الفصــــل الثاني
1- مؤتمر سري1
قاعة رخامية كبيرة... وجو رسمي للغاية... ورجال ونساء... يسيرون جيئة وذهابا... خطواتهم شبه محسوبة... وفي الغالب... هم يحملون حقائب صغيرة... يفتحونها... ويخرجون منها أوراقاً أو ملفات... تتم مراجعتها بسرعة.
وبعد ساعة تقريبا... توقف الحديث... لجرس قُرع... ودخل رجال الفندق... بزيهم الخاص... بكل انتظام... وبدؤوا بتوزيع قطع الكيك... وبعض المشروبات... على الطاولة المستديرة... التي يلتم حولها كل أولئك الأشخاص المهمون... ومع مرور الوقت... بدأ جو العمل بالنشاط... أكثر فأكثر.
الكل يترقب... وحين حلت عقارب الساعة العصفورية الثمينة... المعلقة في الجدار المقابل للشرفة الشرقية... على العاشرة صباحا... بدأت السيارات ذات الطابع الرسمي تتوافد... وتوقفت تباعاً... عند البوابة الرخامية الكبيرة... الخاصة بالضيوف البارزين... وبدأ ينزل أشخاص متأنقون جدا... يتابعون خطواتهم المتسارعة... ووجوههم متجهمة للأمام... خشية رصد عدسات الكاميرات... بعضهم كهول... وبعضهم شباب... ويوجد من بينهم بعض السيدات... ومع دخول تلك الوجوه القاعة... أضيئت أنوار معينة... بطريقة بروتوكولية... بهدف استقبالهم... وكل منهم استقبله مدير أعماله الخاص... الذي كان من قبل... جالسا هناك.
تبدو الترتيبات متكاملة... نظرات رسمية... وتحيات باردة... تبادلها الحضور.
وبدأ الضيوف الرئيسون... الجلوس في مقاعدهم المعدة بعناية... ووقف مديرو الأعمال... كلٌ خلف أحد الشخصيات الجالسة... وفتحت أمامهم الأوراق.
خمس دقائق... وبُدأ الاجتماع المغلق... وخرج كل من ليس له علاقة مباشرة بالاجتماع... وفتحت أجهزة العرض... والكمبيوترات المحمولة... وبدأ مدير الجلسة بالحديث... بعد أن حرك المايكرفون قليلا:
- " أيها السيدات والسادة... صباح سعيد... في البداية... أرحب بكم... أرجو أن تدققوا النظر جيدا... في لوحات العرض... أمامكم" .
بدت لوحات العرض الموجودة في الجهات الأربع من القاعة... باستقبال الضوء... وكذلك شاشات الكمبيوتر... الموجودة أمام المقاعد... حيث فٌتحت بها مربعات حوار صغيرة... يمكن التحكم في مساحتها... وبدأ الجالسون في المتابعة... في حين أكمل رئيس الجلسة حديثه... وهو يسير بمحرك الفأرة... على خارطة الشرق الأوسط... والشرق الأدنى... ثم يتابع:
- "النقص في إمدادات النفط!... هل تعلمون يا ساده... ماذا يعني... النقص في إمدادات النفط؟... فكروا قليلا... نحن دول متقدمة... متقدمة جدا... بيد أن تقدمنا... يولد لنا مشكلة حقيقية... أصدقائي... لا نريد أن نكون على شفا نفط منهار... كي لا تنهار حضارتنا... إلى جرف هار... ولذلك... نحن مجتمعون هنا... من أجل خلق بدائل حقيقية... تساعدنا على تجاوز خطر يداهم كل ذرة في كيان منتجنا الحضاري... لن أطيل... الآن... اترك الكلمة... للورد... (وايز براون).
في الخامسة والأربعين من عمره... يتقدم قليلا نحو المايكروفون... شعره طويل... ومصبوغ بلون كستنائي... ونظراته حادة ثاقبة... حرك المايكروفون... وقال في توجس:
- " سيداتي سادتي... نستطيع توقع زلزال... يدمر العديد من المدن... ونستطيع توقع نيزك كبير... يدخل مدار الأرض... ويدمر دول بأكملها...ونستطيع توقع شيء أفضع... أفضع بكثير... إنه باختصار... نضوب النفط... سنركب الدراجات الهوائية... ونطحن الحبوب باستخدام الرياح... وتكون نيويورك خالية من الأنوار... وسيموت نصف الشعب... ممن يعتمدون على الأطعمة المعلبة... لأن مصانع التعليب... لن تعمل... كل الناس سيُسرّحون من أعمالهم... وطائرات (الإيرباص)... ستكون نكتة سخيفة... وغزو الفضاء... كذبة ماجنة... هـ... هـ... كذب بها علينا العلماء... هذا كل ما في الأمر"
قال مدير الجلسة:
- " شكرا... الوقت الآن للدكتور (بروكل هارد)"
بنظارته الكثيفة... بعض الشيء... وشعره الأشيب... بعض الشيء... وظهره المحدودب... بعض الشيء... يقترب قليلاً من المايكروفون... ثم يسعل... ويقول:
- " أعزائي... من سخرية الصدف... أننا كلما تقدمنا أكثر... في الإبداع والتصنيع... كلما اقتربنا من نهايتنا... أكثر وأكثر... لأن الإبداع والتصنيع والتطور... يبتز عصب وجودنا... لأنه ببساطة... يبتزو النفط"
انفلتت بعض التصفيقات... أعجابا... من الحضور... وأكمل الدكتور (بروكل هارد):
- " هناك شعوب على طول خطوط الطول... وشعوب على التفاف دوائر العرض... معتادة على السكن في بيوت القش... ومعتادة على أكل الزر المسلوق... مع الطماطم... وكان هذا شيئا جيدا... بالنسبة لنا... بيد أن بطونهم الآن... عرفت طعم اللحوم... وهم أيضا... يريدون السكن في بيوت المسلح... ويريدون ركوب السيارات... وإنشاء المصانع... المسألة سهلة... إنهم يرون أنهم محقون في ذلك... ويرون أنهم يعملون أعمالا مشروعة... بيد أن أعمالهم تلك... ستكون جريمة رهيبة... في حقنا... أتدرون من أقصد... الهند... الصين... ثلاثة مليارات نسمة... عندما يسكن كل منهم في بيت مسلح... كم طنا من الحديد سيوضع في منازلهم... وعندما يمتلك كل منهم سيارة... كم من الوقود سيُحرَق يوميا... وعندما يعملون في مصانع... حتما ستكون بورصة النفط حابسة للأنفاس... على معدل... المئتي دولار للبرميل... عندها... نستطيع القول... إن أمريكا غرقت في المحيط... شكرا"
قال رئيس المؤتمر:
- " شكرا... الآن مع الجنرال جورج كندي"
ابتسم الجنرال المتقاعد... ووقف محييا... وقال:
- " لا أجيد الحديث إلا واقفا... ربما لأنني عسكري... ولكن... العسكرة الحربية... خبر كاذب... عندما... لا يُعَد الجنرالات خططا للحرب... أو بمعني أصح... عندما لا يهندسون لصناعة الحرب... الحرب هي بداية الطريق... لاقتصاد قوي... واختراعات قوية... وصناعة قوية... واسمحوا لي أن أقول... لن نضمن البقاء لحضارتنا... إلا عندما... تكون موارد القوة... تحت أيدينا... ونحن مضطرون لذلك... مضطرون لخوض العديد من الحروب... من أجل البقاء... شكرا"
قال مدير المؤتمر:
" شكرا... الآن مع الدكتورة سالي بون"
قامت امرأة في الثانية والأربعين... بدينة بعض الشيء... حركت شعرها يمينا... ثم قالت:
- " لن أطيل الحديث... عليكم أن تتابعوا العرض التالي... سواء على شاشات الكمبيوتر الخاصة بكم... أو في لوحة العرض"
بدأت شرائح العرض في الظهور... وأكملت الدكتورة :
- " ها هي كرتنا الأرضية... وها هي كرتنا الأمريكية... دققوا فيهما جيدا... الحقيقة... تكمن هنا... هذه المنطقة... هي سر بقائنا... نعم... أمريكا ليست سر بقائنا... تحركوا معي قليلا... هنا... نعم هنا... هنا يكمن سر بقائنا... ستقولون ما العمل.... لنكن أكثر وضوحا... الحقيقة قد تكون صعبة... ولكن علينا أن نقولها... ونؤمن بها... لا طريق سوى الحرب... الحرب... علينا صناعة حرب جديدة... ننفذ من خلالها وبقوة... إلى ما يضمن بقاءنا... حربنا في الحقيقة... مع الصين... ومع الشعوب مليارية العدد... ولكن الذكاء يقول... (لا تحارب عدوك في عقر داره... وإنما في عقر مزرعته)"
انفلتت تصفيقات وضحكات... ثم أكملت الدكتورة:
- " نعم... عقر مزرعته... اقتصاده... موارده... نفوذه... انظروا معي هنا... ها هو الشرق الأوسط... الأصفر... إنه أشبه بغلة من الذهب... السؤال... لمن ستكون هذه الغلة... لا مفاوضة... خلال السنوات العشر القادمة... يجب أن يكون تواجدنا هناك... أكثر جدية... الاتحاد السوفيتي... انتقل لمزبلة التاريخ... كان عدونا اللدود... لعقود... وأسقطناه... وانتصرنا... وكان حليفُنا في معركتنا ضده... عدد من الدول... الشرقية والغربية... وحين ذاك... نجحنا في توظيف عدد من المتطرفين... الراديكاليين... والآن... عدونا الحقيقي... هو الصين... وعلينا أن نفكر في الحليف ذاته... ولكن... بطريقة أكثر ذكاء... وإبداعية... علينا أن نقفز للأمام... ستواجهنا الكثير من المصاعب... الكثير... والكثير جدا... ولكنه قدرنا... علينا أن نقرر ألاّ نغلق مصانع الأسلحة... وألاّ نغلق بوابة واشنطن... أو نكتب عليها لوحة (للتقبيل... لعدم التفرغ)... سنستمر في السير قدما... من أجل كرة أمريكية عظيمة... شكرا"
صفق عدد من الحضور... وتحدث رئيس الجلسة:
- " شكرا للجميع... الآن سيتم توزيع أوراق العمل... والمعتمدة من قبل عدد من الباحثين... بعدها ستتم مدارسة عدد من القضايا المدرجة في جدول الأعمال... كما تلاحظونها أمامكم... ثم استراحة غداء... ثم نستأنف الاجتماع... الساعة الثانية "
2- مؤتمر سري2
هاهم يعودون... بعد استراحة غداء... تخللها استرخاء... في الأجنحة الخاصة بهم... في الفندق... بدا على بعضهم النعاس... وبعد أن دخلوا القاعة... استأنف المدير قوله:
- " وقتا ممتعا... وغداء هنيئا... أهلا بكم من جديد... الآن نستفتح بكلمة القس (وليم ليفن) "
تقدم رجل في السبعين... يبدو نشيطا... يرتدي زيه الرسمي الاعتيادي... ولا يبدو قسا... وليس عليه أي سمات القساوسة... قال في خشوع:
- " أيها الرب الكبير... لتحقق لنا الوعد... أيتها الوجوه الناصعة الصافية... لتكوني عونا لدوام الحقيقة الأبدية... أيتها السيدات والسادة... لا دين بدون إيمان... ولا إيمان بدون قضية... ولا قضية بدون عمل جاد... لنعد قليلا للبداية... ولننظر في النهاية... أيتها السيدات والسادة... هذه أرض الميعاد... ميعاد النصاري... وميعاد اليهود... إنها لب قضية النصر... لن نسيطر على الشرق... حتى نعلم علما يقينيا... أن قضيتنا دينية... وليست دنيوية... انتم تتحدثون عن النفط... عن المال... عن الاقتصاد... ولكن... أنا أتحدث عن وعد السماء... إن النصر مرتبط بهذه البقعة من الأرض... الإنجيل يخبرنا أن اليهود سيجتمعون يوما ما... في أرض إسرائيل... وستقوم حرب بينهم وبين العرب... فإما أن يبادوا... وإما أن ينتصروا... ولكنهم حتما سينصرون... وسيكون نصرهم نصرا للإنجيل... ولتاريخ كبير من حروب الصليب المجيدة... أنتم تتحدثون عن المال والنفط... وأنا أؤكد... أنكم لن تنتصروا في هدفكم هذا... إلا بتحقيق مراد الرب... في دعم إسرائيل... مسيحية يهودية... شكرا"
- " شكرا حضرة الأب... أعزائي... أريد إشعاركم بأن توصياتٍ من الإدارة العليا... في الـ (إف بي أي)... تؤكد... على عرض توصياتكم التي ستخرجون بها... بعد جلسات المداولات... على اللجان المتخصصة... وسيكون التنسيق مع البنتاجون مباشرا... ولندع الحديث الآن لموفد البنتاجون".
في الثانية والخمسين من عمره... رتب الأوراق أمامه... ووضع نظارة القراءة... وبدأ في الحديث:
- " كثيرا ما نجتمع... وقليلا ما نعمل... هذا اجتماعنا الخامس... لا يوجد تحركات حقيقية على الأرض... الخطى تراوح مكانها... لا نريد وضع النقاط على الحروف... بل نريد وضع النقاط قبل الحروف... هنا رسالة من الـ " أف بي أي"... شيء بدهي أن نعلم... أن الحروب تبدأ بالجواسيس... سأكون صريحا معكم... كلنا شركاء في العمل... هناك عدة شخصيات مرشحة للعمل معنا"
التفت موفد البنتاقون... لرئيس الجلسة... وقال:
- "أرجو أن تسمح لي ببعض الشرح"
- " تفضل بإيجاز"
" نعم... بإيجاز... سنزرع الجواسيس في قلب عدد من التيارات الإسلامية... الراديكالية... التي يمكننا اختراقها... بالذرائع ذاتها... التي لا زلنا نخترق بها التيارات الإسلامية... وسنصنع من خلالهم فتيل الحرب... الحرب هي الخيار الوحيد... لبقاء مصانعنا تعمل... ليست مصانع الآلات الحربة فقط... بل وحتى مصانع البطاطس والذرة... الشعب الأمريكي ربما فضل المسالمة... صحيح... إنه لا يعلم من أين يأتي الوقود... ولا يدري أن دماء حضارتنا تُضخ من الشرق الأوسط... لذلك... هو يتشدق بالسلم... لكنه لو علم... بأنه سيموت جوعا... عندما تقفل في وجهه... مضخات النفط... والجميع يذكر تلك المأساة... فيصل إمدادات النفط... وأصبحنا بين عشية وضحاها... نمتطي مقاعد الدراجات الهوائية في شوارع نيويورك... أقول... لو علم الشعب... أنه سيموت جوعا... عند إقفال إمدادات النفط... فسيكون له رأي آخر... صدقوني... شعبنا الأمريكي المسالم... لن يسمح لنا في البداية... خوض حرب القرن الحادي والعشرين... ولكن... عندما نصنع مبررات الحرب... فسيكون الشعب داعمنا الأول... الإعلام في يدنا... ومراكز الأبحاث في يدنا... وسنصنع عن طريق إعلامنا الماهر... دمية النمر الكرتوني المخيف... ونرعب شعبنا به... ثم ندخل النمر بتلابيبه للأسر... ونقتله"
الفصــل الثالث
1- غموض
ينظر بعين شاخصة... للنافذة الرابعة من اليمين... في الدور الثالث والعشرين... ثم يتحسس مسدسه... ويتكئ على السيارة المجاورة.
أشرف حميد... شاب مفتول... ملامحه جذابة... وشعره الأسود... يهبط على جبينه... ولا يلبث أن يرفعه لأعلى... بأصابعه... بعد أن يفردها... بشرته بيضاء ناصعة... وعيناه حالكتا السواد... ممشوق... طويل.
أخرج هاتفه النقال... وفتح الحاسبة فيه... وبدأ يحسب.
أصوله العربية... تجعل نظراته المتوجسة... تنطلق في كل اتجاه... حذراً من أن يكون رجل الشرطة... يراقبه... وتجعلها أيضا... تنطلق مع السيقان العارية... الغادية أو الرائحة... لفتيات هن أكثر نضارة من الورود.
أنه يخطط لأشياء كثيرة... ولكن... هدفه في النهاية... أن ينجح في الحصول على متعة... من أي نوع كان.
لبس نظارته الشمسية... ودخل من بوابة العمارة المقابلة... ذات الخمسة والعشرين طابقا... وامتطي المصعد... وانطلق للدور الثالث والعشرين... ومع نزوله من المصعد... بدأ يدقق النظر... هنا وهناك... وأجري مكالمة هاتفية سريعة... ثم نزل.
2- خفاء
بعد منتصف الليل بقليل... الهواء ساكن... وأنوار الشارع خافتة... وأشرف يقود سيارته المكشوفة... ثم يقف... لقد اختار مكانا منزويا عن الأعين... على بعد (500) متر... تقريبا... من تلك العمارة... التي دخلها منذ ساعات... ينزل من سيارته... ثم يتابع سيره بخفة وحذر... وعندما وصل العمارة... دخل متوجسا.
لم يطل الوقت... ها هو يخرج متخفيا... ويسير بخطوات متسارعة... وبعد دقائق... يصل سيارته... يركب وينطلق.
الفصــل الرابع
1- طريق واحد
الوقت... كما تشير الإضاءة التي تُدخلها النافذة... قد جاوز غروب الشمس بقليل... والغرفة من الداخل... كئيبة حزينة... وتنتشر فيها رائحة التعقيم... لسبب بسيط... هو أنها غرفة في مستشفي... هذا يكفي.
تبدو مفردات الغرفة معدومة... إلا من سرير... وكرسي صغير... وأرفف صغيرة... مثبتة في الجدار... تحمل سجادة صلاة... ومنشفة... وحقيبة يد... وقنينة ماء.
على السرير هناك... تنام إيناس... ربما كان عليها أن تنام وتنام... لأنها تتلقى العلاج وهي نائمة... هذا ما قررته الدكتورة نورة.
يُفتح الباب... وتدخل الدكتورة نورة بهدوء... وتفتح المزيد من مصابيح النور... ثم تقترب من إيناس... تبقى قليلاً تتأملها... وتدخل في أعماق أفكار كثيرة... ولكنها سرعان ما تتجاهل تلك الأفكار... وتمد يدها لتُنزل السماعة المتدلية على رقبتها... وتبدأ في قياس نبضات القلب.
وبعد لحظات... تدخل الممرضة... وهي تحمل الحقنة... تناولت الدكتورة نورة... الحقنة... تطالعتها جيداً... ثم تنحني... لتحقنها في يد المريضة.
تدير الدكتورة رأسها للخلف... تجلس في خشوع... على الكرسي المجاور.
لم يطل الوقت ... تمد الدكتورة يدها... لتتناول الملف الخاص بإيناس... وتقلب صفحاته... وتعبئ بعض المربعات والخانات.
2- الفئران
الدكتورة في عيادتها... هذا اليوم... هو اليوم العاشر... لدخول إيناس المستشفي... بدا وأن الأمور تسير إلى الأحسن.
طُرق الباب... دخلت إحدى الممرضات وهي تقول:
- " زوجك يا دكتورة... يريد مقابلتك في الاستقبال ".
- " أوه... لقد نسيت الموعد تماماً ".
قامت الدكتورة نورة... سارت جهة مكتب الاستقبال... وعندما التقت كامل... سارا سوياً إلى السيارة... ركبا... وانطلقت السيارة جهة الجامعة.
وقفت السيارة عند البوابة المفضية للمعامل... ابتسم الدكتور كامل للحارس... الحارس يعرف الدكتور كامل جيدا... ويعرف أيضا أنه زوج الدكتورة نورة... لذا رفع يده... وهز رأسه في إشارة للسماح له بالدخول.
دخلت السيارة... سارت قليلا براكبيها... ثم توقفت.
نزلت الدكتورة نورة... عدلت الحقيبة على كتفها... وسارت جهة البوابة الرخامية... ذات المداخل الزجاجية... وسار خلفها كامل.
دخلت الدكتورة مع البوابة الزجاجية... بعد أن دفعتها للأمام... وصعدت الدرج... والدكتور كامل يتبعها صامتا.
دخلت الدكتورة مكتبها... ودخل كامل... أضيئت المصابيح... سارا خطوات... ثم دخلا غرفة المعمل.
أضيئت مصابيح المعمل... بدا كل شيء مرتباً ونظيفاً... اتجه كامل للفئران في القفص... نظر إليها بإعجاب... في حين جلست نورة على مكتبها... أخرجت عدداً من الأوراق... قالت خارجة من صمتها:
- " هل أعجبتك الفئران ؟ ".
- " فروها ناعم ".
- " التقارب... بين صفات الخلايا... في جسم الفأر... والخلايا... في جسم الإنسان... يجعل التجارب عليها حيوية ".
- " بالطبع..."
- " كل أبحاثي تغيرت... لقد كانت فكرةً رائعة... ولم لا... علاج الإدمان بالمصل المضاد... نأخذ المخدر... ونعيد تركيبه من جديد... حتى يتم إضعافه... ثم نحقنه في الخلايا... فلا تتأثر به... لأنه ضعيف... ولكنها تكسب القدرة على التغلب على المثيل له ".
- " هل ينفع هذا المصل مع غير المدمن... أقصد... هل يؤثر المصل في غير المدمن... فيجعله يكره المخدرات ؟ ".
- " لا... لا أضمن... الفكرة هنا مختلفة... أنا هنا... أراهن على شيء مهم... المدمن... حتى ولو لم يرد ترك المخدر... نحن نُدخله المستشفي نائماً لمدة شهر... وخلال هذا الشهر نحن نساعد الخلايا على تطهير ذاتها أولاً... ثانياً... نساعدها على محاربة العنصر المخدر... وبعد أن يفيق المريض... يجد نفسه لا يريد المخدرات... لقد تمت تنقية خلاياه... تماماً ".
- " ماذا لو جرب المخدر... أو تناوله... بعد أن تمت مرحلة علاجه؟ ".
- " هنا تأتي القضية الجديدة... سوف يرفض الجسم هذه السموم... سيشعر المتعاطي بغثيان وتقزز... ستسري القشعريرة في بدنه ".
- " يا سلام... مذهل... مذهل... أنتِ عظيمة بالفعل ".
- " لو نجحت أبحاثي... فستكون على مستوى جائزة نوبل... أنا متفائلة... ولكن... هناك صعوبات كثيرة... النجاح ليس مضمونا مئة بالمئة".
- " أنا سأساعدكِ بكل ما أستطيع... سأقف معكِ بكل كياني ".
- " لم تقصر قط معي يا حبيبي... على العكس... أنا أشعر إني مقصرة في واجباتك ".
- " لا تقولي ذلك... سوف تنجحين... سوف تنجحين ".
- " المشكلة تكمن في أمر آخر... في البحث عن عدد كبير من العناصر المخدرة... نحن في حاجة للحصول على المواد المخدرة أولا... ثم نخلص من خلالها... لإنتاج تراكيب ضعيفة... تساعدنا في صناعة المصل... ولكن... أين سنجد هذه المواد المخدرة... هنا تكمن المشكلة ".
- " كلامك صحيح"
الفصل الخامس
1- الجاني
يقف باهتمام ونشاط... ويترك كرسيه الدوار... ويحمل قبعته السوداء... ثم يضعها على رأسه.
لقد جاءه اتصال للتو... يخبره بالقبض على الجاني.
يخرج النقيب (وليم آل هاري) من مكتبه... ويتقدم عبر الممرات... ويدخل حجرة التحقيق... ثم ينظر إلى الجالس هناك... يتفحصه مليا... ويتقدم نحوه في استخفاف... وعندما يقف أمامه... يقول:
- " هذه المرة... لقد وقعت"
أجاب المتهم... بكل جمود:
- " مجرد تهمة... ملفقة... لستُ الجاني"
- "أوه... نعم... نسيت... جميعكم تقولون ذلك... جميع مجرمي الدنيا... يتفقون على إنكار جرائمهم... هذا ما يؤكد إجرامهم... وهذا لا يقدم كثيرا ولا يؤخر... ولكن... ما أجزم به... أن عليك الاعتراف... ليس بهذه القضية فقط... لا... لا... وإنما بقائمة من الجرائم... التي ارتكبتها"
نظر أشرف حميد إلى كفه الأيمن... قلَبه ظهراً لبطن... ثم نظر إلى المحقق شزراً... وقال:
- " وأنتم جميعا تكررون الكلام ذاته... جميع محققي الدنيا... يتّفقون... على الزعم بأن الماثل أمامهم هو المجرم... ويتّفقون أيضا... على إن كل دفاع يقدمه عن نفسه... إنما هو إثبات لتهمته... لن أطيل... عليكم أنتم إثبات دعواكم"
ابتسم النقيب... في إعجاب ممزوج بالسخرية... وقال:
- " جريمة قتل... وسطو... إنها سرقة مجوهرات ثمينة... بقيمة... (150) ألف دولار"
- " لا يهمني الرقم... المهم لدي... هو الأدلة"
تراجع المحقق قليلا للخلف... ابتسم بلطف... وعضّ على شفته وهو يهز رأسه... كمن يبحث عن شيء... ثم قال:
- " صحيح... أنت ذكي... ولكنك لص... مجرد لص... كنت في جرائمك السابقة... تحصل على براءتك... في آخر اللحظات... ولكن... يد العدالة أذكي منك... ها أنت تقع... تماما كالخروف... هـ هـ"
- "لم أفهم"
- " لا مشكلة... من حقك أن تفهم"
مسح المحقق أنفه وفمه... واقترب خطوة من أشرف حميد... وقال:
- " هذه المرة تختلف عن كل المرات السابقة... لأنها كمين... نعم... لقد كانت الشرطة ترصد خطواتك"
تقدم المحقق خطوتين نحو طاولة صغيرة... وحمل جهاز التحكم عن بعد... وأدار جهاز الفيديو... وبدت الشاشة تعرض.
إنها صورٌ لأشرف... ها هو... إنه يحاول فتح باب الشقة... من الخارج... وبعد معالجة سريعة... فُتح الباب... ودخل أشرف... وقابلها وجها لوجه... صاحبة الشقة.
إنها صديقة قديمة له... في السابعة والعشرين من عمرها... ورثت ثروة من والدها... حال وفاته... ورثت قرابة الأربعة ملايين دولار... وبعد ذلك بمدة ليست بالطويلة... افترق أشرف والفتاة... لأسباب غير معروفة.
قفل المحقق الجهاز... وتقدم نحو أشرف... وابتسم بخبث... ثم جلس على الكرسي... وأداره جهة النافذة الزجاجية في الخلف... وأطلق بصره نحو عمارات نيويورك... ثم رفع بصره قليلاً... ليطالع أعلى قمة في مبني التجارة العالمية... ثم سأل:
- "هل اقتنعت يا صديقي"
قلب أشرف عينيه جيئة وذهابا... وكأنه يبحث عن شيء ما... ثم قال:
- " من السهل جدا... في هذا الزمن... أن أعيد مونتاج هذا الفلم... وأجعلك أنت الجاني... هـ... هـ... هـ".
قام المحقق... واتجه لدورة المياه المجاورة... في حين بقي أشرف... يقلب طرفه فيما حوله.
2- اعتراف
لم يطل الوقت... ها هو المحقق... يقدُم ثانية... وهو ينشف يديه بمنديل ورقي... ثم يرمي به في سلة نفايات على طريقه... وعنما اقترب من أشرف... تبسم... ثم حمل جهاز التحكم عن بعد... ووجهه لجهاز الفيديو... ثم أداره وهو يبتسم.
ظهرت صورة الفتاة لوسي... نظر أشرف بذهول... وابتلع ريقه بصعوبة... وبدأت ضربات قلبه تزداد... ابتعدت الصورة قليلاً... وبدا أن لوسي نائمة على سرير أبيض... وبجوارها تبدو أجهزة طبية... قال المحقق:
" إنها كما تري... في المستشفي"
صمت أشرف في حين أكمل المحقق:
- "أنت تعرفها جيدا... إنها هي بالضبط... لوسي... لوسي... المجني عليها... لقد حسبها القاتل ماتت... بعد أن طعنها... لكنها لم تمت... لقد كانت تلبس الدرع الواقي... على صدرها... وبطنها... صحيح... لقد جُرحت... ودخلت في غيبوبة... ولكنها لم تمت... ضنها القاتل ماتت... وقام بسرقة المجوهرات... ووضع السكين في يدها... ليوهم المحققين... أنها انتحرت"
لم يتكلم أشرف... إنما اكتفي بحك خده وذقنه... أكمل المحقق:
- " عزيزي... صديقتك لوسي... اتصلت على المباحث الفيدرالية... منذ أسبوع... تقريبا... وأخبرتنا... أن شخصا يكرر الاتصال عليها... وأنها تتهرب منه... وتحاول تضليله... كي لا يصل إليها... لأنه يهددها بأشياء كثيرة... ونحن يا صديقي... قدمنا لها التوصية... بأن تلبس الدرع الواقي... وتوحي للشخص الذي يطاردها... بتواجدها في الشقة... كي يأتي... ويباشر جريمته... وبالفعل... جاء الجاني... وكانت العدسات تصور... وكنا نتصور... أن لوسي في مأمن... لأنها تلبس الدرع... ولكن... مع الأسف... كانت الطعناتك قوية... لم نكن نتوقع أن تخترق الدرع... لكنها اخترقته... هل عرفت من هو الجاني؟"
قال أشرف... متصنعا اللامبالاة:
- " لا يهمني شأن الجاني... أنتم تعرفون براءتي"
لم يتحدث المحقق... واكتفي بأن أدار جهاز الفيديو... عن طريق جهاز التحكم عن بعد ثم قال:
- " عزيزي أشرف... هذه لوسي... لقد تم نقلها للمستشفي... ودخلت تحت العناية المكثفة... وأفاقت... وتحسن حالها... وهي شاهدة على كل شيء"
تابع أشرف المقطع... وفي غضون دقائق... أغمض عينية... وبدا صامتا... أمام أسئلة المحقق... التي انهالت عليه... وبدا صمته... اعتراف بارتكابه للجريمة... لقد ألقى بنفسه على مقعد مجاور... وضع كفيه على جبينه... وبدأ بالحديث... الحديث المتقطع... الذي اعترف من خلاله... بقائمة من الجرائم السابقة... وبعد أن انتهى أشرف من كلامه... أقفل المحقق جهاز التسجيل... ونادي العسكري الواقف بجوار الباب... وأخبره بأن القضية برمتها ستحال للقضاء.
الفصل السادس
1- خذ يا بحر
الجو بديع في الداخل... لأن النافذة مفتوحة... والستارة الخضراء المنمنمة... تحركها الرياح بهدوء... لتنسدل على الكنبة المخملية... ذات الأرجل الخيزرانية.
كامل يضع قدماً على أخرى... ثم يحمل جهاز التحكم عن بعد... ليوجهه ناحية التليفزيون... ثم يبدأ في استعراض القنوات.
لا شيء من هذه الأشياء... التي كانت تلفت النظر سابقاً... تلفت نظره الآن... ابتسم وهو يحدث نفسه:-
- " التلفزيون... أصبح ماخوراً كبيراً... والأجساد الممشوقة... أصبحت رخيصة... لدرجة أنها لم تعد تلفت الانتباه... بالدرجة الكافية "
قلَب كامل القناة... وهناك... بدت أغنية قديمة... لمطرب سعودي قديم... صوتها بالكاد يُسمع... (خذ يا بحر)... (كل ما تبي)"
ترك كامل التلفاز:
- " شيء مقرف!"
حمل الجريدة... من فوق المنضدة... وبدأ يطالع الأخبار.
بدا له وأن الأخبار... جميعاً... منزوعة الدسم... منزوعة الطعم... منزوعة الرائحة... هناك عالم أول... وعالم أخير... لا حلول وسطية.
في تلك الأثناء... أُدير القفل... في بوابة المنزل... لتدخل الدكتورة نورة... محملةً بحقيبتين.
قام كامل مسرعاً ليساعدها... حمل الحقائب وهو يقول:
- " أهلاً بكِ حبيبتي... عملك مرهق... بالتأكيد... ما هي آخر الأخبار ".
- " أوه يا كامل... شكراً على حملك للحقائب... ولكن دعني ألتقط أنفاسي أولاً... سأُخبرك بكل شيء ".
- " أنا متابع جيد لأبحاثك... هل من نتائج جديدة ".
- " ربما... بعد قليل... أخبرك... سأستحم أولاً... وأبدل ملابسي ".
- " أنا مشتاق جداً لسماع آخر الأخبار ".
2- اهتمام بالغ
مر الوقت بسرعة... كامل جالس في لهفة... على الكنبة الصفراء... في زاوية الصالة... أمامه إناء القهوة... وفنجانين صغيرين... ابتسم بسعادة... حين أقبلت نورة... بدأ يسكب القهوة... ويقول:
- " آخر الأخبار؟ ".
- " آخر الأخبار... يا حبيبي... تتعلق بإيناس"
- " نعم... قولي"
- " إيناس... لقد أفاقت ".
- " ممتاز... ثم ماذا؟ ".
- " لم تتحدث عن ابنها... لم تذكره ".
- " هل تكلمت؟ ".
- " إنها... إنها فقط... تسبح وتذكر الله".
- " غريب أمر هؤلاء... الدين... هاجسهم الأوحد ".
- " لقد أكلت بشهية... ونزعنا عنها قصبة التغذية ".
- " ممتاز... هل أوقفتم الجرعة المخدرة ؟ ".
- " كلا... مازلنا... أتوقع أن يقل طلب جسمها للمخدر ".
- " هل هذا أكيد ؟ ".
- " لا يوجد شيء مؤكد... ولكن... إيناس حالة خاصة... يبدو لي أنها فقدت ذاكرتها... لذا لم تتحدث عن ابنها... ولم تطلب المخدر... بالتأكيد... لقد نسيت المخدر... ولكن جسمها سيزداد توتراً... مع الأيام المقبلة... لأن الخلايا ستشعر بحاجة للمخدر ".
- " إذن هي لم تتحسن ".
- " بل تحسنت... ولكن... وكما قلت لك سابقاً... مشكلتها مركبة... لقد كانت تعاني من اضطراب نفسي رهيب... يدفعها لتخيل أشياء لم تحصل... هدأت حالتها هذه... بفضل النوم الطويل... لقد هدأت مشاعرها وأعصابها... ولكن... بقي عمل المخدر ".
- " نعم... فهمت... وذاكرتها ؟ ".
- " ذاكرتها... فيما يبدو لي... ذاكرتها... ربما... ربما فقدتها منذ مدة... ولم يعلم أحد عن ذلك".
- " بالفعل... مشكلة مركبة ".
- " هذا صحيح"
3- علاج مميت
سكاكين حادة... في غرفة بيضاء... وفي الغرفة أيضا... هناك... إنها تصرخ وتصرخ.
الباب مقفل... ولا أحد يجيب... بيد أن دموعاً من عيني الدكتورة نورة... تنحدر... فتمد منديلها... لتمسح دموعها... وتعاود سماع صراخ صديقتها... التي يقف الباب حاجزاً بينهما... يمنعهما من أن يلتقيا.
يخبو الصوت قليلاً... ثم يعود... ليردد نفسه بتكرار أكبر:
- " ولدي... أين هو... أنا أُجن... رأسي ينفجر... جسدي يتقطع... سكاكين حادة وكلاليب... إنها تنزع لحمي نزعاً ".
ابتلعت الدكتورة نورة ريقها بمرارة... وقالت تحدث نفسها:
- " لقد هُزمْت... لا... لا... إنه التحدي... التحدي الرهيب... كم يزداد عدد الضحايا... ولكن لا حيلة".
قامت الدكتورة جهة الخزانة... أخرجت عدداً من القناني... ركبت بعض العناصر في أنبوب صغير... ثم وضعته في الحقنة... ونادت الممرضة... وقت قصير... وأقبلت الممرضة... قالت الدكتورة نورة:
- " احقنيها... ستهدأ بعد قليل... عليها أن تنام قليلاً... لا حيلة ".
حملت الدكتورة نورة حقيبة يدها... وخرجت... أملها في إيجاد الحل السحري... الذي سبقها طموحها نحوه... أصبح ضعيفاً... خرجت من العيادة... وسارت نحو السيارة... ركبت في المقعد الخلفي... وقالت للسائق:
- " انطلق ".
الفصــل السابع
1- ممرات ضيقة
يمد الملعقة بهدوء... يضع فيها قليلا من إدام الدباء... ويرفعها ببطء... كي يدنيها من فمه... ولكنه لا يضعها في فمه... لأنه منهك في مقارعة أفكار كثيرة... لقد صدر الحكم عليه... من المحكمة العليا... منذ يومين... حكم بالإعدام... يا لها من نهاية سخيفة... لحياته السخيفة... لقد ثبتت عليه جرائم كثيرة... منها... قتل بالعمد... سطو... سرقة... تهريب مخدرات... الحقيقة أن مشكلته الأكبر... كونه من أصول عربية.
أرجع أشرف الملعقة للطبق... وأرجع ظهره للخلف... ليستند على الجدار... ثم زفر زفرة طويلة... بعدها... وقف بتثاقل... وسار ناحية باب الزنزانة... وأمسك بقضبان الشباك... وبدأ يراقب... لا أحد هناك... في الممر.
رجع أشرف أدراجه... القي نفسه على الأرضية الخشبية... لا يمكنه المواصلة أكثر... في هذا السجن... مشاعره من الداخل... متجهة نحو ضرورة الانتحار... إن الانتحار... أهون من انتظار تنفيذ حكم الإعدام.
بعد دقائق... جاء الحارس... ونظر إليه من فتحات الشباك... وقال له:
- " هيا... طلب خاص"
ابتسم أشرف وهو يقول باستخفاف:
- " خاص!... هل جاءت عائلتي... لإخراجي؟... أم أنه تنفيذ الحكم؟... أم هو العفو؟"
لم يجبه الحارس... اكتفي بفتح الباب... ثم دخل.
في غضون ذلك... وأمسك الحارس... بيد أشرف... وشده ليقف... وقف أشرف... ثم سارا خارجين من الزنزانة... وتابعا السير سويا... حتى وصلا بابا مغلقا... في آخر الممر... وقفا أمام الباب قليلا.
لم يطل الوقت... فُتح الباب... وبدأ أشرف يقلب طرفه... بحثا عن حبل مشنقة معلق... أو شيء مجهز للإعدام... لم يكن ثمة حبل... أو أدوات حادة... لقد كان الباب يفضي إلى ممر صغير... وفي آخر الممر... يوجد باب حديدي أسود... دقق أشرف النظر في الباب... اكتشف أخيرا... أنه بابٌ لسيارة السجن.
شعر أشرف... أن الحارس يشد على يده... بدرجة أقوى... ثم يسحبه... استسلم أشرف... لتلك القوة الساحبة... وسارا عبر الممر... وعندما وصلا باب السيارة... قال له الحارس:
- " اصعد السيارة... هيا"
صعد أشرف... وصعد الحارس... وأغلق باب السيارة... وانطلقت.
2- بلياردو..
الوقت داخل هذا السجن المتنقل... يطول ويطول... والنافذة الصغيرة... في الأعلى... تسمح بدخول قليل من الضوء... مع كثير من الهواء.
الجو البارد... يجعل حاجة السجين... لهواء متجدد... أقرب لحاجته... لعقاب شديد.
ولكن... لا خيار... عينا السجين معصوبتان... ولكنه... ربما استطاع أن يرى عبر عصابة عينيه... ملامح باهتة للأشياء... فقط... عندما يدقق النظر... وربما كانت تلك الطبيعة في غطاء العينين... مقصودة لهدف ما... يعرفه المحققون وحدهم... يدا السجين وقدماه مقيدتان في بعضهما... بيد إنه يستطيع الوقوف والمشي بصعوبة... يوجد صندوق هناك... قد يصلح ليكون مرحاضا... بل هو موضوع لذلك... عند الحاجة... وتوجد قنينة ماء مربوطة بشريط بلاستيكي... وعلبة من البسكويت الرديء المملح.
استمرت الرحلة قرابة الأربع ساعات... ولا يدري السجين... هل هذا الطول في الرحلة... مقصود لذاته... أم لغيره... ولكن... أفكاره كانت منصبة تجاه الموت... الذي ينتظره... وقفت السيارة... ونزل السائق... واجتمع عدد من الحراس... ببنادقهم... حول السيارة... وبعد ربع ساعة... فُتح الباب... وأطل ضابط برتبة ملازم... على أشرف... وقال له:
- " هل أنت بخير؟"
لم يجبه أشرف... أشار الملازم لاثنين من الجنود... طالبا منهم أن ينزلوه من السيارة... وانصرف.
صعد اثنين من العسكر للسيارة... وساعدا أشرف على النزول... وصحباه للداخل.
لم يكن أشرف مشغولا بما حوله... من معطيات هذا الجو العسكري... ولا مفرداته... لقد سار مع سجانه عبر ممرات مضاءة بإضاءة خافته... كان يظن أن النهاية... ستنتهي به إلى زنزانة من نوع ما... بيد أن الطريق انتهي به إلى مصعد... فُتح باب المصعد... وصعد أشرف والسجان... ثم ارتفع المصعد إلى أحد الأدوار العلوية... حسب تقدير أشرف... هو الدور الثالث عشر... وقف المصعد.... وقال السجان:
- " تقدم"
هز أشرف رأسه... وسار في مجاورة السجان... عبر ممرات ملتوية بطريقة ما... ثم فُتح باب حديدي... بطريقة آلية... ودخل أشرف.
الجو داخل هذه الغرفة مكيف... شعر أشرف بهدوء وصمت... وتقدم العسكري... أزال غطاء عيني أشرف... بدت مفردات المكان أكثر أناقة... مكتب واسع... تبدو له شرفة مطلة... بيد أن الستارة المسدلة على الشرفة... تمنع تجاوز البصر لما في الخارج... أثاث مكتبي راقي... وإضاءة خافتة لحد ما.
وهناك... طاولة اجتماعات... وسخان شاي... وثلاجة صغيرة... وعلبة سجائر على الطاولة الصغيرة المجاورة.
التفت أشرف خلفه... التقى بصره بعيني شخص كان واقفا خلفه... رجل طويل... بشارب أصفر غليظ... ومنخرين دقيقين... في أسفل أنف طويل... ونضارة نصف شمسية... وملابس رسمية... قال الرجل الواقف في احتفاء غير نزيه:
- "أهلا... أهلا أشرف... تفضل"
نظر أشرف يمنة ويسرة... كان ينظر في ريبة... لم يعتد على معاملة كهذه... داخل السجن... قال في استغراب:
- "أنا ؟"
- "بالتأكيد... أنت "
تحرك الرجل نحو مكتبه وهو يقول:
- "أنا ديفيد... وأنت هنا ضيفي... لنعتبر أنفسنا أصدقاء"
لم تتوقف عينا أشرف عن الدوران... رجع ديفيد بكرسيه الدوار... للخلف قليلا... ثم سار به يمينا جهة الثلاجة الصغيرة... فتحها... وأخرج علبتي مشروب غازي... أخذها وهو يقول:
- "اجلس... اجلس يا أشرف "
تقدم أشرف ببطء... ولم يجد بدا من أن يجلس... فتح ديفيد علبة المشروب... وقدمها لأشرف مبتسما.
في تلك الأثناء... أحس أشرف بشيء من الاطمئنان... يساوره شيء من الخوف.
ابتسم ديفد... وبدأ يتحدث عن أيام طفولته... وعندما كان طالبا في المرحلة الابتدائية... ثم تحدث عن أعماله العبثية... مع بعض زملائه... وعن قصة غرام غبية... مع إحدى صديقاته... انتهت بأن لقنه أخوخا لكمة فى بطنه... لقد كان يتحدث بكل عفوية... أحيانا ينفعل مع أحداث قصته... وأحيانا يقل حماسه... بيد أن حديثه لا يخلو من براعة... لم يتجاوز دور أشرف أن يكون دور مستمع... صحيح انه كان يبتسم أحيانا... بيد أنه كان يتكلف ألا يضحك... بدا غير متجاوب لحد ما... بيد أن هذا الجو لم يكن بالجو المزعج له... وبعد قرابة النصف ساعة... قام ديفد... وهو يقول:
- " تفضل يا أشرف... أريد أن ألعب معك دورة بلياردو... إذا سمحت"
لم يكن لأشرف من خيار... قام وهو يهز رأسه بالموافقة... سارا قليلا... وفي جزء من تلك الغرفة... فُتح باب كهربائي... وبدت قاعة البلياردو... الواسعة لحد ما... لم يجد أشرف غضاضة في أن يمنح نفسه شيئا من تسلية... تقدم... وحمل إحدى العصي... في حين أعد ديفد عصاه.
بدأ اللعب بهدوء... ثم ازدادت وتيرة الحماس فيه... وأثناء اللعب... كان ديفد يسأل أشرف أسئلة عابرة... عن أشياء تبدو غير ذات أهمية... عن طفولته... أو عن أشياء يحبها... أو عن المصاعب التي واجهها... كان أشرف يجيب باقتضاب... وربما احتال عن الإجابة... مر الوقت سريعا... وبعد لعب ساعة... قال ديفد:
- " شكرا لك أشرف... كنت ماهرا بالفعل... ما رأيك في فنجان من الشاي"
هز أشرف رأسه موافقا... وبعد أن جلس الاثنان... حضر الشاي... وتناول كل منهما فنجانه... خمس دقائق فقط... تحدث فيها ديفد... عن المال والثراء... وألقى أسئلة محدودة... حول الآمال التي يطمح لها أشرف... كان أشرف كثير التشاؤم... لم يبد أي أهداف مستقبلية.
قال ديفد... وهو ينظر بابتهاج نحو أشرف... ويتقدم نحوه قليلا:
- " صديقي العزيز... سأعمل جاهدا... من أجل... من أجل العفو عنك... لا زال المستقبل أمامك... أنت ذكي... وأنت تستحق ذلك... لقد أحببتك"
نظر أشرف باهتمام... وقال :
- " العفو؟"
-" ولم لا... كل شيء يمكن توقعه... في هذا العالم"
مد ديفد يده مصافحا وهو يقول:
_" أراك على خير... أرجو أن أحمل لك الخبر السار... بنفسي"
قام أشرف... وقام ديفد مودعا... وحضر السجان... ليصطحب أشرف لزنزانته.
3- مسرحية إعدام
أسبوعان... مرّا على أشرف... هنا... في زنزانته الضيقة... أفكاره تتنازعها الهواجس والظنون السؤال الذي يطرحه على نفسه باستمرار:
- " ماذا تعني تلك المسرحية؟... هل يمكن أن يكون صاحبها صادقا؟... هل ستتبدل حياتي... للأحسن؟... ولكن... ما الثمن؟... ما القيمة؟... من المستفيد؟"
وقف أشرف... واتجه نحو القضبان... أمسك بها بقوة... السجن يخنقه... يشعره بالضعف والتقزم... لم يشعر أشرف بمشاعر كهذه من قبل.
وبدأت أفكار أشرف تدور في آفاق بعيدة... الحرية... الهواء الطلق... المرح... السعادة... المال... السهرات الحمراء... الحياة المستقرة... المنزل... وربما... ربما الزوجة... الأطفال... الدخول في العمل السياسي... كتابه المقالات... الصحافة.
في تلك الأثناء... سمع أشرف صوت السجان... كان يفتح الزنزانة... ويقول له بعنف:
- " هيا... هيا... قم "
- " إلى أين؟؟"
- " هيا..."
أمسك السجان بيد أشرف... من المعصم... وسحبه بغلظة... سار أشرف منبهرا لهذه المعاملة... واستمر السير في طريق طويل... عبر ردهات طويلة... واسعة حينا... وضيقة حينا... وجدران غير مدهونة... وأخيرا... أفضى الطريق لحجرة ضيقة... في سقفها حبل مدلي... وقف أشرف... نظر مليا... أدرك كل ما حوله... إنها النهاية... نظر له السجان... وقال:
- "اجلس... هنا... على الأرض"
لم ينبس أشرف بكلمة... جلس بهدوء وتسليم... في حين خرج السجان... وأقفل الباب خلفه.
مرت على أشرف خمس دقائق... كان خلالها مطأطئا بصره للأرض... لقد شعر بصدمة رهيبة... إنه الآن في الغرفة المعدة للموت... أدرك ذلك... بمجرد رؤيته حبل المشنقة... بعدها... دخل في نوبة من الذهول... ولكنه الآن... عاد لصوابه بعض الشيء... قرر أن يحيل طرفة في المفردات من حوله.
هناك... إنها طاولة موصلة بالتيار الكهربائي... وأرضية من الرخام... فيها فتحة صغيرة... لتصريف الدم... في حالة الإعدام رميا بالرصاص.
لم يطل الوقت... جاء شخصان موكلان بتنفيذ الحكم... فتحا الباب... دخلا... وقفا متقابلين... أمام أشرف... وقالا له:
- " هيا... قم... لقد تم تأخير تنفيذ الحكم... هناك بعض الترتيبات"
قام أشرف... الدنيا تدور به... سار في شبه بلاهة... عاد في صحبة أحد الرجلين... وفي منتصف الطريق... استلمه السجان الخاص به... وسار معه عبر الممرات ذاتها... حتى وصلا زنزانته... أدخله الزنزانة... وتركه.
لم يجد أشرف تفسيرا لكل هذا... حدث نفسه:
- " هل هي مسرحية أخري... كتلك التي وعدني فيها المحقق... بالعفو؟... أم أن الحكم سيتأخر... بالفعل... يوما أو يومين... أو ساعة أو ساعتين"
أحس أشرف بتوتر نفسي شديد... وبعد دقائق... وصل الطعام... أدخله السجان... قال له:
- " تفضل طعامك"
ثم خرج.
نظر أشرف للطعام... كان زاهدا أشد الزهد... حمله الطبق بعنف... القي به على لأرض... بيد أن السجان... دخل عليه بغلظة... وأمره بأن ينظف كل شيء... وأخبره أنه سيحرم من الوجبة القادمة... ومن الأفضل له... أن يحتفظ بشيء من هذه البقايا... ليأكلها لاحقا.
لم يلق أشرف كبير اهتمام لكلام السجان... وإنما أعاد ظهره للخلف... قليلا قليلا... ليتكئ على الجدار... وبدأ يعيد صورا كثيرة طرأت على مخيلته.
الفصل السابع
1- إيناس تخرج من المشفى
الشمس في كبد السماء... وامرأة تلقي نظراتها البريئة... هنا وهناك... وتخرج من باب المصحة النفسية... وتسير بجوارها الممرضة والطبيبة... من ملامحها... يبدو أنها لم تتماثل للشفاء بعد... لكن الطبيبة... رأت أن حالتها المستعصية... لن يكون علاجها في بقائها في المصحة... وربما يكون شيء من علاجها... في عودتها للمنزل.
أثناء ذلك... خرجت والدة إيناس من باب المصحة... وفي يدها مجموعة من الأوراق... وكيس يحوي عددا من الأدوية... وقفت الوالدة... جوار ابنتها... ووضعت يدها في يدها.
كانت السيارة الخاصة بالمشفى... واقفة أمامهم... وسارتا نحو السيارة... وركبتا... وانطلقت السيارة... نحو منزل أم إيناس.
مر الوقت سريعا... إيناس في السيارة... مشغولة بإطلاق كلمات النقد... على كل شيء تراه... سواء في السيارة... أو في الشارع... أو في طريقة سائق السيارة في القيادة... وتبدو انتقاداتها حكيمة لحد ما... لم يخف السائق بعض إعجابه بآراء الفتاة... لذا قال:
- " الحقيقة... إن كثير من العقلاء... ربما اتهموا بالجنون... وكثير من المجانين... ربما كانوا أكثر عقلا من العقلاء"
لم ترق هذه الكلمات لإيناس... لذا ردت:
- " أنا أتهمك بأنك مجنون... هل تراني على حق"
توقف السائق عن الحديث... وبدأ يفكر في هذه الكلمة... حدث نفسه:
- " هل تراها تقصد إن حكمها علي... يكون صائبا... لأني زكيتها من قبل"
لم يجد السائق بدا من الصمت... في حين صبت إيناس جام نقدها عليه... في قيادته... وفي قسمات وجهه... وفي ملابسة... ولم يكن قادرا على الرد.
لم يطل الوقت... ليست سوى نصف ساعة... وها هي تلك... أم إيناس... تنزل من السيارة... وتمسك يد ابنتها... وتنزل إيناس... ثم تسيران سويا... لباب المنزل... تفتح الأم باب منزلها... وتدخل... في حين بقيت إيناس في الخارج... تتأمل قليلا... ثم دخلت.
2- الطريق الصحيح
في صباح اليوم التالي... خرجت إيناس من المنزل... إنها هادئة بعض الشيء... لم تشأ والدتها أن تمنعها... ولكنها بقيت تراقبها... بدأت إيناس تسير بجوار المنزل... سارت لآخر الشارع... ثم عادت.
نظرات إيناس... ساهية في الأفق... كثيراً ما تحدث نفسها... وجل الحيث حول ابنها الذي فقدته... ومع ارتفاع الشمس... قليلا... عادت للمنزل... كانت أمها قد أعدت الإفطار.
جلست المرأتان... على المائدة... بدأت الأم في تقديم بعض الأطباق... لابنتها... لا مشكلة كبيرة... لدى إيناس... إنها تشعر بالكثير من الاستقرار... بعد أن غادرت المشفى... الذي لم يكن يمثل لها... سوى حلقة من كابوس كبير... ستتفرغ الآن... لحياتها التي قررت أن تكون مختلفة كليا... عن حياة الآخرين.. توصيات المشفى للأم... كانت واضحة... إيناس تحتاج أن تعيش عالمها الخاص... كما هو... دون تدخل من أحد... عندها... لن تكون مؤذية لنفسها... ولا للآخرين... تفهمت الأم ذلك... وقررت أن تطبقه حرفيا... مع ابنتها.
مع انتهاء وجبة الإفطار... خرجت إيناس من المنزل... وبدت تسير في الشارع الطويل... نظراتها منصبة للسماء... ولا تحرم نفسها من التقاط شيء من هنا أو من هناك... في هذا الشارع الطويل... كرتون... عصا طويلة ... قطعة حديد.. أسلاك معدنية ألعاب أطفال.
بقيت إيناس على هذا الحال... حتى انتصفت الشمس... في كبد السماء... أمها تلقي لها نظراتها... بين الفينة والأخرى... ومع ارتفاع حرارة الشمس... عادت إيناس للمنزل... إنها أكثر أريحية... بدا على وجهها ابتسامة صغيرة... هذا ما قذف الفأل في قلب والدتها... اتصلت الأم بالمشفى... وشرحت لهم كل شيء... وكان رد الدكتورة... مطمئنا... لقد أكدت على أن اتخاذ خطوة إخراج إيناس... كان صائبا... ويلزم متابعة الحالة... دون أن يكون الأطباء في الصورة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق