة… التي يتوعدونه بها… خاصة وأن السجين 135… لا زال يشير لها عرضا… ويطلب ممن لم يتعرض لها حتى الآن… أن يصبر… ولا ينهار.
والمحققون… بالتأكيد… يريدون الانهيار الكامل… لكامل… ويريدون انهيار كل معاني الإنسانية… داخل كل السجناء.
وفي وقت الظهيرة… في أحد الأيام… مر المحقق على زنزانة كامل… ابتسم له بخبث… وقال :
- " أنت مدهش… وعنيد… وتدعونا لاحترام قدراتك في الصبر والعناد… ولكن… عليك أن تكون مستعداً تمام الاستعداد… لعناء الليلة المريرة… الليلة الأهم… في سجون قونتناموا… الليلة… التي تعدل كل الليلي السابقة… فيما تتضمنه… إنها… ليلة… الفكرة جهنمية… التي تجبرك على الاعتراف… هـ… هـ… هـ… كن مستعداً لها… جيدا… فلم تعد بالبعيدة "
انصرف المحقق… وبدأ قلب كامل في النبض… بطريقة غير معهودة… شعر خلالها… أنه في حال صحي سيء… وأنه ربما أصيب بجلطة… أو هبوط في الضغط… وربما أصابته سكتة قلبية.
كان كامل في تلك اللحظات… لا يبالي كثيراً للموت… تفكيره منصب على العذاب… والموت… لا شك أنه راحة من ذلك العذاب.
الفصل التاسع والأربعون
1- العودة
أصوات متداخلة… لأناس ينادون… وهم واقفون أمام حافلاتهم.
وسائرون يتوافدون… نحو موقف الحافلات… وهم يحملون حقائبهم.
ويأتي جمال… من هناك… لقد أُغلقت جميع الأبواب في وجهه… لم يبق إلا وجها واحدا… عليه أن يقصده… سيعود لتلك الأسرة… التي آوته… ووجد فيها أسرةًً له.
إنها صفية… التي ارتسمت صورتها في مخيلته… وهي لا تنفك عن إلقاء نظرتها الساهية نحوه… ثم تزفر… وتردد اسم ابنها… الذي قضي في الغارة.
ركب جمال الحافلة… كان الحزن يلفه… ودمعاته لا تغادر خديه… إلا نادرا… وانطلقت الحافلة… وبدأت المشاهد ذاتها… تتكرر… الدمار… الموت… الفقر… الطائرات التي توزع وجبات غذاء باردة… ويتنازع على تحصيلها السكان.
ومع مرور يوم كامل… ها هي تلك… البلدة التي تحضن مقصد جمال… مقصده الأخير… والأسرة التي قد يطول بقاءه معها.
2- العرس
وقفت الحافلة… ونزل جمال… وبدأ يسير متجها نحو المنزل… لم يكن بحسبانه… أن حزنا آخر ينتظره… كان يأمل في استقبال تلك المرأة… التي بدأت تحل مكان أمه… كان ينتظر أن يرى فرحتها به… وهو يجري نحوها… ويتصور دموع فرحتها… ويتصور حزنها… عندما تعرف بما حل بوالدته… ثم يتصور نفسه… وهو يرتمي في أحضانها… ليمسح هموم نكباته المتتالية.
ولكن جمال… توقف أمام ما لم يكن أبدا بحسبانه… إنه المنزل… المنزل ذاته… الذي خرج منه… منذ قرابة الأسبوعين.
لكنه الآن… لم يعد منزلا… إنه شيء مختلف… مختلفٌ تماماً… تلك هي عقود الفرح… وتلك آثار الزينة… التي لازمت الزواج… لكن… لا أحد هنا… سوى البيت المنهار.
صرخ جمال… لما رأى… وانطلق ليتفقد المشهد أمامه… لم يكن ثمة شيء… إلا رائحة الموت… التي مازالت هنا… تطالعه في كل مكان.
استمر صراخ الصبي… وانهار جالسا مكانه… ولم يسمع بكاءه أحدا.
بقي الوقت يسير ببطء… ولم يخرق جدار الصمت… سوى صوت عربة… يجرها حمار… تسير ببطء… جوار المنزل المهدم.
وقفت العربة… وعندما رأي قائدها… مشهد جمال… نزل… وجلس جواره… ووضع يده على رأسه… وقال:
_ " أتيت لتوِّك… أليس كذلك؟"
نظر إليه جمال… وقال:
- " ما الذي حدث؟ "
- " لا عليك… قم واغسل وجهك… وستكون بخير"
قام هاشم… وأسند جمال ليقوم… ثم سارا بخطوات متباطئة… نحو كوز كبير… يحوي ماء مبرداً… سكب هاشم قليلاً من الماء… في كوبٍ حديدي… وناول جمال… وقال له:
- " اشرب"
شرب جمال… ثم جلس… وجلس أمامه هاشم… ذو الثماني عشرة سنة… وقال في حزن:
- " لقد قُتلوا… قتلوا جميعا… كانوا… سعيدين… بزواج أخي… وكانوا يُقسِّمون الحلوى… على الضيوف… وكان الخروف يذبح… هناك… وكان النساء والرجال والأطفال… كلهم… كانوا سعداء… ومن هناك… جاء العريس… ليدخل… ويأخذ زوجته… لكن والدي أخرج السلاح… كعادتنا دائما… في كل عرس… وأطلق عيارين في الهواء.
لم نكن نعلم حينها… أن الوحوش المرعبة… التي تقتل بالشبهة… دون تدقيق أو تحقيق… تنتظر في الجو… لتفترس.
لقد كانت الطائرات الأمريكية… بالمرصاد… وما هي إلا دقائق… وإذا بحفل الزواج… يتحول لنار… نار تضطرم… وتقتل.
قتل الزوج… وزوجته ووالديه… والعم حامد بختير… والعمة صفية… وقتل خمسة عشر من الضيوف… قتلوا حرقا… لأن المحتل لا يرحم… إنهم كلاب يا جمال… كلاب"
نكس جمال رأسه في صمت… ثم قال:
- " هل قتل عمي حامد بختير… ووالدتي صفية"
- "مع الأسف"
شهق جمال… شهقة طويلة… ودخل في دوامة من الحزن والبكاء.
3- عمل جديد
تشرق شمس الصباح… رتيبة باردة… كحالها دائما… ويخرج الأفغاني الصغير… جمال… من المسجد… الذي نام فيه ليلة البارحة.
يلبس الفتى حذاءه… ثم يربطه من الخلف… ويُحرك قبعته… لم يعد الصبي المولود في أمريكا… والذي تربي في دولة (نفطية)… على يدي أبوين متحررين… وينظران للأُنموذج الغربي… أُنموذجا في منتهي الرقي… ليكون شاذا عن بقية الصبية… في قرية فقيرة… من قرى أفغانستان.
لقد ترك جمال القرية… التي كان فيها حامد بختير… وصفية… بعد علمه بموتهما… وسار على قدميه… يعد همومه وحسراته… كان يدخل القرية تلو القرية… لم يشأ أن يتوقف… والآن… ها هو… يتجه ناحية المزارع… كان يسير… والحزن في أعماقه… أثقل من جبل… ولكنه يسير.
وفي طريقه… لقي امرأة عجوزا… جالسة ترعى أغنامها… وعندما رأته… نادته… لقد كانت تريد الحديث مع أي شخص… لتقطع أجزاء الوقت الحزين… الذي تعيشه… وتجزم أن كل أفغاني بدأ يعيشه.
جلس جمال… وبدأ ينظر لتقاسيم وجه العجوز… وبدأ يستمع لما تقول… إنه يعرف كلمة… ويجهل كلمات… ولكنه وجد في حديثها تسلية له… وفي نهاية ذلك المجلس… طلب من المرأة… أن تسمح له بالعمل أجيرا لديها… في رعي هذه الأغنام.
الفصل الخمسون
1- طريق التغيير
انتهت مراسم العزاء… بأيامها الثلاثة… لقد سيطر الحزن… خلال الأيام الثلاثة… بالدرجة الملائمة… لموت فتاة صغيرة… تحت وقع الاغتصاب .
الدكتورة نورة… جالسة تحت الشجرة المجاورة للمنزل… تنظر نحو الأفق… وتنتظر الشمس… التي قاربت على الطلوع… كي يبدأ مع طلوعها… نهار جديد… وربما حزين.
طأطأت نورة ظهرها… والتقطت إحدى بذور السدر… الملقاة في الأرض… مسحتها في قميصها… ثم وضعتها في فمها… وبدأت تنظر لذلك الجزء… من الشمس… الذي بدأ يطل من خلف الجبل.
نظرت نورة إلى باب المنزل… وزفرت زفرة طويلة… وحدثت نفسها:
-" آه… لم يعد ثمة رحمة… تخرج في مثل هذا الوقت… وهي تحمل القدح… ثم تنطلق للبقرة… كي تحلبها… وتلقي السلام في طريقها… علي… وتقول في امتنان:
- " شكرا لك… لأنك اشتريت لنا بقرة… هل أحضر الحليب الساخن لك هنا؟… أم تريدينه في الداخل؟"
ولم تعد ثمة أم رحمة… خارجة في مثل هذا الوقت… وهي تحمل العجين في إناء… ثم تلقي التحية علي… وتقول:
- " شكرا لشرائك كيس الدقيق… الذي مازلنا نعجن منه"
فأم رحمة… في فراشها… موعوكة… لتأثرها بموت ابنتها.
ولم يعد ثمة أنور… وضياء… يمسكان عِصيّهما… ويقولان للأغنام:
- " هي… هيا… إر… هي… ها… إر"
ثم يقترعان… وهما يضحكان… لتحديد من سيذهب مع الأغنام… ومن سيدفع عربة الخضار… إلى سوق الخضار… لبيعها.
ثم يتسابقان… لقفص الدجاج… كي يجمعا ما باضته الدجاجات… في يومها السابق… وبعد جمعهما للبيض… يأتيان إلي… كل منهما يسابق الآخر… ليخبر عن عدد البيض… الذي جمعاه… إنهما الآن هناك… جالسان في الداخل… يذاكران كتاب حزنهما".
قامت الدكتورة نورة… مشاعرها تكاد تتفجر في قلبها… وأفكارها متقدة… جلست على الأرض… جلسة متربعة… وأخذت عودا… كان ملقى أمامها… وبدأت ترسم خطوطا متداخلة… على التراب.
بدا وأن نورة… لا تفكر في هذه الخطوط… وإنما تفكر في أمر آخر… أمر مختلف تماما… ربما كانت تعيد ترتيب أفكارها… وربما كانت تغير أفكارها تدريجيا… وربما كانت تغير في النُّمطيات الدقيقة… التي تتركب منها شخصيتها المسالمة.
طال الوقت عليها… وهي جالسة بتلك الطريقة… وازدادت الخطوط في رسمتها تلك… تعقيدا وتداخلا… وبعد ما يقارب الساعة… ألقت نورة العود من يدها… ثم نادت:
- " أنور… ضياء.. أنور… ضياء"
لم يطل الوقت… ها هما الصبيان… قادمان نحو الدكتورة نورة… إنهما يسيران بحزن واكتئاب… ليسا أبداً كما اعتادت أن تراهما… وعندما وقفا أمامها… قالت وهي تنظر إليهما بتأثر:
- " اجلسا"
جلسا… وبقيت تنظر إلى الأرض… وقتا… ثم رفعت رأسها… وقالت:
- " هل مازلتما… تعرفان مكان المواد المتفجرة؟"
- "المواد المتفجرة؟"
- " نعم… المواد المتفجرة… التي كنتما تتحدثان عنها"
قال نور:
- " إنها سر… نحن مؤتمنون عليه"
قالت الدكتورة نورة:
- " أعلم"
في تلك الأثناء… قامت الدكتورة… وبدأت تسير حولهما بهدوء… ثم أكملت:
- " سنكون سويا… في طريق واحد… سندافع عن أنفسنا… لم يعد ثمة خيار"
نظر كل من الصبيين للآخر… وقاما سويا… وقالا:
- " هل تقصدين… أنك ستساعديننا؟ "
- " نعم… بالتأكيد… كل أفكاري… التي اعتقدت صدقها لعقود… أصبحت الآن… محل نظر… هناك مؤامرة كبيرة… يجب أن نقف في وجهها"
قال نور:
- " وماذا يمكن أن نعمل؟"
نظرت نورة إليهما… الواحد بعد الآخر… ثم قالت:
- " فقط… دلوني على الشخص… الذي يعرف أين هي المتفجرات… سوف أتحاور معه"
2- متفجرات
أصوات عصافير المساء… تشقشق بنحيبها… سرابيل الأفق الصفراء… هناك… والدكتورة نورة… تدخل بصحبة أنور وضياء… إلى ذلك المنزل الطيني الصغير… في حين يحاول السيد باشير… أن يتحرك من سريره… ليعبّر… عن ترحيبه بهم… ولكنه لا يستطيع… تقول له الدكتورة نورة… وهي تشير بيدها:
- " لا عليك… لا تتعب نفسك"
وبعد أن تجلس قبالته… تقول:
- " سيد باشير… لم يعد ثمة وقت لنضيعه… الأنفس والأعراض… تسرقها المدرعات والمجنزرات… علينا أن نعمل بجد"
- " أخبرني أنور وضياء… بكل شيء عنكِ… أنا سعيد بقدومك… ثم… أنا كما ترين… لقد أصبحت معاقا… كنت الناجي الوحيد… الذي يعلم مكان المتفجرات… جميع أصدقائي قضوا… ولكن مع الأسف… لا أجيد استخدامها… ولا تصنيعها"
- " هل الكميات كبيرة؟ "
- " جدا… لكنها مواد خام… تحتاج لبعض عمليات التصنيع… وأنا لا أعرفها"
وضعت نورة يدها تحت خدها تفكر… في حين قال باشير:
- " كانوا يخلطون المواد… بنسب محددة… ويعرضونها لدرجات حرارة… وأشياء أخري… أنا لا أعرفها"
- " ومن يعرفها؟"
- " قلت لك يا سيدتي… الآن… لا أحد يعرف طريقة تصنيعها"
- " صحيح… قلت ذلك… ولكن… الشخص الذي كان يعرفها… في السابق… كيف عرفها"
- " لقد درسها في بعض الكتب… كتب تم تهريبها من السوفيت"
قالت الدكتورة منفعلة:
- " وأين هي الكتب؟"
- " لا أدري"
قالت بإحباط:
- " لا تدري!"
- " ولكن… أستطيع… أستطيع أن أسأل أحدهم عنها… كان بعض المجاهدين يدرسونها… نعم… نعم… استطيع الحصول على بعض النسخ… لكنها… ربما باللغة الإنجليزية… أو الروسية"
فكرت نورة قليلاً… ثم قالت:
- " علينا أن نخطط جيدا… وعلينا أن لا نترك أي خيط… يوصل العدو إلينا… العيون في كل مكان… سأفكر في الأمر مليا… وأنت… يا باشير… أريد منك أن تحدد الأماكن… التي توجد فيها الكتب… وأريدك أن تصل لكل كتاب… يتحدث عن عمل المتفجرات…. وتكتب أسمائها في ورقة… وأنا سآتيك في لقاء قادم… ونختار الكتب التي نحتاجها… ثم نفكر في طريقة مناسبة لنقلها… اكتب أسمائها باللغة الإنجليزية… كما هي… أو الروسية… هل لديك من يساعدك في هذه المهمة"
- " سأجد من يساعدني… الأمر لن يكون صعباً"
3- القيادية
يسير على عكازيه… وعندما يصل إلى الباب الخشبي المتهالك… يمد يده… ويفتح الباب… تبدو المرأة المنتقبة… أمامه… تُلقي السلام… وتقول:
- " أتيتُ لدراسة آخر المستجدات… هل كل شيء جاهز؟"
ابتسم باشير… وقال لها:
-" تفضلي… كل شيء جاهز"
دخلت الدكتورة نورة والطفلين… وسار باشير أمامهم بهدوء… ثم جلس الأربعة على الأرض… وأخرج باشير ورقةً طويلة… من خزانة مجاورة… فتحها وهو يقول:
- " هذه أسماء الكتب… التي يمكن إحضارها"
مدت الدكتورة نورة يدها… وقالت:
- " عمل جيد… سنختار أهم الكتب"
دققت نورة النظر مليا… ثم أكملت:
- " تبدو أكثر مما توقعت"
وضعت نورة القلم في أعلى الصفحة… وبدأت قراءة العناوين… ثم وضعت علامات لتمييز أهمها… وبعد أن انتهت من الاختيار… قالت:
- " جمع ممتاز… لقد أعجبتني الكتب… وأعجبني أكثر منها… المدونات الخاصة بالمجاهدين… إنها مهمة جداً… لقد وضعت العلامات على… واحد… اثنان…."
أكملت الدكتورة العد إلى أربعة وثلاثين… ثم قالت:
- " أربعة وثلاثون مصدراً… لو كانت هذه المصادر… كما تذكر عناوينها… فإنها كافية"
أعادت الدكتورة نورة القائمة لباشير… ثم قالت:
- " أبقِ هذه القائمة لديك… في مكان لا يسهل الوصول إليه… وإن احتجنا المزيد من الكتب… سنطلبها… السرية أهم شيء في أعمال كهذه… وأهم منها… ألا نترك أي أثر لأي عمل… مهما كان الأثر صغيرا"
قال باشير:
- " ولكن… المشكلة… كيف نُحضر الكتب؟"
قالت نورة:
- " لقد فكرت مليا في هذا الموضوع… سنكون حذرين للغاية… وستكون نشاطاتنا خارج المدينة… في البداية… نريد تحديد إحدى المغارات… في جبال (رابارايا)… سيكون جميع عملنا هناك… سيتم تخزين الكتب والمتفجرات هناك"
- " ولم لا تبقي المتفجرات في مكانها الحالي… ونُحضر كميات منها… بقدر الحاجة"
" لا… لا… هذا يزيد من احتمال رصدهم لنا… مرة واحدة… نغامر فيها… أفضل من مرات عدة… سنحدد أنا وضياء وأنور… مغارة مناسبة… وسنذهب هناك… لرعي الأغنام… لن يشك فينا أحد… وسنحدد أفضل أماكن التخزين… وسأحدد لك الوقت… الذي يتم فيه إيصال الكتب… ثم الوقت… الذي ننقل فيه المتفجرات… سنستخدم الأغنام للنقل… كل ذلك سيحمل في أكياس من القماش… تحت أثدائها"
- " فكرة رائعة"
3- رعاة
الظلام مخيم على المكان… عدا ذاك الضوء… المنبعث من السراج.
صوت أوراقٍ تفتح… وقلم أسود جاف… يكتب في صفحة بيضاء… ليحل عددا من المعادلات الرياضية… وقناني صغيرة… فيها عينات من مواد بيضاء… ومواد أخري رمادية… وعلبة صغيرة… فيها سائل يبدو خطراً جداً… وأشياء أخري… لقياس الحجم أو الوزن… معمل متكامل… في مكان لا يمكن أن ينشأ فيه معمل… إنه مغارة في جبل منعزل.
تجلس الدكتورة نورة… على تلك الحجرة… المستوية من أعلاها… ثم توقد الموقد الصغير… وتضع قليلا من الشاي… ثم تفتح النار… ولا تلبث طويلا… تقوم ناحية الخزانة… تفتحها… تخرج بعض علب الطعام… وتعود لتجلس.
بعد دقائق… حملت نورة إبريق الشاي… سكبت قليلا منه… في الفنجان الذي أمامها… ثم ارتشفت رشفة طويلة… وحملت بيسراها… قرصا من البسكويت… وقضمت منه قضمة… ثم عادت لترتشف من الشاي… ثم قلبت الورقة التي أمامها… وأكملت القراءة.
لقد مر أسبوع كامل… على هذا الحال… إنها تقرأ وتُجرِّب… وتعد التراكيب… وفي المساء… تخرج من الكهف… لتلتقي أنور وضياء… مع أغنامهما.
الأمر يبدو طبيعيا… مجموعة من الرعاة… يعودون جميعا للمنزل… مع غنيماتهم.
لا يشك من يراهم… أبدا… في إنهم شيء آخر… غير رعاة أغنام.
ومع الصباح الباكر… يكونون في صحبة أغنامهم من جديد… متجهين نحو الجبل… الذي يحوي المغارة… ومع المساء… تكون الدكتورة نورة… منهكة شد الإنهاك.
4- تصاميم محكمة
الشمس تكاد تغرب… إلا أنها تدافع لتضيء وتحرق… ولم يزل فيها شيء من قوة.
وهناك… ها هي نورة… تخرج من كهفها… ومعها رزمة الأوراق… وتسير بخفة… لقد خرجت في غير وقت خروجها المعتاد… وعندما التقت ضياء وأنور… قالت مبتسمة:
- " لقد أنهيت عمل التصاميم… نحتاج لقطع من الحديد… بسمكٍ محدد… ونحتاج لقصبة من الحديد… بأبعادٍ محددة… وعندها… سنضع المتفجرات داخلها… ونوصلها بالأسلاك"
نظرت الدكتورة إلى أنور… وقالت:
- " خذ يا أنور… أذهب لورش الحدادين… واسأل عن حداد متقن… واطلب منه عمل عشر قطع من هذا النوع… وعشر قطع من هذا النوع… وعشر مفصلات… كما في الرسمة التالية… وإذا سألك:
- ( ماذا تريد منها)
قل له :
- ( أريد إصلاح عربة الحصان… التي تهشمت).
ولا تدخل معه في جدل كبير… واحضرها معك… لن يكون وزنها ثقيلا… لأنها من الحديد الرقيق… ربما وصل مجمل الوزن… خمسة عشر كيلو جرام… عليك أن نذهب بها للمنزل… وغداً سنحضرها إلى هنا"
نظرت الدكتورة نورة إلى ضياء… وقالت:
- " وأنت يا ضياء… اذهب لأحد محلات البناء… واشتر أسلاكا نحاسية رقيقة… بهذا السمك… واذهب لأحد محال إصلاح السيارات… واشتر بطارية… لتكن صغيرة… عليك أن تحملها على عاتقك… وتذهب بها إلى المنزل… ولو سألك أحدهم… قل:
- (إننا نستخدمها في المنزل… كمصدر للكهرباء… ويتم شحنها إذا فرغت… عن طريق سيارة أحد جيراننا)"
انطلق الصبيان… وبقيت الدكتورة نورة ترعي الأغنام.
مر الوقت… وفي المساء… كان الثلاثة عند باب منزلهم… يتفحصون القطع التي أعدها الحداد… قالت نورة:
- " ممتاز… تبدو كما أردتها… إنه حداد شاطر… الآن… أنهينا مهمة كبيرة"
قال نور:
_ والمهمة التالية… ماذا عنها؟ "
- " المهمة التالية… غداً… غداً ستبدآن في بناء الجدار… في طريق البلدة القديمة… إنها النقطة الحرجة… في خطتنا… وأنا… عليّ أن أذهب لأحد الحدادين… كي يصمم لي تصاميم بمواصفاتٍ خاصة".
5- اللمسات الأخيرة
مرت ثلاثة أيام… والوقت الآن… قارب الغروب… والدكتورة نورة… تفرك يديها وتنتظر… وتروح جيئة وذهابا… خارج المنزل… لم يطل الوقت… ها هما… ضياء وأنور… قادمان من هناك… فزعت الدكتورة نورة نحوهما… وعندما التقتهما… قالت بصوت منخفض:
- " لقد تأخرتما قليلاً"
قال نور:
- " كل شيء جاهز… لقد بنينا الجدار"
قالت في اهتمام:
- " وتركتما مكان الطوبتين"
- " نعم… تركناه مفتوحا… ومن السهل إدخالهما في مكانهما لاحقا"
- " هذا جيد… اذهب يا ضياء… للبرميل هناك… ودحرجه خلفنا"
ذهب ضياء… لدحرجة البرميل… وذهبت نورة وأنور قبله… وعندما وصلوا… كان الظلام قد حل بالدنيا… أضاءت نورة الكشاف في يدها… ونظرت باهتمام للجدار.
كان جدارا مجاورا للطريق الداخل للقرية… طوله أربعة أمتار… وارتفاعه متران… ويوجد به فتحة مربعة صغيرة… لا يزيد طول ضلعها… عن ثلاثين سنتمترا… ويلتصق الجدار.. من الجهتين… ببنايات قديمة متهالكة… لا يسكنها أحد… وعندما وصل ضياء… ومعه البرميل… وقفت نورة جوار الجدار… ثم قالت:
- " هنا…. البرميل… سنضعه هنا"
كان البرميل كبير الحجم… إلى حد ما… ارتفاعه متر وربع المتر… وقطره ستون سنتيمتر… وهو من الحديد الرقيق نوعا ما.
هذا البرميل… قامت الدكتورة نورة… عن طريق أحد الحدادين… بتعديله… بحيث يكون مناسبا للهدف منه… لقد فتحت في جانبه فتحة يمكن أن يدخل معها شخص بسهولة… وعلى ارتفاع متر… طلبت من الحداد أن يلحم سقفا للبرميل… بحيث يوجد في الأسفل مكانا يناسب جلوس شخص… وفي الجانب الآخر… فتحت فتحات صغيرة للرصد.
وُضع البرميل ملاصقا للجدار… ووضعت الفتحة التي فيه… بمحاذاة الفتحة التي في الجدار… وتم دق أوتاد داخل البرميل… لتثبيته بالأرض… وتم سد كل الفتحات التي يمكن أن توحي بأن في البرميل لشيء غير النفايات… ثم وضعت النفايات في الجزء الأعلى منه.
وبهذه الطريقة… لا يمكن الدخول للبرميل إلا من خلف الجدار… وعن طريق الفتحة الصغيرة… أسفل البرميل.
بعد ذلك… قالت نورة لضياء:
-" نريد الآن… دفن الأسلاك… عليك أن تحفر حتى منتصف الطريق… بعمق عشرين سنتمترا"
قام ضياء بالحفر سريعا… لم تكن الحفرة بالقصيرة… إنها تمتد مسافة تقترب من الثلاثين مترا… ولكن الطين لم يكن بالقاسي… إنه يساعد لحد ما… على الحفر… ومن هناك… بدأ أنور في مد الأسلاك النحاسية… بسرعة… ثم عاد ضياء… ليدفن الحفرة… ثم أزيلت الآثار.
6- الخطة
أنور وضياء جالسان في المنزل… داخل غرفة نورة… أمامهم طبق يحوي إبريق الشاي… سكب أنور في الفناجين الثلاثة… وجلست نورة… ومدت ورقة أماها… وحملت قلما… وبدأت تشرح خطتها… قالت:
- " نحن الآن نقوم بعمل المقاومة… نعم… مقاومة الشرفاء… للأنذال الأعداء… ولكن… مقاومتنا… لا نستهدف فيها إلا المحتل… الذي احتل هذا البلد… وقام بترويع الآمنين فيه… نحن ندافع عن أنفسنا… لكي لا نكون ضحية لهم… كما جري في المرة السابقة… علينا أن ندرك جيداً… أنه لا يجوز قتل أحد… غير المحتل… كائنا من كان"
قال أنور:
- "ولكن… كيف ستتم العملية"
- " الأمر يجب أن يكون سراً… لن يعلم به أحد… غيرنا"
- " هذا أمر مسلّم به"
أكملت نورة:
- " سيدخل أحدكما من الجهة الخلفية… عبر الفتحة التي في الجدار… سيدخل للمكان المعد لدخوله… إلى داخل البرميل… ثم يعيد الطوب مكانه… في الجدار… كي يبدو الجدار سليما تماما… ومن داخل البرميل… يراقب العربات الغادية والرائحة… بالطبع… سيعود جنود الاحتلال… في ساعة ما… لتفتيش القرية… لأنهم يطاردون عددا من جنود طالبان… من أهل هذه القرية… ويشكون في تخزين أهل القرية… بعض الأسلحة".
قال ضياء:
- " متى سنعرف موعد قدومهم؟"
- " هذا ما لا نعلمه… قد يكون غدا… بعد غد… بعد أسبوع… بعد شهر… لا ندري… علينا أن نراقب… وهذا ما يُصعِّب العملية"
قال أنور:
- " العمل مجهد… ولكن… لنا ثأر… علينا أن نصبر لأخذه"
قال ضياء:
- " بالتأكيد… إنها الكرامة"
قالت نورة:
- " سوف يتم تقسيم الوقت… من أجل متابعة دخول قافلة العدو… كالتالي… ست ساعات… يقوم بالمراقبة فيها أنور… وست ساعات… تقوم بها أنت يا ضياء"
قال ضياء:
- " كيف تكون المراقبة"
- " يوجد ثقوب في البرميل… إنها صغيرة… ولكن… عند سماعك صوت آلية العدو… قادمة… دقق النظر مع تلك الثقوب… وعندما تتقدم الآلية… وتصبح فوق اللغم… قم بالتفجير"
- " وكيف يكون التفجير"
" الأمر سهل… لدينا بطارية صغيرة… ستكون داخل البرميل… فقط تضغط الزر… لقد تم تجهيزها… سنضعها في البرميل… وسنوصلها بالأسلاك…. ويبقي عليك فقط… ضغط الزر… سنبدأ عملنا من الغد".
الفصل الواحد والخمسون
1- نصيحة عامة
لتوه يستيقظ من نومه العميق… الساعة الآن… قرابة التاسعة صباحا… كان بالإمكان أن يستمر في النوم… لولا أن السجين 135… بدأ يتحدث بصوت مرتفع… ربما أدرك الشيء الذي تعرض له كامل بالأمس… لقد تعرض هو وزملاءه لشيء من هذا القبيل… ولكن السجين 135… لا يدري ما هي ردة الفعل… التي تجاوب بها كامل… مع ما حدث له… إن كامل غامض… وغموضه ليس على المعتقلين فحسب… بل حتى على السجانين… قال السجين 135… بصوت قوي:
- " على كل واحد منا… أن يستحضر عظمة الله… وقدرته… عندما يتفنن هؤلاء الأقزام… في تعذيبنا… إنهم حشرات… أمام الحق… ونحن نملك الحق… لأننا أبرياء… وهم المجرمون… الذين خاضوا الحروب… في وجه الدنيا… اصبروا… واثبتوا… أنتم عندها تستحقونهم تحت أقدامكم.
أنا لا أخشى عليكم العذاب البدني… ولا النفسي… لأن ذكركم لله… حال وقوع العذاب بكم… يجعل العذاب شيئاً تافها… لا يقدم ولا يؤخر… أنتم تعلمون ذلك… تعلمونه جيدا… لأنكم جربتموه… لقد عانيتم من ذلك النوع القذر… من العذاب… عندما أدخلوا عليكم تلك الغانية… هذا ما يريدونه… إنهم يعلمون مدى تدينكم… ويعلمون ماذا يعني لأحدكم وقوعه في الحرام… إنه يعني الندم… وتأنيب الضمير… والإحباط… وتشكيك الشخص في ذاته… وهذا يعني…. الانهيار… الانهيار… نعم… الانهيار… وهو ما يريدونه بكم… ولكن… يا أخوتي… إن وقَع أحدكم في شيء من هذا البلاء… فلا ييئس… ولا يقنط… وليثبت… وليراجع نفسه… وإن الله غفور رحيم… ولكن… عليه ألاّ يعود… ولو عادوا… ولتستعينوا بالله.
وأخيرا… أسال الله أن يمدكم بالصبر… في الابتلاء الرهيب… ابتلاء تلك الليلة… الليلة الصعبة… من ليالي قونتاموا… الليلة… التي بدؤوها معنا… بعد أن صمدنا… في كل الابتلاءات السابقة… ومازالوا يكررونها معنا… ويكررونها… الليلة… ذات العذاب العميق… أصبروا فيها… وصابروا… ولا تتخاذلوا… أعلم صعوبتها عليكم… وصعوبة ما يقومون به ضدكم… ولكن… كونوا مع الصابرين… ولا يدرككم الخذلان… أو الانهزام… لأن النصر في النهاية… يكون للصابرين"
صمت السجين 135… لأن الجندي لكمه على بطنه… ثم قيد يديه لأعلى.
لم يصرخ السجين 135… مع أن يديه المشدودتان لسقف القفص… تكادان تنفصلان… وأيضا… لم يصمت الصوت… في جو تلك الأقفاص… لقد بادر سامي من هناك… أراد أن يكمل ما بدأه السجين 135… لذا قال :
- "نم يا أخوتي… الليلة التي نعاني من تكرار عذابنا فيها… هي الليلة التي يجب أن تدفعنا للصبر… إنها معاناة عظيمة… أعلم ذلك… وتعلمونه… ولكن… إيماننا هو الذي يحيل معاناتنا وصبرنا… إلى سعادة… اصبروا… وصابروا "
صمت سامي… لأنه بدأ في أخذ نصيبه من اللكمات… في حين سبح كامل… ولأول مرة… في طيات هذا الكلام… أسئلة كثيرة ثارت في ذهنه:
- " هل يعقل… أن أحداً من هؤلاء المعتقلين… يشعر بالسعادة… لأنه يصبر على الأذى؟… وهل صحيح… إن العناء الذي أجده… لا يجدون هم مثله؟… وهل لهم طموح في الخروج… بمجرد أن يدعون الله… أن يخرجهم؟… أما أنا… فحتى الأمل المجرد… حتى ولو كان كاذبا… الأمل في أن أخرج… لا يمكنني تحصيله"
اعتدل كامل في جلسته… وأعاد ظهره على القفص… وهز رأسه متسائلا:
- " ترى… ما هي الليلة… التي فيها العذاب والتنكيل… الذي لا يمكن احتماله؟ "
2- صمت
الليل مكفهر… كحاله بشكل عام… وكحاله بشكل خاص… في أقفاص قونتاموا.
يمد كامل يده… ويسحب اللحاف الصيفي… ليغطي وجهه… ولا يضيره أبداً… أن تُكشف قدماه.
ليست المشكلة هنا… ولكن المشكلة… تكمن في ذلك البعوض المتطفل… الذي يرى لزاماً عليه… أن يعيش… حتى ولو على دماء الآخرين.
وبكل سلاسة… انتقل البعوض… الذي كان يزن على رأس كامل… ليزن على قدميه.
إنها صفقة رابحة… لكامل… فهو على الأقل… لم يعد يستمع للطنين المزعج.
دخل كامل في نومة قصيرة… سرعان ما أيقظه منها… صوت الحارس… وهو يفتح باب القفص… ويصرخ :
- " قم… قم… استيقظ "
لم يكد كامل يفتح عينيه… حتى سُكب جردل من الماء… على وجهه… هذا لا يهم كثيرا… فهو أمر معتاد… ولكن المهم:
- " لماذا هذا الوقت بالذات… للاستيقاظ ؟"
جلس كامل… في حين أمسكه الجندي بيده… وقال محتقراً :
- " هيا… قم "
جاء جنديان من هناك… دخلا القفص… واقتادا كامل… بعد أن فك أحدهما السلسلة المربوطة في أرض القفص… وبقيت سلاسل اليدين والرجلين.
سار كامل… يثقله همه… وخوفه… مما هو مقدم عليه.
لقد مر بالتأكيد… على أيام عصيبة… ولكن:
- " ترى… هل هذه الليلة… هي الليلة الأصعب… في هذا المعتقل الكريه… والتي يتحدث عنها أولئك السجناء… الليلة العصيبة… التي فيها… أعلى درجات العذاب والتنكيل… والتي لا يستطيع الشخص… الذي يَتم التحقيق معه… أن يتحمل ما فيها من عذاب… حتى يجد نفسه… مضطرا… ليفيض بكل ما لديه… ولكن… ماذا لدي أنا حتى أقوله؟… لا… لا… لعلها ليلة أخرى… وليست هذه الليلة… لعلها ليلة أخرى"
انقضى الوقت سريعا… ووصل كامل… إلى الغرفة… التي توقعها مسبقا… غرفة التحقيق… دخل.
كل الاحتمالات مطروحة… بداية بالموت… الكهرباء… الكلاب المسعورة.
كامل يحاول إعداد نفسه لذلك.
دخل كامل الغرفة المشئومة… تركه الجنديان… وأقفلا الباب.
طالع كامل هنا وهناك… لا أحد… سار قليلا… وقف… فكر في الجلوس… لكنه لم يفعل.
الفصل الثاني والخمسون
1- الراعي
الشمس هناك… في بداية السماء… من جهة الشروق… تدفع الدنيا… إلى الأمام… وتدفع الدفء والنور… إلى الدنيا.
وجمال… ينطلق مسرعا… ليمسك النعجة الكبيرة… ذات الصوف البُني… وعندما… يمسكها مباغتة… يسحبها للخلف… ويدني رضيعها منها.
أنه يعمل بجد… وهذا اليوم… هو اليوم الأخير… لعمله مع العجوز… لقد مر شهران… على بداية عمله.
لقد أحب جمال… هذا العمل… إنه يخرج بالأغنام… التي تجاوز عددها السبعين… ويصعد بها الجبال… ولا يعود… إلا بعد صلاة العصر.
جمال… يحمل على عاتقه… حقيبة من القماش… يضع فيها… شيئا من خبز… وتمر… وزبيب… ويحمل معه سكينا… وعلبة ثقاب… وإبريقاً يحلب فيه من إحدى الشياه.
ومع انتصاف النهار… يملأ جمال الإبريق… بالحليب… ويوقد النار… ثم يضع الإبريق على النار… حتى يغلي… ويتناول وجبته.
حياة لا بأس بها… يقضي فيها الصبي… وقتا ممتعا… بعض الشيء.
جمال… سيودع هذه الديار… غدا… وسيودع العجوز الطيبة… وينطلق… إلى أقصى الحدود… سيذهب باحثا عن رجل… طرأت صورته في ذهنه فجأة… وهوى يغرس شجرة حبه لهؤلاء الناس البسطاء… إنه أسد الرحمن… الرجل الذي كان يقلم أشجار الشارع… في بلد جمال.
لقد بدأ جمال… يطمئن لهؤلاء الناس… صحيح… إن الخوف والإجرام… قد ازداد كثيرا… بعد سقوط الحكومة الأولي… لكن الحياة في مجتمعات بسيطة كهذه… تبقي كما هي… حتى مع أكبر النكبات.
2- الأجرة
في صباح اليوم التالي… ها هو جمال… واقف بزيه الذي سيسافر به… أمام باب المنزل… ينتظر ما ستحضره له العجوز… من طعام سيكفيه مسافة الطريق.
لقد كان حينها… ينظر إلى تلك العصافير… التي تروح وتجئ… إلى إناء يحوي قليلا من الماء… هناك… قرب الباب.
جاءت العجوز… وقدمت له حقيبة الطعام… ثم قبلت جبينه… ووضعت في يده نقودا… هي أجرة رعيه للغنم… مدة شهرين… ثم وضعت في جيبه نقودا أخرى… غير أجرته… وقالت:
- " هذه هدية لك"
رد جمال:
- " لا داعي… لم تقصري معي قط "
- " أنت تماما مثل ابني… كان بودي… لو تبقى معي مدة أطول… ولكن… في رعاية الله… واحذر الطريق… وأحذر السير منفردا… خاصة مع شخص لا تعرفه… وإن لم تجد القرية التي تريدها… أو لم تجد الرجل الذي تقصده… فعد إلى هنا… أنت هنا في منزلك"
قبّل جمال رأس العجوز… ثم ابتسم… وذهب.
وهناك… هاهو موقف الحافلات… إنه لا يبعد كثيراً.
وصل جمال إلى الموقف… وقصد تلك الحافلة… وسأل عن وجهتها… ثم ركب.
3- وداع
هذه هي الليلة الرابعة… لانطلاق جمال… باحثا عن أسد الرحمن… مزارع الشارع… جوار منزلهم.
الواقع… إن جمال… ليس متأكداً من إمكانية مقابلته أسد الرحمن حنيف… ولا حتى… متأكداً من عثوره على منزله… ولكنه سيحاول.
لم يعد جمال يهتم كثيرا… للصعاب التي يقابلها… لقد أصبحت الدنيا بالنسبة له… أكثر بساطة وأقل تعقيدا… ولم لا… وهو يري تلك الجثث… في الطريق… ويرى الضحايا… تتناهش أجسادهم… أنياب الكلاب… ومناقير الطير.
يتميز جمال… بخصلة مهمة… ساعدته كثيرا… في التغلب على الصعاب… التي تواجهه… في هذا العالم… الجديد عليه… تلك الخصلة… تتركز في كثرة سؤاله… عن أي شيء يخطر في باله.
إنه يحاول الاستفسار ممن حوله… عن الأسماء… والأماكن… وطرق العيش… وهو حريص جداً… على تعلم اللغة الأفغانية….. ولا يجد جمال صعوبة كبيرة… في الوصول لما يريد معرفته… خاصة وأن كثيرا من الأفغان… يجيد العديد من المفردات العربية.
ركب جمال الحافلة المتجهة إلى قندوز… جلس جوار النافذة… وهناك… بدت العجوز… واقفة على قارعة الطريق… عيناها مغرورقتان بالدموع… ويدها تودع.
لم يطل الوقت… انطلقت الحافلة… وكان جمال يشير بيده مودعا… أثناء ذلك… دمعت عيناه… لا لأنه سيغادر منزل العجوز… ولكن… لأنه تذكر صفية وحامد… زفر زفرة طويلة… وتغيبت صورة العجوز من أمامه.
4- مدينة العاب
جمال… جالس في مقعدة… يعدُّ زفراته… ولكنه ابتسم فجأة… عندما مد الجالس جواره يده مصافحا… وقائلا:
-" السلام عليكم… أنل محمد رجا… ما اسمك؟"
رد جمال باهتمام:
-" جمال"
بدا محمد رجا شابا لبقا اجتماعيا… استرسل مباشرة في تناول بعض القصص عن هذه الحرب… وبدا جمال سعيدا لهذه الصحبة.
مرت الساعات… خلف الساعات… وبعد ما يقارب اليوم والنصف… وصلت حافلة جمال… إلى منطقة رامز شاه… إنها المنطقة الجبلية… التي يفترض… أن يكون منزل أسد الرحمن حنيف وعائلته… فيها.
وقفت الحافلة… ونزل معظم الركاب… ومن بينهم… جمال… ومحمد رجاء.
غادرت الحافلة… ونظر محمد رجا إلى جمال… وقال:
- " أهلا بك في رامز شاه… ستسعد بالبقاء هنا… والناس سيساعدونك بكل طاقتهم… تريد قرية… جال باوندي… إذن… علينا أن نبقي واقفين هنا… حتى تمر عربة حصان.
وإذا كان لنا نصيب… فستأتي العربة… خلال مدة قصير… وسنمتطيها… صحيح… الطريق سيكون طويلا… ولكن… لا عليك… طعامنا معنا… ربما تبقي الرحلة… عشر ساعات… سنقضي ساعة منها للراحة… في منتصف الطريق.
- " عشر ساعات… يا لها من رحلة"
- " هل جربت رحلة كهذه… من قبل ؟ "
- " لم أركب عربة الحصان… إلا في مدن الألعاب"
- " هـ… هـ… هـ… إذن نحن في أفغانستان… في مدينة العاب كبيرة"
- " بالفعل… بدا ذلك جليا"
- " حتى الألعاب النارية… التي تجدها هنا… لا توجد في أي مدينة العاب… في العالم".
والوقت يمضي بسرعة… جمال ومحمد رجا… جالسان على قارعة الطريق… إنهما يٌقطعان الوقت… في انتظار العربة… لقد كان محمد رجا سريع البديهة… يجيد تقليد الأصوات… وإلقاء الطُّرف… لذا كان الجلوس معه مبهجا.
5- عربة الحصان
مر من الوقت… قرابة نصف الساعة… لم تكن طويلة على تلك الجلسة… المليئة بالأنس.
ومن هناك… جاءت عربة الحصان… إنها تستوعب ستة ركاب… ويجرها حصان قوي… ولها أربع عجلات… ومغطاة من الأعلى… بقماش سميك… ليستظل الركاب به… تبدو العربة… أقرب لسيارة… ولكن محركها حصان… وليس موتور.
وقفت العربة… وركب جمال ومحمد رجاء… وشخصين آخرين… على أمل أن يجد السائق… ركابا آخرين… في الطريق… كي يكتمل النصاب لديه.
لكن محمد رجا… كان سعيدا بهذا العدد… لأنه يمنحهم اتساعا في العربة… يخولهم التمدد لحد ما.
انطلقت العربة… وبدا التعارف بين الركاب… والحديث الذي لم يخرج عن مشكلات الحرب… والحكومة الجديدة… والضحايا الذين سقطوا ظلما وعدوانا… والمستقبل الذي ستتجه له المنطقة.
كان كل من الحاضرين… يدلي بدلوه… وكانوا يقدِّرون وجود جمال معهم… لذا تراهم يفسرون بعض ما يقال… باللغة العربية.
سار الطريق معهم… وساروا معه… وبدأت الألفة بين هؤلاء الركب تزيد وتزيد… ووجد صاحب العربة مراده… حين وجد عدداً من الأشخاص يريدون الذهاب إلى (جال باوندي)… كان السائق سعيدا بهذا الأمر… في حين وضع محمد رجا يده على رأسه وهو يقول:
- " مرحبا بكم… ولكن… لا مرحبا بالازدحام"
كان من بين الراكبين الجدد… أحد المجاهدين العرب… من المغرب العربي… بدا وأن هذا الراكب… يملك الكثير من المعلومات… في المجالات الدينية… وبدا بشوشا عذب الحديث… وهو يجيد الحديث باللغة الأفغانية… وبعد مسيرة لم تطل… استأذنهم الشيخ بشير المغربي… في أن يقدم لهم بعض الأحاديث الدينية… وبعض القصص عن الأنبياء والسلف… وكان لوجود الشيخ بشير… داخل العربة… جو خاص من الأنس.
5- حمار وراكبين
ها هي تلك… المنازل الطينية… في منطقة (جال باوندي)… لقد انقضي الطريق سهلا سلساً… وأحس جميع الركب… في هذه الرحلة… بالانسجام… لقد بدو إخوةً لأب وأم… وعند نزولهم من العربة… عانق كل منهم الآخر… ودموعهم عالقة في أهدابهم… لهذا الفراق.
ذهب الجميع… عدا محمد رجا… وجمال… حيث أقسم محمد رجا… أن يُوصل جمال… إلى المنزل الذي يريده.
وبدأ محمد رجاء في سؤال المارّة… ممن يرى أن لديهم معلومات كافية… عن هذه المنطقة… سواء من كبار السن… أو من سائقي العربات الصغيرة… التي تتنقل بين القرى… لم تكن المهمة صعبة… لقد وصل محمد رجا… للوصف الذي يريده… أمسك يد جمال… وسارا مسافة… ثم استأجرا حمارا قويا… ركبا عليه سويا… على أن يُعيدوه إلى المكان نفسه… قبل يوم غد.
سار الحمار براكبيه… وما هي إلا ساعة واحدة… في الاتجاه الصحيح… وبدت القرية المقصودة.
6- المسجد والبئر
مع غروب الشمس… كان جمال ومحمد رجا… واقفين عند باب المسجد… الذي تذكر جمال وصفه جيدا… عندما قال له أسد الرحمن… وهو يجلس على الرصيف:
- " اسمع يا جمال… أنا في قريتي… في أفغانستان… أصلي بالناس إماما"
- " إمام… وأنت عامل"
- " نعم… ولكن… لا أصلي بهم… إلا عندما أكون هناك"
- " تصلون في المسجد"
- " بالطبع… ومسجدنا فيه مئذنة طويلة من الطين… وبجواره شجرة سدر… تحتها بئر صغير… ومن أراد الوضوء… يُنزل الدلو للبئر… و…"
نظر جمال للسدرة… وقال يحدث محمد رجا:
- "هذا هو المسجد… الذي حدثني عنه أسد الرحمن… وقال… إنه يصلي فيه إماما… كلما جاء إلى هنا".
- " هل أنت متأكد؟"
- " نعم… متأكد… تمام التأكد… أشكرك يا محمد… أعلم أن أمامك سفر… وعليك أن تقطعه… لقد أتعبت نفسك معي"
- " كلا… كلا… أنا سعيد بمساعدتي لك… والحمار… الحمار سيقوم بمهمة إعادتي للموقف… ومنها ساعتين أو ثلاث… وأكون في منزلي… ولكن… أخشي ألاّ تجد أسد الرحمن… ولكن… لا مشكلة… لو لم تجده… فستأتي معي"
- " أنا متفائل… سوف نجده… بإذن الله"
أدار جمال عينيه… وكأنه يبحث عن شيء ما… ثم صرخ وقال:
- " انظر… إنه قادم… ذاك الرجل… هو أسد الرحمن "
أقبل من هناك… كان رجلا مهيبا… تتحرك لحيته البيضاء… مع الرياح… بَسْمتُهُ تكسو وجهه… بوقار وسكينة… كان ينظر للغادين والرائحين باهتمام… ثم يلقي السلام عليهم… ويواصل سيره.
لكن صرخة ذلك الصبي… القادم نحوه… جعلته يتوقف مكانه… في ذهول.
اقترب جمال… من أسد الرحمن… ثم توقف… وهو يقول:
- " عم أسد الرحمن… عم أسد الرحمن… أخيرا وجدتك… كم اشتقت إليك!"
نظر أسد الرحمن… في ذهول… وشرد ببصره قليلا… ثم مد يده مصافحا… وهو يبتسم… ثم قال:
- " لم أعرفك… اعذرني يا بني"
- " أنا جمال"
- " جمال؟… جمال!… من؟ "
- " ألم تكن تعمل في بلدي… وتقلم الأشجار… جوار منزلنا… وكنتُ اختلس الوقت… لأتحدث معك… وكان والدي يمنعني"
قال أسد الرحمن… في ذهول:
- " جمال… جمال… نعم…نعم… جمال… ولكن… مستحيل"
انحنى أسد الرحمن… ليعانق الصبي بحرارة… وهو يقول:
- " كيف أتيت هنا؟… ولم؟… ثم… قل لي… هل أنت بخير؟… كيف جئت إلى هنا؟… قل… هل أنت وحدك هنا؟… مستحيل!… مستحيل!"
كان اللقاء مؤثراً للغاية… وفي تلك الأثناء… إذن المؤذن… لصلاة المغرب… ودخل الثلاثة المسجد.
وبعد انقضاء الصلاة… استأذن محمد رجا… للذهاب… وسار جمال والشيخ أسد الرحمن… سويا… إلى منزل أسد الرحمن.
وانقضت تلك الليلة… جمال بخبر أسد الرحمن… بالقصة المريرة… التي حدثت له ولعائلته… وأخبره أن منزل والدته قصف… وأن والدته قضت بداخله… وأن والده… قد وقع في أيدي الأمريكان… وربما قتلوه… وأنه أصبح الآن… وحيدا… لا ملاذ له… إلا الله.
ربت أسد الرحمن… على كتف جمال… وقال:
- " اطمئن… أنت في منزلة ولدي تماما… ستعيش معي… هنا… كما يعيش الابن مع والده… حتى يطلق والدك… وأرجو الله… أن نلقاه بخير… في أسرع وقت… سأساعدك بكل ما أملك"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق