الجمعة، 2 يوليو 2010

لبرالي في سجون قونتنامو " الجزء الرابع "


الجزء الرابع 

الفصل الحادي عشر
1- في السفارة الأمريكية
لحيته الطويلة بعض الشيء… تقطر بالماء.
يخلع الحذاء البلاستيكي… من قدمه… في هدوء… ويقول:
- " أشهد أن لا إله إلا الله… وأشهد أن محمد رسول الله … الهم اجعلني من التوابين… واجعلني من المتطهرين"
يسير بخشوع… تجاه الباب الخشبي المنقوش… يدخل برجله اليمنى… وعندما يقف في الصف الأول… ينظر يمنه ويسره … ويقول بصوت مرتفع:
- " الله أكبر"
يُنهي سنة الظهر… القبلية… وينظر إلى من بجواره… ويمد يده مصافحا… مبتسما… ثم يمد يده نحو رف المصاحف… يأخذ مصحفا… ويعود ليتكيء… ويبدأ في التلاوة.
 بقي أشرف… على حاله ذاك… قرابة الثلث ساعة… بعدها… أعاد المصحف للرف المقابل… وأقيمت الصلاة… ودخل مع المصلين … في محراب قدسية الصلاة.
انقضت الصلاة… وانقضى التسبيح… وقام أشرف…  ليصلي السنة البعدية… وبعد ذلك… رفع يديه داعيا… لقد أطال في الدعاء… بالقدر الكافي… ثم قام… واتجه لأرفف الأحذية… وحمل حذائه… وخرج متجها إلى عربة المترو.
لم يطل الوقت… لقد حضر المترو… دلف أشرف… مع الداخلين… ثم القى السلام… على من كان بالداخل… وجلس.
أثناء بقائه في مقعده… بقي ممسكا حقيبته بحرص… ومتكئا بظهره على إحدي النوافذ الجانبية… وكانت العربة… متجه من حدائق القبة… إلى ميدان التحرير.
أشرف… ينظر في صفاء… للغادي والرائح… ثم يعيد ترتيب طاقيته البيضاء… ويمسك شعرة طويلة من لحيته… ويقلب عينيه في الواقفين أمامه.
وعندما دخلت امرأة وطفلها… عبر بوابة العربة… أثناء وقوف المترو… في محطة رمسيس… ولم تجد مكانا لتجلس فيه… تحرك أشرف بنخوة وحرص… وقال لها :
-      " تفضلي يا أختي"
امتنت المرأة شاكرة… وقالت:
-      " ربنا يكرمك"
تنطلق المقطورات بسرعة… وتصل محطة التحرير… وينزل أشرف بهدوء… وفي يده حقيبته… ثم يتجه مع الخارجين… ويصعد درج الخروج.
تمر دقائق قليلة… ها هو أشرف… ينزوي قليلا عن أعين الغادين والرائحين… بجوار مبني لم يفرغ من بنائه… ويفتح الحقيبة بحذر… ويخرج قناعا بلاستيكيا… يمكنه من خلاله… تغيير بعض ملامح وجهه… يضعه على وجه… وينظر في مرآه معه… ويضع شعرا مستعارا… ونظارة شمسية… ثم يخرج… ليتابع سيرة.
لم يطل الوقت… ها هو أشرف… يصل بوابة السفارة الأمريكية… يبرز بطاقته… فيبتسم له الحارس… ويسمح له بالدخول.
وفي ذلك الجو… يبدو أن أحدا ينتظر أشرف من فترة… يجري الحارس اتصالا للإبلاغ بدخول أشرف… ويأتي شخص من الداخل… يبادله التحية… ويصحبه للداخل.
وعبر ممرات واسعة من الرخام… يسير أشرف والشخص المصاحب له… وينتهي بهم الطريق… إلى غرفة كبيرة… يدخلان… ويقف السكرتير… يستقبلهما بحرارة… ويصافح أشرف… ثم يسمح له بالدخول.
 لم يفاجأ أشرف… عندما رأي وجه ديفد… هناك… إنه الشخص المبتسم المرح… الذي يشعر أشرف تجاهه بالكثير من الثقة والانسجام… قام ديفد باهتمام… وصافح أشرف… وربت على كتفه وهو يقول:
-      " بالطبع أنت سعيد هنا… أليس كذلك؟"
-      " أفضل من السجن"
-      " قل لي… ما أخبار التخفي؟"
-      " كما يسرك"
-      " أنت تجيده"
-      " وأحبه"
-      " هـ… هـ… أرني… اخلع القناع والشعر المستعار"
خلع أشرف القناع… بدا شخصا آخر… فتح حقيبته… وأخرج الطاقية… لبسها مبتسما… وقال:
-      " بالطبع… أنا أصلي في الصف الأول في المسجد… ولدي مصحف صغير لا يغادر جيبي"
-      " هل تعاني من ظهورك بهذه الهيئة المتدينة؟"
-      " كلا… كلا… صرت آلفها… الحقيقة أني أتعايش معها… ربما أعاني عند ارتداء هذا القناع"
-   " ألا يمكنك التقصير من لحيتك… لقد طالت بشكل لم أكن أتوقعه… عند آخر مرة التقيت بك فيها"
-   " بعد دراستي أدبيات الجماعة التي سأنضم لها… أدركت أهمية اللحية… علي أن أتركها كما هي… لتنمو كما تريد… دون زيادة أو نقص"
-   " رائع… هذا ما أردت أن تصل إليه… القراءة المستمرة… الثقافة الدينية… دراسة منطلقات الجماعة… محاولة تطبيقها باهتمام… وفي وقت لاحق… سنخبرك بالآلية التي تنضم بها للجماعة"
-   " أعجبتني التوصية الخامسة والثلاثين… من توصيات الدكتور نضال رأفت… والتي يؤكد فيها… أهمية أن أتعوّد على إلقاء الدروس والمحاضرات"
-      " هـ… هـ… وهل أنت مستعد لذلك؟"
-      "أنا أعد نفسي له"
فتح ديفد حقيبة كانت أمامه… وسلم أشرف عددا من الأوراق… وقطع صغيرة تضاف لجهاز الكمبيوتر… وقال له:
-   " هذه التوصيات… عليك أن تدرسها جيدا… في الأيام التالية… قد تضطر للسفر إلى الريف… ستتغير حياتك كثيرا… سيكون لك مزرعة… وستعيش هناك… مدة من الزمن"
-      " جميل… أعلم ذلك… لقد كان مدونا في إحدى الرسائل… التي وصلتني عبر البريد الإلكتروني"

2- حوار حول الملك
في الحافلة الصغيرة… وعلى مقعد متهالك… يطالع من النافذة المجاورة… وعلى امتداد بصره.
تجري المساحات الخضراء… لترسم لوحة بارعة للريف المصري… ثم يستنشق الهواء المعكر قليلا… بدخان الحرائق… التي يشعلها المزارعون… للتخلص من بقايا شجيرات الأرز.
 الجميع صامتون… وأيضا صامدون… أمام حرارة شمس الظهيرة… في حين أخرج مصحفه… وبدأ يقرأ.
 صوته جميل… وتلاوته تبدو خالية من الأخطاء… لحد بعيد… وبين كل فترة وأخرى… يسأل الشخص المجاور له:
-      " هل وصلنا المنوفية؟"
-   " لو وصلنا لوقفنا… شغل عقلك قليلا… آخر محطة في سيرنا ستكون المنوفية… عندما نصل… سأخبرك "
-      " جزاك الله خيرا"
-      " وجزاك… هل أنت مصري؟"
-      " بالطبع… أنا من أهل المنوفية"
-      " غريب… من أهل المنوفية… ولا تعرف بلدك!"
-      " الغربة… نعم… الغربة… لقد عشت سنوات الغربة… والحمد لله عدت الآن"
-      " ما شاء الله… تغربت… يعني كسبت… ستفتح مشروع إذن"
-      " لا…لا… أتيت لآخذ حقي في ميراث جدي"
-      " أرض … أم مال"
-      " خمسة فدادين"
-      "أوه… ثروة طائلة… ستشتري معها جاموسة… وحمار… وعربة… وتعيش ملك… ابن ملك"
-      " ملك… هـ… هـ… هـ… من أجل امتلاكي جاموسة وحمار"
-      " ولم الضحك"
-      " لأنك لا تعلم كيف يعيش الملوك"
-      " ولمَ؟…  (هم الملوك… أحسن مننا في إيه؟)"
ضحك أشرف… وأعاد النظر لمصحفه.

3- ملكية أرض
تدخل القرية… سيارةُ أجرة… تقف أمام بيت العمدة… وينزل أشرف… ويتجه ناحية المنزل… ويطرق الباب.
ما هي إلا ثوان… ويخرج العمدة… ثم يبتسم في سعادة… ويستقبل أشرف… ثم يدخله للداخل.
  وعلى مقعد خشبي جميل… يجلس أشرف… ويجلس العمدة جواره… ثم ينادي بحضور الشاي… ويبدأ حديث بينهما… حول بعض القضايا العامة… ثم ينتقلون لقضايا خاصة… ويخرج أشرف حقيبة صغيرة… يفتحها… ويخرج أوراقا… يفتحها أيضا… ويعرضها على العمدة… أول ورقة عرضها على العمدة… فيها توصية… من أحد الوزراء… تؤكد على ضرورة التعاون مع حامل الورقة… لم يتفاجأ العمدة كثيرا لهذه الورقة… وإنما قال:
-   " الحقيقة أنك ضيف عزيز… ثم إن اتصالا وصلني منذ يومين… بهذا الشأن… وأنا على كامل الاستعداد… لتقديم جميع الخدمات… لإثبات الحق لأهله… وأنت صاحب حق"
-   " أنا أعلم مدى نزاهتك… ووقوفك مع الحق… وأعرف أن أهل بلدي طيبين… وهنا… هنا وراق ثبوت ملكية الأرض… أنا لا أريد سوى حقي"
-      " أرى… "
نظر العمدة مليا… ثم أكمل:
-   " نعم… إنها أوراق معتمدة… وموثقة… وهذا ختم الشهر العقاري… والشهود… والعمدة السابق…كم المساحة؟"
-   " خمسة فدادين… ورثتها من جدي… حيث اشتراها جدي منذ ثلاثين سنة… ومات… ولم يستفد منها منذ ذلك الوقت… سوى التربيني… الذي باعها من جدي… حيث لم يستلمها جدي مطلقا… وإنما دفع نقودها… ثم ذهب للحرب".
هز العمدة رأسه… ونادى أحد الخفر… وقال له:
-   " اذهب لعمك نور التربيني… وأخبره أني أريده في أمر هام… أريد منه  الحضور لصلاة العصر… هذا اليوم… في المسجد… الأمر هام… من الحكومة… فهمت؟"
ذهب الخفير… وابتسم العمدة في سعادة… وأظهر المزيد من بهجته بوجود أشرف ضيفا عليه.

4- سر الأرض
الوقت… يمر بانسجام مع ما حوله… والريف… يسير مع النيل… كعشيقين عائمين… في ملكوت السعادة… وهناك… أشرف… يلقي بصرة عبر المزارع… التي تكاد تتنفس… أذن المؤذن لصلاة العصر… لم يكن الوقت طويلا حتى الجتمع الناس… وأقيمت الصلاة… وبعد الصلاة بقليل… كان نور التربيني… موجودا أمام باب المسجد… استقبله العمدة… وطلب منه أن يتبعه… في حين بقي أشرف في المسجد.
سار العمدة… وسار معه نور… وأمام منزل العمدة… وعلى مقعدين متقابلين من الخيزران… جلسا… وبدأ العمدة… يعرض قصة الأوراق… التي تثبت ملكية جد أشرف… للأرض… التي تحت يده… كان العمدة… يتوقع معارضة من نور… إلا أن نور… أخذ الأمر بكل أريحية… وأقر ببيع الأرض… لجد أشرف… منذ زمن… وأخبره… انه سعيد بعودة الأرض… لأصحابها… في حال ثبوت شخصية الوارث.
طلب العمدة… من أحد الحرس… استدعاء أشرف… من المسجد… وعندما جاء أشرف… ألقى السلام… استقبله نور… بحفاوة… جلسوا جميعا… وقال العمدة:
-   " أخي أشرف… من حسن الحظ… أن ما ورثته من جدك… تحت يد رجل سمح… صاحب دين ومروءة… لقد عرضت الأمر على نور… كان متفهما للوضع "
قال نور:
-   " هذا واجب… الحقيقة… أني قد بعت الأرض… منذ زمن… وأن الشخص الذي اشتراها… قد دفع ثمنها كاملا… وهي أمانة في عنقي… حتى يعود أصحابها لأخذها.. الحق حق… والحق أحق أن يتبع "
ابتسم أشرف… وقدم لنور… عددا من الأوراق… المثبتة ملكية الأرض… قرأها نور باهتمام… وهز رأسه… وقال:
-   " تستطيع مباشرة أي عمل في مزرعتك… منذ اللحظة… أنت أحق بأرضك… نحن لا نريد أن يأكل أبناؤنا الحرام… ولكن… أريد منك أن تسامحنا فيما أخذناه منها… خلال السنوات الماضية… فقد أكلنا منها… ولكننا كنا نعتني بها لك"
-      " سامحكم الله… بل إن أردتم أنتم… أجرة حراستكم للأرض… فأنتم تستحقونها"
قام نور… ليعانق أشرف… في حين ابتسم العمدة… وقال:
" أنت قدوة صالحة يا نور… قلّ وجودها في هذا الزمن"
لم يكن من الصعب أبدا… معرفة السر… وراء قبول نور… التخلي عن أرضه… بكل هذه السهولة… عند العلم… أن شخصا قد جاء إليه… منذ قرابة الشهر… وجلس معه جلسة طويلة… وأعطاه مبلغاً كبيرا من المال… في مقابل الزعم… بأن جد أشرف… قد اشترى الأرض… منه منذ أمد.
استأجر أشرف سكنا قريبا… واشتري أرضا سكنية في القرية… وبدأ في إعمارها.

5- منزل أشرف
مرت الأيام سريعا… لقد أصبح أشرف… من سكان القرية… بامتياز… وهو يزور مزرعته بشكل دوري… لقد استأجر عمالا للعمل فيها… وبناء منزله… يسير على قدم وساق… إنه يستأجر للعمل في المنزل… بدل العامل عشرة… كي ينتهي البناء… في وقت قياسي.
لم يطل الوقت… شهران فقط… وها هو البناء… ينتهي… ويسكن أشرف… لقد أعد لتلك المناسبة… احتفالا كبيرا… جمع فيه أهل القرية… من نساء ورجال… وعم الأنس… الجميع فرحوا بمجيء هذا الزائر… الذي يبدو سمحا معطاء.
 لم يكن منزل أشرف كبيرا… إنه منزل صغير إلى حد ما… من الطوب المسلح… غرفتان وصالون… ودورتي مياه ومطبخ.
بيد إن بناية أشرف… تلك… كانت متميزة جدا… عن البناء المجاور لها… فهي مليوسة من الخارج… ومدهونة بطلاء ابيض… ولها فناء مجاور… وموقف للسيارة.
ومع نسمات السحَر… يشق صوت مكبر الصوت… أفق القرية… بابتهالات عذبة… فتح أشرف… باب منزله… وخرج… واتجه للمسجد.
الجو بارد بعض الشيء… وأفرادٌ من شيوخ القرية وشبانها… يتوافدون للمسجد… بعضهم يتوضأ في دورات المياه التابعة للمسجد… وبعضهم خرج متوضئا من منزله… وداخل جدران المسجد… يشعر كل من يدلف… أن السكينة والأنس… تحتضن كل أولئك الذين يترنمون بترتيل آيات القرآن… هنا… في انسجام بالغ… ويسري بينهم… وبين متغيري الزمان والمكان… إشارات لطيفة… لا يفهمها أحد سواهم.
دخل أشرف… في هذا الجمع… ووقف… ليصلي ركعات طويلة… وبعد أن أتمها… جلس في مكانه يسبح… وما هي إلا دقائق… ويرتفع أذان الفجر… قام أشرف من جديد… وقام جميع من بالمسجد… ليصلوا سنة الفجر… ثم دخل كل منهم خلوته… سواء بقراءة آيات القرآن… أو بترديد الأذكار… أو بالتسبيح… وبعد دقائق… أقيمت الصلاة… واصطف الجميع بين يدي الله… وكبر الإمام… شروعا في الصلاة.
ما أن انقضت الصلاة… حتى خرج الناس لأعمالهم.
خرج أشرف مع الخارجين… وألقى التحية على كل من لقيه خارج المسجد… ثم اتجه معظم الناس نحو مزارعهم… واتجه أشرف… نحو منزله. 
وهناك… ومع انفلات نسمات الصبح… من بين شفتي الأفق… بدا أشرف… مزارعاً محترفا… من الدرجة الأولي… ها هو… يخرج من منزله… ويركب العربة التي يجرها الحصان… ويتجه نحو مزرعته… وما هي إلا دقائق… يصل أشرف… جدول الماء… ويوقف الحصان… وينزل… وينادي:
- " عم عمران… عم عمران"
جاء العم عمران… من هناك… بدا عليه الاهتمام… كان يقول:
-      " أهلا وسهلا… نورت المكان "
العم عمران… أحد الفلاحين البسطاء… في القرية… لا يملك سوى نصف فدان… وحين جاء أشرف… إلى القرية… استأجره لفلاحة الأرض… كان عمران سعيدا بهذا العمل الجديد… خاصة أن اشرف… قد تعاون معه كثيرا… في النسبة التي سيأخذها منه… من مردود الأرض.
يأتي أشرف لزيارة مزرعته… في الأسبوع… عدة مرات… إنه مهتم بها… ويوجه ويشرف على المحاصيل.
أشرف… شبه مستقر في القرية… ويقوم بدوره هناك… كشاب حريص على أهل بلدة… مراع لاحتياجاتهم… عضوا صالحا في المجتمع… يرتاد المسجد… بشكل دوري… وتبدوا بعض جهوده واضحة… في العناية ببعض الأسر الفقيرة.
وصل عمران… الرجل الذي جاوز الخمسين بقليل… إلى أشرف… صافحه… ودخلا السقيفة.
اتجه عمران… ليعد كأس شاي… في حين جلس أشرف… وألقي بصره إلى مزرعته… التي بدت جزءا من كيانه… أنها كما يقول:
-      " البقية الباقية… من كيان جدي رحمه الله"
جاء عمران… ووضع طبقا حديديا… يحوي كاسات الشاي… لم تبدو تلك الكاسات… نظيفة بالقدر الكافي… ولكن هذا الأمر… ليس بلأمر المهم هنا… ردد عمران حينها:
-      " يا أهلا ويا سهلا… يا أهلا وسهلا"
بدأ الحوار بينهما… عن تطورات الزراعة في هذه الأرض… واحتياجاتها… والبذور التي يحتاجها عمران للموسم القادم… والمبيدات… وأشياء أخري… ثم أخرج عمران مبلغا من المال… هو ثمن غلة القطن… في الموسم الماضي.

6- حفل المدرسة
لا أحداث جديدة… في حياة أشرف الغامضة… إنها تسير برتم منسجم… فهو يقوم بدوره عضوا صالحا في المجتمع… وفردا مَرضيّا عنه… في كفر أبو العرب… اسمه الطيب… سار في بيوت الفقراء والمعدمين… أكثر من سير أعطياته… التي لا تعدو كونها جنيهات قليلة… توضع في يد هذا أو تلك… بيد أن عمله الخيري… أخذ بُعدا آخر… عندما قرر أن يتكفل بدفع مصاريف الدراسة… لكل الأطفال الأيتام… في القرية… في سن ما دون الثانية عشرة.
مدير المدرسة… قدر هذا الجهد المشكور… من (فضيلة الشيخ أشرف)… كما سماه… وقدم  له دعوة لحضور مجلس الآباء… مع بداية السنة الدراسية.
لم يكن من أشرف… إلا إجابة الدعوة… حضر مبكرا… قبل الجميع… وصلي صلاة العصر… إماما… وصلى خلفه عدد ممن حضر مبكراً.
وبعد دقائق… حضر مدير المدرسة… وكان مهتما بأشرف… أيما اهتمام… ويدعوه بـ " الشيخ".
بدأت فعاليات الحفل… ووقف أشرف… جنبا إلى جنب… مع العمدة… ورئيس مركز الشرطة… واتجهوا لإدارة المدرسة… في معية المدير… وعقب الجلوس… قال أشرف:
-  " الحقيقة… إن القرية تحتاج العديد من المشاريع… التي ترفع مستوى حياة الأهالي… وتساعدهم على التغلب على الصعوبات… التي تواجههم… ولكن… شريان هذه القرية… الشريان الحقيقي… يكمن في المدرسة… المدرسة هي التي تعد لنا الأجيال… وهي التي تساعدنا المساعدة الحقيقية… على بناء مجتمع قوي… وعندما ندعم المدرسة… ونجعلها قادرة على بناء الجيل… فسيكون الجيل… في يوم ما… هو الأساس… الذي ينهض به البلد"
هز العمدة رأسه… وهز رئيس المركز رأسه موافقين… في حين قال مدير المدرسة:
-   " الحقيقة شيخ أشرف… المدرسة تعاني كثيرا… والطلاب في غالب الأحيان… لا يملكون نقودا لشراء الكتب والدفاتر… والمدرسون… يعانون من عدم كفاية الرواتب.. خاصة وأنهم لا يدرسون دروسا خصوصية… الجميع يعاني"
هز أشرف رأسه وقال:
-      " لكم عندي هدية… جميع منسوبي المدرسة… لهم مني هدية"
قام المدير مهتما وهو يقول:
-      " بارك الله فيكم يا شيخ… وكثر من أمثالكم "
-   " نعم… لكل مدرس… خمسون جنيها… ولكل طالب… هدية… عشرة جنيهات… سيتم توزيعها عليهم… الليلة… إنها جاهزة معي… وأنت… أنت لك هدية خاصة… يا سيادة المدير… وأيضا… لدعم وتحسين مبنى المدرسة… سأسلمك ألفي جنيه"
لم يطل الوقت… بدأ الضيوف… من أولياء أمور الطلاب يتوافدون إلى المدرسة… وألقى مدير المدرسة… كلمته ترحيبا بالضيوف… ولم ينس أن يثني على الشيخ أشرف… وجهوده لدعم المدرسة… ثم استمرت فعاليات الحفل… ووزعت الهدايا على الطلاب والمدرسين… ومع نهاية الحفل… اجتمع عدد من أهل القرية… للسلام على أشرف… كان وجهه طلقا بشوشا… عند مصافحته لهم… وعندما أراد الانصراف… ودعه المدير… على وعد بزيارة منه للمدرسة… في يوم قريب.

7- في الجنة كهاتين
يدخل بهدوء… ويلقي التحية… وينظر يمنة ويسرة… ثم يطأطئ رأسه… في حين  تقف (الآنسة) أمجاد… وتتحرك مبتعدة قليلا عن كرسيها… وتقول:
-      " أهلا يا أستاذ أشرف… مرحبا"
رفع نظره لها… ابتسم قائلا:
-      " لو تكرمت… لقد أتيت لدفع تكاليف الدراسة… لعدد من الطلاب"
-   " أعلم ذلك… سمعتك الطيبة… تسري بسرعة… في جميع أنحاء القرية… تفضل… تفضل… اجلس"
قلّبت أمجاد طرفها في ملامح أشرف… وملأت عينها من قسمات سمته وهدوءه… وأحست بأصوات خفية… تتحدث داخل وجدانها… في حين بقي أشرف لحظات… ونظراته متجهه للأرض… ثم رفع عينه فجأة… والتقى عينيها لحظة… انبعثت حينها… أحاسيس غريبة… داخله… وكأنما وجد شيئا قد افتقده… انتبه لنفسه… فهو الشيخ أشرف… أعاد انكسار عينيه… ردهما لوضعهما السابق… ثم أخرج مسبحته… وقال:
-      " سبحان الله… سبحان الله… سبحان الله"
ثم أكمل متحدثا معها… ونظره للأرض:
-      " لو تكرمت يا أختي… قسائم الدفع… أنا جاهز"
ارتبكت أمجاد قليلاً… ثم قالت:
-      " نعم… حاضر… حاضر"
سارت أمجاد للخزانة… في أخر المكتب… فتحت الدرج الأعلى… في حين ترك أشرف التسبيح… وبدأ يبحلق في أجزاء القوام الممشوق… هناك… ويقسمه طولا وعرضا… وعندما استدارت نحوه… أعاد نظره للأرض… واستأنف الاستغفار.
وفي حال سيرها نحوه… وجدت أمجاد… تلك اللحظات… مناسبة… كي تتأمل قسمات وجهه… الشريف… الشاب… المتدين… المحسن… الوسيم… الخجول… تأملت طاقيته البيضاء… وثوبه الأبيض… ولحيته السوداء… الطويلة نوعا ما… وذلك الأثر الصغير… على جبهته… من (قيام الليل)… ربما.
اقتربت منه أكثر… واشتمت رائحة المسك… تفوح من ثيابه… شعر أشرف بوقوفها أمامه… لذا قال: 
-      " أح… أح"
انتبهت وقالت متأخرة قليلا:
-      " هذه هي الأوراق… تفضل… وقع هنا"
-      " كم المبلغ"
-   " تسع مائة جنيه… لكل طالب… خلال السنة كاملة… يدخل فيها الملبس والمأكل… والسكن… خمسة عشر طالبا… هذا يعني ثلاثة عشر ألف جنيه"
-   " نعم… نعم… أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين… صدق حبيبي وقدوتي… رسول الله… اللهم صل وسلم عليه… اللهم صل وسلم عليه"
أدخل أشرف يده في جيبه… وأخرج دفتر الشيكات… وكتب شيكا باسم المدير… بهذا المبلغ… وقام وهو يقول:
-      " لو احتجتم أي مساعدة… فأبلغوني… وأرجو ألا أتأخر"
انصرف أشرف… وألقت أمجاد بدنها على كرسيها… ودخلت في أفكار حالمة.

الفصل التاسع
1- ياله من سر
يترك كرسية… ثم يقوم… ويتجه نحو الشرفة الشرقية… يزيح الستارة بهدوء… ثم يفتح الزجاج… ويسحب كرسيه… ويجلس.
جمال… يحمل كتابا مصورا… يتصفحه بهدوء… يمد بصره… عبر النافذة العاكسة… ليتأمل مليا… حديقة المنزل… يطالع بعض العصافير… التي تنتقل من غصن لآخر.
لم يطل الوقت.. يترك جمال النظر لأشجار الحديقة… ويمد بصره أبعد قليلا… هناك… نحو أشجار الشارع.
الساعة الآن… قرابة الخامسة والنصف عصرا… لم يبق وقت طويل… عن غروب الشمس… شعر جمال بسحر التماع أشعة الشمس… على قمم أشجار الشارع… مع ما تحدثه الرياح فيها… من تمايل واعتدال.
ولكن جمال… فجأة… دقق نظره هناك… في تلك الشجرة … الغريبة… وتلك الأغصان… المتراصة… بشكل منتظم… حدث نفسه:
-" إنها متراصة… بشكل رائع… ومن الاستحالة… أن تكون قد نبتت هكذا… من أصل الشجرة… ثم… إن… لونها مختلف… وأشياء أخرى تميزها".
ترك جمال كرسيه… وقف… ثم تقدم قليلا… وأطل من الشرفة… وبدا يدقق في تلك الشجرة… أكثر وأكثر… حدث نفسه:
-      " غريب… هناك ما يشبه السقف… وباب… وآثار سلم"
بقي جمال يتابع ببصره تلك الشجرة… وعندما حل الظلام… أغلق النافذة… وعاد… ليلقي بدنه على كرسيه… وهو يصارع شيئا من تساؤل.
لم يدم تصارع جمال… مع تساؤلاته… لقد عزم على تقصى سر تلك الشجرة.
خرج جمال من غرفته… اتجه لسطح المنزل… ومن هناك… حاول أن ينظر للشجرة… بيد إن السور… المحيط بسطح المنزل… كان طويلا بعض الشيء… لذا لم يتمكن جمال لم المشاهدة.
عاد جمال للداخل… واتجه للمخزن… وأخذ كرسيا خشبيا… خفيفا… ثم صعد للسطح من جديد… ووضع الكرسي… وبدأ يطالع.
لقد بدت الصورة كما توقعها جمال… إنه منزل صغير… من الخشب… مبني بمهارة… في تلك الشجرة.
عاد جمال للداخل… وبدا يفكر… في كنه ذلك البيت الصغير… وما يمكن أن يكون داخله .

2- نداء دون رد
الشمس هناك… لتوها تبعث رسائل النور… التي اعتادت الحياة على استقبالها من الشمس… يوميا.
يستيقظ جمال… يغسل وجهه… يتناول فطوره بسرعة… ثم يلبس ملابس المدرسة… ولكن… عقله مكدود… ويفكر في أمر ما… غير المدرسة.
حمل جمال حقيبته… وخرج… لقد كان خروجه هذا اليوم… أكثر بكورا من خروجه في كل يوم.
وبعد أن فتح جمال بوابة المنزل… الخارجية… اتجه مباشرة… ناحية الشجرة… التي تحوي المنزل.
وعندما وصل إليها… أدهشه ما رأى… إنه أشبه بمنزل صغير… ولكنه جميل… يحوي كل مقومات حياة هادئة… فكرة مثيرة… رأى جمال مثلها… من قبل… ولكن في بعض مسلسلات الأطفال.
بدأ جمال ينادي صاحب المنزل:
-      " يا صاحب الكوخ… يا صاحب المنزل… يا ساكن الشجرة"
ولكن… لم يصدُر أي رد على جمال… وعندما يئس من سماع مجيب… انقدحت في ذهنه فكرة… حدث نفسه:
_" لم لا أصعد السلم؟… وأشاهد ما في المنزل"
حك جمال رأسه مترددا… ولكنه اتخذ القرار أخيرا.
وضع جمال حقيبته على الأرض… وتقدم بهدوء… ثم بدا في صعود السلم… كانت خطوات صعوده بطيئة… وفي منتصف السلم… توقف جمال… فكر قليلا… لقد شعر أنه يقوم بعمل خاطئ… لذا قرر العودة… للأسفل.
عاد جمال للأسفل… ووقف دقيقة… وبدا ينادي من جديد:
-      " يا صاحب المنزل… يا صاحب الشجرة"
ولكن… لا مجيب.
بعدها… نظر جمال إلى ساعته… لقد تأخر في وقوفه هنا.
ذهب جمال… في انتظار الحافلة… التي ستقله لمدرسته.

3- في ضيافتهما
مر الوقت سريعا… ست ساعات… وها هي الحافلة… قادمة من هناك… وما إن توقفت… حتى نزل جمال منها… عقله لا زال منشغلا… إلى حد كبير… بذلك البيت… الذي بدا له على الشجرة… وبدا رائعا بكل ما تعنيه الكلمة… اتجه جمال مباشرة… لتلك الشجرة… وعندما وصل… بدأ ينادي:
-      " يا صاحب المنزل… من أنت… يا صاحب المنزل.. هل أنت هنا؟"
لم يجبه أحد… شعر جمال بشيء من خيبة الأمل… وعندما عزم على المغادرة… سمع صوت قادم من هناك.
ألقى جمال بصرة ناحية الصوت… رأى رجلا قادما من بعيد… بقي جمال مكانة… ينتظر قدوم الرجل… وعندما اقترب الرجل… عرفة جمال… إنه عامل الشارع… الأفغاني… المسئول عن تقليم الأشجار.
بقي جمال في مكانة… ينتظر… لم يطل الوقت… ها هو أسد الرحمن… يتقدم… وعندما وصل إلى جمال… مد يده مصافحا.
صافحة جمال… وقال:
-      " هل هذا منزلك؟ "
-      " كلا… كلا… إنه منزل إيناس"
-      " إيناس!… من إيناس؟… سمعت هذا الاسم من قبل"
بدأ أسد الرحمن ينادي:
-      " إيناس… إيناس… يا إيناس… هنا ضيف" 
أطلت إيناس عليهما… مما بدا برجا عاجيا… ثم قالت… دون أن تهتم لوجود جمال: 
-      " هل أحضرت الخبز… يا أسد"
لم يجب أسد الرحمن … وإنما نظر إلى جمال… في حين تكلم جمال… وسألها: 
-      " من تكونين… أنت؟… من تكونين؟"
نظرت إيناس إلى جمال… دون اهتمام… ثم قالت :
-      " ماذا تريد؟… أنت!… ماذا تريد هنا؟"
تقدم جمال قليلا… نحو جذع الشجرة… ثم قال:
-      " الحقيقة… لقد أعجبني هذا المنزل… إنه مذهل"
ابتسمت أيناس فجأة… وتقدمت لتنظر لجمال باهتمام… ثم قلت:
-      " صحيح!… هل أعجبك؟… هل أعجبك منزلي؟"
قال جمال في انفعال:
-      " جدا… جدا… أروع منزل رأيته…  وددت لو أن لي مثله"
-       قالت إيناس… وهي تبتسم:
-      " إذن تفضل… تفضل… تعال"
كانت مشاعر الفرحة… تنبعث بالفعل… في قلب إيناس… ذلك إنها أحست… بإحساس لم تشعر به منذ مدة… لقد أحست أن هذا الطفل… يمنحها قيمة كبيرة… ويعترف لها… بإبداعها… وقدرتها على عمل أشياء رائعة… بعكس كثيرين… ممن يرون فيما تفعله… جنونا.
وفي الوقت ذاته… وجد جمال… في عرض إيناس عليه أن يصعد… فرصة سانحة… ليكتشف عالم هذا المنزل الرائع.
صعد جمال… عبر السلم… دخل المنزل… سار خطوات… وقف في منتصف المنزل الصغير… وبدا يدقق النظر… ثم قال:
-      " ياله من إبداع حقيقي… إنه مذهل… مذهل بالفعل"
قالت إيناس… وهي تنفض فراء الخروف… الذي كان معلقا على الجدار… لتبسطه على الأرض :
-      " تفضل… اجلس هنا… اجلس"
جلس جمال… وقلبه ينبض بالسعادة.
في حين جلست إيناس… جوار الموقد… وقدحت النار… ثم سكبت الماء في البراد… ووضعت السكر… وقالت:
-      " ستكون ضيفنا الآن… وستشرب الشاي"
-      " هذا يسعدني… جدا"
أكملت إيناس أعداد الشاي… وفي الأسفل… قال أسد الرحمن:
" لا تزيدي كمية السكر… أنا هنا"
ردت إيناس:
-      "كلا… لن ننساك"
وبعد دقائق… كان جمال… يتناول الشاي… ويطل برأسه… مع نافذة المنزل العجيب… ويتبادل الحديث… مع أسد الرحمن… ثم يعود ليتحدث مع إيناس… وكان الحديث… يجري في مواضيع عدة.
تحدث جمال… عن المدرسة… والمواد التي يدرسها… ثم عن بعض الفرق الرياضية… وفي لوقت ذاته… استمع لأسد الرحمن… وهو يتحدث عن كابول… وما فيها من عادات.
وبعد دقائق… ها هو جمال… يستأذن للانصراف… على أمل أن يكرر الزيارة… في مرات لاحقة.

الفصل العاشر
1- هموم فتاتين… حول غزة
بخفة ورشاقة… تدخلان سويا… عبر بوابة حديقة عامة… وتمسك أمجاد يد كوثر… تسيران بخفة… وتقول أمجاد وهما واقفتان عند كشك صغير… لبيع الفشار: 
-      " ياه … لقد وجدته… إنه الرجل المكتمل… لا ينقصه شيء… أبدا".
-   " مواصفاتك في العريس صعبة… صعبة للغاية… ثم لا تنسي… أنت وهبت نفسك لقضية… لقد أصبح من الصعب التراجع"
جلست الفتاتان… في حين وضعت أمجاد كيس الفشار على الطاولة… وقالت:
-   " لا اعتراض… ما المانع… أنا أدعو الله… أن يرزقني الزوج… الذي لا يتعارض زواجي منه… مع قضيتي… بالعكس… القضايا الكبيرة… تحتاج التعاون… من رجل وامرأة… زوج وزوجة… الله يا كوثر… هل أنا أحلم"
-      " تريدين الصراحة… عليك أن تفكري قليلا قبل الزواج"
-   " أنت متفائلة… ومن قال لك إنه موافق على الزواج… أو أنه فكر فيه… أو أن يكون قد طرأ على باله أصلا… إنه رجل صالح… متواضع… يحب الخير… ومصلي… أنا واثقة من تبنيه للقضية… التي أعمل من أجلها… ولم لا"
-      " أدعو لك من كل قلبي… بالتوفيق… ولكن… قولي لي… ما آخر أخبار زيارتك لنورية هانم"
-   " أوه… نورية هانم… إنها من أروع النساء اللواتي عرفتهن… في حياتي… لقد عرضت عليها فكرة المشروع كاملة… كانت متفاعلة أكبر التفاعل… عرضت عليها بعض الصور… دمعت عيناها"
-      " الصور لها تأثير سحري"
-   " الناس يريدون فعل الخير… ولكن… تنقصهم المؤسسات التي يمكنهم الوثوق بها… متى ستسافرين إلى غزة؟"
-   " حسب ظروف فتح المعبر… ربما الأسبوع القادم… يوم الخميس… لقد اتصل عليّ أبو نضال من هناك… الأوضاع مزعجة للغاية… وإسرائيل تواصل بناء الجدار… وقد هدمت عشرات المنازل"
-      " الإعلام الأمريكي… إنه يتحدث عن قضية هدم المنازل في غزة… ويتحدث أيضا عن بناء الجدار"
-      " الأمريكان؟… كلا… كلهم منافقون"
-      " الغرب… صدقيني… يجهل ما يحصل عندنا"
-      " لأن إعلامنا تفوق على إعلامهم"
-      " تمزحين… إعلامنا تفوق على إعلامهم؟"
-      " في الرقص… و… الدجل… و… تلميع من لا يستحق إلا (الجزمة)… على رأسه"
-      " يا أختي… دعينا في المهم… هل وجدتم حلا لمشكلة المياه؟… وتوريدها للملجأ"
-   " المياه… الكهرباء… الدواء… كل هذه العقبات… تزداد وتزداد… والأشد والأنكى… أحداث القصف العشوائي… أسرة بأكملها… تمسي في منزلها… وتصبح تحت أنقاض منزلها"

2- في ضيافة أشرف
مجموعات المصلين يخرجون من المسجد… وباعة ينادون على بضائعهم… في باحات المسجد… لتوها انتهت المحاضرة… التي حضرها أكثر أهل القرية… وأناس آخرون… من قرى مجاورة.
من بين من حضر للسماع المحاضرة… أشرف… إنه يحرص على التثقف الديني… والاستزادة من العلم.
وبعد انتهاء المحاضرة… قصد أشرف كشكا صغيرا… لبيع الأشرطة الدينية… كان حريصا على شراء بعض الأشرطة… التي تتحدث عن الجهاد… وصل أشرف للكشك… قال:
- " لو تكرمت… هل لديك أشرطة في الدعوة للجهاد"
- " الدعوة والجهاد؟!… كلا… كلا… هذا الكشك لا يبيع أمثال هذه الأشرطة"
قلب أشرف طرفه في الأشرطة الموجودة… واكتفي بشراء بعض أشرطة التلاوة… وعندما قرر الانصراف… وقع نظره على الفتاة… الواقفة هناك… لقد وجد صورتها مرتسمة في ذهنه من قبل… فكر قليلا:
-      " أوه… أمجاد… يا الله… إنها هناك… لتوها خرجت من مصلي النساء"
أختلس أشرف النظر إليها… بيد إنها عندما رأته… قصدته… كانت يدها في يد صديقتها كوثر…. ألقت التحية… وعرّفته بنفسها… وبكوثر… قائلة:
-      " أنا أمجاد… هل عرفتني… سكرتيرة المدرسة… أنت زرتنا عدة مرات"
هز أشرف رأسة… وابتسم… في حين أكملت:
- "وهذه كوثر… صديقتي… إنها فلسطينية… من أهل غزة… ولكن… والدتها مصرية… إنها تحمل الجنسية المصرية… بيد إن قلبها ومشاعرها هناك… في فلسطين".
قالت كوثر وهي تبتسم:
-      " لا فرق بين مصري وفلسطيني".
هز أشرف رأسه… في حين قالت أمجاد تُحدث كوثر:
-      " وهذا الأستاذ أشرف… لقد حدثتك عنه… وعن تبنية عددا من المشاريع الخيرية"
ابتسمت كوثر… وهزت رأسها… وقالت :
-      " أهلا وسهلا".
ومن هناك… أقبل صلاح النقاش… خطيب كوثر… كان اللقاء حافلا… وغير معدٍ له… وعفويا للغاية… وقد منحته عفويته هذه… جاذبية أكثر.
كان اللقاء فرصة رائعة… بالنسبة لأشرف… (على الأقل)… فهو يمنح من حوله… انطباعا إيجابيا عنه… يكفيه أنهم رأوه هنا… قد حضر درسا دينيا… هذا يزيد ثقتهم فيه…. وهذا ما يطمح له أشرف.
أشرف… يحرص على الظهور بمظهر الشخص المتدين… الذي لا يرغب في الوقوف بجوار امرأة… بيد أنه تذكر أن بعضا من الآراء الفقهية… لا تمانع في شيء من هذا القبيل… إن لم تكن ثم خلوة… ولكن شعورا غريبا انتفش داخلة… عند رؤيته أمجاد… نبضاته ترف كعصفور داخل قلبه… تجرأ أشرف… وقال:
-   " أنا سعيد برؤيتكم… لقد حدثتني أمجاد عنكم… ذات يوم… أليس كذلك آنسه أمجاد… ولكن… ما رأيكم لو تناولنا العشاء سويا هذه الليلة؟"
وجد الثلاثة… في عزيمة أشرف… عرضا مناسبا… خاصة وأنهم يطمحون في أن يكون أشرف… أحد المنتظمين في سلك جمعيتهم الخيرية… أنه الرجل المناسب… الذي يمكن الاعتماد عليه… ووجدت أمجاد… هذه فرصة… سانحة… للتعرف عليه بشكل أكبر… لعل القلوب تقترب.
 إلا أن الدكتور صلاح… أشترط أن يكون الجميع في ضيافته… بيد إن أشرف رفض ذلك مطلقا… وأصر على أن يرافقوه… ويكونوا في ضيافته… وأشار إلى سيارته البيجو… هناك… ولن يكون المطعم بعيدا.

3- عالم جديد
 لم يطل الوقت… لقد استقل الأربعة السيارة… صلاح وأشرف في المقدمة… وأمجاد وكوثر في الخلف… سار أشرف بهدوء وسكينه… بعد أن قرأ دعاء الركوب.
الكلمات الطيبة… تنبعث من هنا وهناك… والدعوات الصالحة… لا تلبث أن تُسمع… من أحدهم… للآخر… جو مذهل… لم يألفه أشرف من قبل… ولم يتوقع أن يعيشه ذات يوم… أبدا… ولكنه كان حريصا على عدم إخراج كلمة ما… قد تكون خارجه عن السياق… لذا آثر أن يطيل الصمت… ويطيل السماع.
وجدت أمجاد نفسها مضطرة للثناء على أشرف… وعلى أخلاقه الجمة… في دعمه الطلاب الأيتام… في حين بدا أشرف… حريصا على ألا تذاع أعماله الحسنة… خشية أن يداخلة الرياء… وحين وصلت السيارة… إلى المطعم… نزل الأربعة… ودخلوا.
كانت أطراف الحديث سلسة التجاذب… وكانت القضايا جميعا متاحة للتحدث… بيد إن جُل الحديث… كان يدور حول قضية فلسطين… قرر أشرف… أن يلزم الصمت عن الحديث فيما لا يمكنه التحدث عنه… لكن أن هذا الصمت… لم يمر مرور الكرام… على الجالسة في تأهب أمامه… أمجاد… لقد دخلت في سجال مع نفسها… عن سبب هذا الصمت. 

4- هنا أم هناك
الأيام تمر… وأشرف يزداد انسجاما مع ما حوله… ومع من حوله… لقد كوّن صداقات متنوعة… من خلال تعرفه على الدكتور صلاح… حيث عرفة صلاح… على عدد من ألأطباء… والمثقفين… وحتى الطلبة.
وأصبح لأشرف… اجتماعات دورية… معهم… إن نبتة انتمائه لهذا البلد… بدأت تزداد… لديه العديد من العلاقات… أكثرها بمجموعات متدينة… وهو حريص على أن يبدو أكثر تدينا… أمام تلك المجموعات.
ولكن… ليس هذا فقط… ما يشغل بال أشرف… شيء آخر… يحرص عليه… كيف يثبت للجهة التي يعمل لحسابها… أنه مخلص فيما أرسل من أجله.
إن حرصه على أن يبدو متدينا ينقلب إلى حرص أكبر… على أن يبدو أبعد ما يكون عن التدين… أمام من يقابلهم… في السفارة الأجنبية… التي يتعهد زيارتها كل أسبوعين أو ثلاثة… وهناك… يحرص أشرف… على شرب الخمر… والعبث مع عدد من النساء… وهو يعلم… أن هذا أمر محوري… في مدي ثقة السفارة فيه… والسماح له بإكمال مهمته.
والآن… ها هو أشرف… في منزله… جالساً أمام شاشة الكمبيوتر… يدوِّن رسائل إلكترونية… سيرسلها ردا على رسائل وصلته… من لـ (F.B.I)… لقد شرح لهم شرحا مفصلا… عن ارتباطه بمجموعة من المتدينين… وخروجه معهم في جولات متعددة… ومشاركته لهم في أنشطة دينية… وعلمية… واجتماعية.
وكان الرد منهم بالإيجاب… بيد إن أشرف… لم يتحدث عن ميله العاطفي… تجاه أمجاد… لقد أحس أن حديثه عنها… قد يُدخل موقفه في ملابسات من نوع ما.
قام أشرف… وسحب الستارة على الزجاج العاكس… في شرفة الصالون… وخلع الجلباب… وبقي بسروال قصير… دون بدلة…ثم اتجه للمطبخ… فتح الثلاجة… وحمل زجاجة ويسكي… وسار للصالون… وضع الزجاجة أمامه… وجلس على كنبة داكنة اللون… وحمل جهاز التحكم… وبدأ يقلب القنوات الفضائية… ثم يفتل شعرات طويلة في لحيته… ويترك التلفاز مفتوحا على إحدى القنوات الأمريكية… يبدو أن القناة تعرض أحد أفلام الرعب… مد يمناه… وسكب شيئا من الويسكي… وعاد ليتكئ على ظهر الكنبة… لا زالت يسراه تفتل شعرات لحيته… حمل الكأس… وشرب قليلاً.

5- وجهان وعقلان
الشمس تقترب من الغروب… وأشرف في منزله… يقلب صفحات أحد كتب الفقه… جاءه اتصال من صلاح… اهتم أشرف قليلا… لهذا الاتصال… قال صلاح:
-      " السلام عليكم"
-      " وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
-   " أخي أشرف… لدي ضيف… سيأتي من بريطانيا… ولديه أفكار حول إسرائيل… هو ناشط في حقوق الإنسان… لقد حضر من أجل عمل تقرير عن ظاهرة هدم المنازل… وتوسع المستوطنات… في فلسطين… وجاء لزيارة القاهرة… وقد أعددنا له جولة سياحية… سأقوم بها أنا وعدد من الأصدقاء… وسيكون في ضيافتنا… على مركب نيلي… يوم الجمعة القادم… وأتمنى لو تشرفنا بحضورك"
فكر أشرف قليلاً… ثم قال:
-      " أنا… قد أكون مشغولا بعض الشيء… سأرد عليك لاحقا"
أغلقت السماعة… وبدأ أشرف يفكر في الموضوع… من زوايا كثيرة… زفر زفرة طويلة… وحدث نفسه:
-   " جاسوس… جاسوس… يا لها من مهنة… وجهان… عقلان… قلبان… مسرحية طويلة… كيف يمكن التوفيق… أقرأ في هذه الكتب الدينية… أقرأ فيها… وأعمل بما فيها… وأقتنع به… فقط أمام المتدينين… وأفتح البريد الإلكتروني… لأقرأ التوصيات الدقيقة… فيما يتعلق بعملي كعميل… ضد هؤلاء… يا لها من محاكمة للذات"
هز أشرف رأسه… بعنف… وقف… عمد للثلاجة… أخرج قنينة ويسكي… شرب من فمها في ضجر… ثم ذهب إلى السرير.

6- أنت على صواب
عقلة منشغل بأشياء كثيرة… ولكن… صورة أمجاد… هي الشيء الأكثر قفزا بين فروع عقله… إنها تلوح له… بين الفينة والأخرى… وتلوح له معها… أشياء كثيرة… عن تلك الرسائل… التي يرسلها أو يستقبلها… لقد قرر أخيرا… أن يستجيب لدعوة صلاح.
أرسل أشرف رسالة الكترونية… للجهة التي يعمل لحسابها… وبيّن فيها… أن إحدى الجماعات… التي تعرف عليها… تعمل من أجل دعم الشعب الفلسطيني… وطلب تبيين ما إذا كان من المناسب الاستمرار معها… وجاء الرد الالكتروني… بالإيجاب… وبعدم وجود إشكالية في العمل مع هذه الجماعة… بل إن العمل معهم… يخدم الهدف المرجو منه… بشكل كبير… لكن أشرف… تخوف من أمر آخر… بدأ يخالجه… أنه يسأل نفسه:
- " هل أنا أرغب في العمل مع هذه الجماعة… استجابة للتوصيات التي تردني… أم أن رغبة دخيلة في نفسي؟… هي التي تدفعني لذلك؟… وصورة أمجاد… التي يرف قلبي لها… ما حقيقتها… وما العمل؟… هل من حقي أن أحبها؟… آه… لقد… عرفت الكثير من الفتيات… والنساء… الكثير… والكثير… بيد أن أمجاد… فتاة أخرى… امرأة أخرى"

7- إلى النيل
يسير بسيارته البيجو… بهدوئه المعهود… ثم يقف تحت شجرة ضخمة… ثم ينزل… ويسير خطوات… ثم يقف أمام السور الحديدي… يلقي بصره للنيل… وفي تلك الأثناء… يمر صاحب عربة… يبيع البطاطا الحلوة… المشوية.
يشتري أشرف شيئا من البطاطا… يضعها أمامه على السور الحديدي… ويأكل… أثناء ذلك… يصارع أشرف… العديد من هواجسه… لم يطل الوقت… لقد سمع صوتها من خلفه:
-      " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
نظر باهتمام… رقص قلبه… إنها أمجاد… بدا متّصفا بالحرج… خفض بصره… وقال:
-      " أهلا وسهلا… أهلا وسهلا أختي أمجاد"
-      " المعذرة… قطعت عليك خلوتك… يبدو أنك تفكر في أمر ما"
-      " بالفعل… إنها قضية فقهية… تشغلني منذ مدة… هل يمكن أن نجلس ونناقشها؟"
-      " قضية فقهية؟… رائع… بكل تأكيد"
وهناك… سار أشرف وأمجاد… وطلبا كرسيين من صاحب كشك الشاي… جلسا… طلبا عصيرا… وقال أشرف:
- " القضية… أختي أمجاد… في… أنه… لا تجوز خلوة الرجل بالمرأة… أليس كذلك"
تفاجأت أمجاد… وأدارت عينيها في حرج… ثم قالت:
-      " ماذا تقصد؟"
-      " أقصد… يجب أن لا نجلس سويا… إلا بوجود شخص ثالث"
ابتسمت أمجاد… وقالت:
- " هل أرحل؟"
تفاعلات كثيرة… داخل وجدان أشرف… فهو لا يريد من أمجاد… أبدا… أن ترحل… ولكنه يعيش صراعا عميقا داخل كيانه… بين شخصيته متدينا… وأكثر تدينا ممن حوله… وشخصية عميلا محترفا… وانتماءه لذاته… وانتمائه لجذوره… وعندما أرادت أمجاد الوقوف… قال لها مهتما:
-      " ولكن… لدي سؤال فقهي آخر… أو… قولي… سؤال عام"
-      " تفضل؟"
-      " أيهما أفضل…. المذهب السلفي… أم مذهب الإخوان المسلمين"
 ابتسمت أمجاد… وقالت:
-      " أنت سلفي… أليس كذلك؟"
-      " قولي لي… ما الفوارق الجوهرية بين الفكر السلفي… والفكر الإخواني"
-      " أشرف… ولم هذا السؤال؟"
-      " لا شيء… أريد فقط تحديد بعض الأفكار في رأيي"
ابتسمت أمجاد… وقالت:
-   " لا بأس… أنا أعرف سبب سؤالك… أنت تريد تحديد الأفكار التي أسير عليها… على كلٍ… يسعدني اهتمامك بأمري"
-      " بالفعل يا أمجاد… أنا أهتم بأمرك كثيرا".
الواقع أن أشرف… كان يريد البقاء في جو هذه الفتاة… التي أسرته… بكل ما تعنيه الكلمة… بيد إنه لا يستطيع التخلي… ولو جزئيا… عن الصورة التي يجب عليه أن يرسمها لنفسه… لقد عرف مؤخرا… وجود فوارق محددة… بين الجماعات الإسلامية… أحس في البداية… أن هذه الفوارق… ستجعله في دوامة… وقد أرسل للجهة التي يعمل لحسابها… من أجل أن تحدد له الجماعة… التي عليه أن ينتمي لها… وكانت التوصيات… بأن عليه أن ينتمي للجماعة السلفية.
 لكن أشرف… في بداية الأمر… لم يكن يدرك كثيرا… طبيعة هذه الجماعة… لذا قرأ عنها… ثم قرأ عن الجماعة التي تنتمي لها أمجاد وصلاح وكوثر… الحقيقة… أنه لم يجدها تختلف كثيرا… عن بعضها… كان بوده لو انتظم لجماعة أمجاد… لشيء في نفسه… ولكن الرسالة التي جاءته من الجهة الأجنبية… التي يعمل لحسابها… تؤكد… أنه يتوجب عليه… عدم الانخراط في جماعة الإخوان المسلمين… مع عدم وجود حرج في التعرف على بعض أفرادها.
ومن حينها… بدأ أشرف… يبحث عن جواب لتساؤل ثار في ذهنه.
- " ما الفوارق الجوهرية… بين هؤلاء… الجميع يصلي… الجميع يحب القرآن… الجميع يتحدث عن اتباع السنة النبوية… جميعهم يتكلمون بالطريقة ذاتها… حتى اللحية… العديد من الإخوان المسلمين… يعفون لحاهم لأن ذلك محببا في الدين"
قالت أمجاد مجيبة على السؤال:
- " قبل أن أجيب على سؤالك… أريد أن أذكر لك… أني أقدرك كثيرا… وا…"
دارت عيناها قليلا… كأنما تبحث شيء افتقدته… ثم أكملت:
- " وا… أرى فيك قدوة صالحة… بغض النظر… عن أي انتماءات… نحن أخوة… أخوة في الله… نعمل سويا… هدفنا واحد"
لم يعرف أشرف… هدف أمجاد بالضبط… من هذه المقدمة… ولكنه عرف… أنها كانت تخفي شيئا أرادت قوله… عرف أن مشاعرها العاطفية… تتجه بقوة نحوه… بدأ قلبه ينبض بسعادة… ولكن… قطع أفكاره تلك… الكلمة التي قالتها فجأة:
-      "أنت سلفي… أليس كذلك؟"
فكر قليلا… ولكنة استدرك وقال:
-      " جميعنا نسير في اتجاه واحد"
-      " هذا كلام رائع… جميعنا نسير في اتجاه واحد… وإن تعددت المسارات"
فكر أشرف قليلا… وقرر الخروج من هذا الموضوع… خشية أن تسأله سؤالا… لا يجد له جوابا… لذا قال:
-      " بالمناسبة… أخبرني صلاح… أن لديه ضيوفا يوم غد… لا أدري… هل من المناسب أن أحضر؟"
-      " بالطبع… من الضروري جدا… لو لم تحضر أنت… لن يكون للجلسة أي معنى"
-      " صحيح؟"
-      بالتأكيد… حضورك سيعطي الجلسة بعدا آخر… أرجوك… يجب أن تكون متواجدا"
-      " وأنت؟ "
-      " أنا سأحضر… لمجرد تأكدي من حضورك أنت"
ابتسم أشرف… وهز رأسه وهو يقول:
-      " الأمر لله… إذن سأحضر"

8- على عجل
توقفت السيارة البيجو… الوقت الآن… قرابة الخامسة عصرا… نزل أشرف… أقفل باب السيارة… ثم سار قليلا… إنه يبحث يمنة ويسرة… وهناك… رآها واقفة… تنظر عبر الكورنيش… تسارع في السير نحوها… وعندما اقترب… ألقى السلام… انتبهت له… ثم تقدمت في سعادة… وردت السلام.
وقف أشرف… بدأ  ينظر نحو مياه النيل… أمجاد قريبة منه… تنظر هي الأخرى.
 لم يطل الوقت… ها هما… صلاح وكوثر… إنهما قادمان من هناك… أشارت أمجاد لهما… جاءا… كان اللقاء حميماً… وأبدى صلاح سعادته بمجيء أشرف… قال أشرف… وهو يتجه لأحد الكراسي ليسحبه:
-      " هل أطلب لكما شاي"
قال صلاح:
-   "لا يا أستاذ أشرف… لا تجلس… نحن على عجلة من أمرنا… الأستاذ هاري ومن معه سيأتون الآن… علينا أن نكون علي استقبالهم عند المركب"
نظر صلاح… ثم أكمل:
-      " انظر… انظر… ها هم قادمون"

9- على متن قارب نيلي
هاري وثلاثة نشطاء حقوقيين معه… وناشطة في حقوق الإنسان… يجلسون في المركب النهري الرائع… ويجلس معهم صلاح وأشرف وأمجاد… وكوثر… يالها من تركيبة فريدة… وفي مكان فريد.
عبر أجواء نهر النيل الساحرة… يمخر القارب عبابا شبه ساكن… وهواء شبه متحرك… والجميع حريص على ملء مشاعره من روعة المكان والرفاق… لا أحد يمكنه هنا إلا أن يبتسم… بيد إن أشرف… يقاوم… ليتجاهل شخصيته… جاسوساً خطراً… مزروعا لخدمة دول خلف المحيطات… لن تكتمل متعه أشرف… إلا بأن يشعر… أنه أحد هؤلاء… منسجم مع المفردات التي حوله… ويبدو كما هو.
كان الحديث في بدايته تقليديا… يدور حول جمال النيل… وجمال مصر… وحضارة الفراعنة… وروعة الأهرامات.
ومع تناول الجميع… كاسات الشاي… التي أعدها قائد المركب… (المعلم بديع)… الذي لا يمانع أبدا… في أن يعمل طباخا ومعدا للشاي… وحتى مطربا… لكل من يرتاد مركبه… في رحلة نيلية… بشرط… أن يدفع قيمة كل ذلك.
كانت رشفات الشاي… ألحانا تعزفها الشفاه… وانتقل الحديث… من سرب إلى سرب… ومن مسرب إلى مسرب… ومن قضية… إلى قضية.
أشرف… في جميع أحواله صامتا… لا يريد أن يلقي كلمة هنا أو هناك… توحي بعدم تمكنه من المعارف الإسلامية… التي يفترض أن تعرف بالضرورة… المشكلة… التي تبدر في ذهنه… هي عدم معرفته الفروق الدقيقة… بين جماعة الإخوان المسلمين… والجماعة السلفية… صحيح… إنه قرأ الكثير عن تلك الفروق… ولكن… القراءة شيء… والواقع الذي يراه… شيء آخر… خاصة… وأنه حتى الآن… لم يحتك بجماعة السلفيين… ويرى أن أفراد جماعة الإخوان… يمثلون ما يمثله الفكر السلفي… وهذا التناقض… يجعله لا يدري… كيف يمكنه إصدار الحكم… إضافة إلى أن أمجاد نفسها… بدت غير مدركة لتلك الفروق… عندما سألها هذا السؤال… في السابق.
لقد قرر أشرف هنا… أن يمثل دور المستمع… وقد مثله بنجاح باهر… إنه  يتعلم من استماعه… المزيد والمزيد… وقد تحول الحديث… لمواضع في منتهي الجدية… وكان صلاح… مبدعا في إدارة الحوار… وكوثر وأمجاد… لا ينقصان عنه كثيراً… مجمل القضايا فلسفية… ودينية… وتاريخية… حول حقيقة الإسلام… والقرآن… والنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
قال هاري:
-      " الغرب لا يعرف الكثير عن الإسلام"
قال صلاح:
-   " الإسلام بسيط… بسيط جدا… يقتنع به الإنسان البسيط… الذي يعيش على سليقته… ويقتنع به الفيلسوف… الذي يصارع تضارب الأفكار… ويدخل في عمق مسارحها"
قالت فكتوريا همبل :
- " إنها المعادلة الصعبة… كيف يمكننا الجمع بين كفتيها… البساطة… العمق"
قال لورانس:
-   " أنا… في الحقيقة… أفهم جيداً… سبب دخول العوام… في الدين… بمجرد تخويفهم بالنار… ووعدهم بالجنان والأنهار… ولكن… وأرجو المعذرة… لا أفهم مطلقا… التركيبة الفلسفية… القادرة على إقناع الفيلسوف"
نظرت أمجاد… إلى أشرف… وكأنها تطلب منه أن يشارك… كي يحل عقد هذا التساؤل… بيد إن أشرف… وبذكائه المختزن… عرف مرادها… ولكن… أين له بجواب… لمثل هذا السؤال… لذا قال:
-      " الحقيقة… سؤال رائع… أتمني أن أسمع رأي الآنسة أمجاد فيه"
شعرت أمجاد بسعادة لهذا الطلب… لذا قالت… وهي تنظر للجميع:
-   " شكرا أشرف… الحقيقة… عندما نسلم مبدئيا… أن الإسلام… دين من عند الله… فلن نجد صعوبة أبدا… في الاقتناع… بقدرته… (كونه دينا سماويا)… على الانسجام… مع تفكير البشر… عامة… الأمي مع بساطة… والفيلسوف… مع عمق تفكيره… لأن الأمي والفيلسوف… مهما تغيرت ثقافتهما… فهما في نهاية المطاف… يملكان عقلا آدميا… والعقل الآدمي… من أبسط ملامحه… أنه ينظر للأشياء… بتسلسل منطقي… والتسلسل المنطقي… لدى كل من الأمي المسلم… والفيلسوف المسلم… يحسب الأمور بالطريقة ذاتها… وحيث أن الخالق… سبحانه… له مطلق العلم… ومطلق القدرة… فهو قادر… على بيان مراده من البشر… قادر أيضا… على إنزال خطاب… يملك من الإعجاز… ما يمكنه من إقناع الأمي… بأمور بدهية… كالعدل والمساواة والحرية… وإقناع الفيلسوف ايضا… بأمور معقدة… كاستحالة الاستدلال على بدء الخلق… مع تصور نظرية الدور… واستحالة تعدد الآلهة… وذلك من قبيل القياس… على استحالة بقاء جسد له رأسان… وكلما ازداد العالم علما… كلما أدرك انسجام العقائد الإسلامية… مع منطق العقل".
قال تشارلز متسائلا:
-      " وعندما لا نسلم… مبدئيا… أن الإسلام… دين من عند الله"
نظرت أمجاد لأشرف… كانت تنتظر منه أن يتحدث… عرف هو… ما يجول بخاطرها… أحس أن من المهم أن يقول شيئا… خاصة وأن صمته قد طال كثيرا… ولكن… من أين له الإدلاء بفكرة ذات قيمة… في هذا الموضوع… وهو أبعد ما يكون… عن اهتمامات كهذه… فاهتماماته محدودة في العمل الموكل له… إنه يفكر في أن يكون أمريكيا ثريا… بعد بضع سنوات… بعد انتهاء هذه المهمة الغامضة.
قال أشرف باهتمام… بعد أن ابتلع ريقه:
-   " الحقيقة… اح… اح… أنه… أنه… عندما لا نسلم… بأن الإسلام… دين من عند الله… فمن الواجب علينا… أن ندرسه… نعم"
صمت أشرف… وشعر الجميع ببلاغة ودقة ما قاله… وابتسمت أمجاد في أعجاب… كان الجميع ينتظر منه إكمال حديثه… بيد إنه أراد الاكتفاء بالرمية… التي رماها… دون قصد… لذا قال:
-      " هذا كل شيء… علينا أن ندرس بحياد… كل ما نجهله "
سأل تشارلز… وقد التفت باهتمام جهة أشرف… وقال:
-      " ولكن… ماذا ندرس في الإسلام؟… أي مذاهبه ندرس؟… أي فرقه؟… أي طوائفه؟"
ابتلع أشرف ريقه ثانية… هذا ما لم يكن بالحسبان… لقد سمع عن الفرق… ولكن… بالفعل… أي فرقة سيرشحها لتشارلز… وأي فرقة سيشجعه على قراءة أطروحاتها… فكر قليلا… وقرر أن يجيب جوابا مختصرا… لذا قال:
-      " لا عليك من الفرق… اقرأ القرآن… وتعرّف شخصية الرسول… عن قرب… ذلك يكفي"
ابتهجت أسارير الحضور… صلاح… كوثر… الضيوف… إلا أن أمجاد… فغرت فاها… وتقدمت ببدنها قليلا… وكزتها كوثر في قدمها… لتعود لوضعها الطبيعي.
وبعد أن أدرك أشرف… أنه رمي الرمية الثانية… دون قصد… أراد أن يبادر… ليخرج من الموقف برمته… لذا قال:
-      " تفضل يا صلاح… قل ما عندك"
قال صلاح:
-   " الحقيقة… أن كلام الأستاذ أشرف… مختصر مفيد… على جميع من يتشكك في الإسلام… أن يقرأ القرآن… القرآن يتحدي البشرية… على أن يأتوا بمثله… والإعجاز… ليس مقتصرا على البلاغة اللغوية… بالفعل… كانت البلاغة اللغوية… هي العنصر المعجز… الذي فهمه العرب البلغاء… بيد إن عصرنا هذا… ليس عصر بلاغة… وإنما هو عصر العلوم التجريبية… المهتمة… بدراسة حقيقية المادة… وما يتعلق بها… وحقيقة كل شيء… وكم هو مذهل… أن يتأثر العلماء… وهم داخل معاملهم التجريبية… بالقرآن… لا من جهة بلاغته… فهم لا يعرفون العربية أصلا… وإنما… كان أعجازه لهم… من قبل المعارف التي لا يمكن أن يعرفها رجل أمي… عاش منذ 1400 سنة… في جزيرة العرب.
قالت فكتوريا همبل:
-   " مثل ماذا؟… سمعت عن حديث القرآن… عن نظريات علمية… ولكنّ يدي… لم تقع على إي منها "
قال صلاح:
-   " الأمثلة كثيرة… لا يمكن حصرها… ولعلى أذكر… على سبيل المثال… علم طبقات الأرض… وعلم نشوء المطر… وعلم تكوين الجنين… وعلم بدء خلق السماء والأرض… وعلم الرياح… وعلم التشريح "
في تلك الأثناء… كان العم بديع… يقلب قطع اللحم البقري… على الشواية… وكانت الرائحة الزكية للتوابل… تفوح في كل مكان… لكنه وقف… وتقدم نحوهم… قال بصوت مرتفع:
-      " يا جماعة… حان وقت صلاة العشاء… سوف أرفع الأذان… الآن"
وقف العم بديع… على طرف المركب… ورفع صوته :
-      " الله أكبر… الله أكبر"
وبعد انتهاء الأذان… قال العم بديع:
- "من أراد الوضوء… الإبريق موجود هناك… في طرف المركب ".
قام كل من صلاح وكوثر وأمجاد للوضوء… في حين قال أشرف:
-      " أنا على وضوء"
وبعد أن أتموا وضوءهم… وقفوا خاشعين… يؤمهم بديع… كبر تكبيرة الإحرام:
-" الله أكبر"
وبدأ بترتيل القرآن… بصوت بديع… في حين بقي الضيوف ينظرون إليهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق