الخميس، 8 يوليو 2010

لبرالي في سجون قونتنامو " الجزء الخامس "

الجزء الخامس
الفصل الحادي عشر
1- المموَّن… للبحث
دخلت بنشاط ملحوظ… اتجهت للشماعة المجاورة للمكتب… كي تأخذ المعطف.
الدكتورة نورة… ارتدت معطفها الأبيض… واتجهت ناحية الباب المفضي للمعمل… وبعد أن دخلت… توقفت قليلا… نظرت إلى قفص الفئران… تجاهلته عمداً… اتجهت للخزانة الحديدية… ذات الباب الأبيض… فتحتها بثقة… أخذت الكمّامة… وضعتها على أنفها وفمها… ثم عادت نحو القفص… تناولت أحد الفئران… تفحَّصته في اهتمام… مدت يدها لتتناول الحقنة وقنينةً صغيرة… أعدت الحقنة بسرعة… وحقنت الفأر… تحت الجلد… ثم أطلقت سراحه… واتجهت لمكتبها… وبعد أن جلست… أخرجت مذكرة تلفونات… وأجرت اتصالات كثيرة… بجهات عدة… استغرقت اتصالاتها عشرون دقيقة.
شعرت الدكتورة نورة… أنها أنجزت شيئا من المهمة… استرخت على المقعد… عشر دقائق… ثم انتفضت فَزِعة… بدأت تكتب وتدون… انهمكت فيما تدونه… أكثر وأكثر… الوقت… الوقت يسير متناغما مع عملها الدؤوب… لم تشعر الدكتورة… بمرور الوقت… فاجأها ارتفاع صوت المؤذن… مناديا لأذان الظهر… رفعت رأسها… لتسند ظهرها قليلا… على المقعد… ولكن… رنَّ جرس الهاتف… رفعت السماعة بهدوء… كان صوت القادم… هو صوت زوجها كامل… تبادلا التحية… ثم قال لها:
- "قولي لي يا نورة… ما آخر الأخبار؟".
- "نعم يا كامل… كل شيء على ما يرام… خطوة بخطوة… تصوراتي للموضوع… بدت صحيحة… لحد كبير… تسلسل الخطوات منطقي… حتماً سنصل للهدف… ولكن!"
-"ولكن!… ماذا؟"
-" آه… بقيت المشكلة التي تحدثنا عنها ليلة أمس… المُمَوِّن… لقد قمت بتصور مبدئي للحسابات… التكلفة باهظة… من الصعب تحقيق النجاح دون مُمَوِّن… قل لي يا كامل… ماذا فعلت أنت؟"
- "أنا!… ألا تعرفين زوجك كامل؟… ألم أعدك ببذل قصارى جهدي؟"
- "وعدتني بالتأكيد… ولكن… هل من جديد؟"
- "نعم… هناك جديد… الحقيقة يا زوجتي العزيزة… لقد قمت بجهد متواصل… واتصالات في كل الجهات… وفي جميع المستويات… وصلت في بعض الأوقات لمستوى وكلاء الوزارات… وأخير… وأخيرا… "
- " وأخيرا… ماذا؟… قل يا كامل… أرجوك"
- " وأخيرا… لقد وجدت من يصلح ليكون مموناً للمشروع بأكمله"
وقفت نوره في دهشة… وقالت… والارتباك باديٍ على ملامحها:
-"كامل… هل أنت جاد فيما تقول؟… قل… قل يا كامل"
- "نعم يا حبيبيتي… كامل يتكلم… بكامل الجدية… لقد وجدتُ الممون"
- " من يكون يا كامل؟"
- "مستثمر… وجدت توصية له من قبل وكيل وزارة الصحة… شخصياً… إنه تاجرٌ كبير… ولديه شركة لاستيراد الأدوية… كان صيدليا في بداية حياته… تم دخل تجارة الأدوية… إنه أحد أهم متعهدي الوزارة… رجل له مكانته بين كبار رجال الأعمال… وله شركات في الهند وباكستان… إنه إخطبوط… اتصلت به"
- " صحيح… اتصلت به؟"
- " نعم اتصلت به… وبقيت متواصلا معه في حديث طويل… لقد شرحت له أبعاد المشروع… تناولت بداية قضية الإدمان… ثم عرضت أمكانية الوصول لعلاج… بالطبع… دون الدخول في التفاصيل… وأخبرته عنك"
- " وما ردة فعله؟"
- " أبدى اهتماما بالموضوع… وطلب مقابلتي"
- " هل أعطيته موعدا للمقابلة"
- " الواقع أني أكدت له أهمية مقابلة مطولة… نناقش فيها الموضوع من جميع جوانبه… ووعدني أن يدرس الجدوى كاملة… وسيكون رده النهائي بعد أسبوع"





2- عشاء مفتوح

يمد يده بهدوء… ويضغط الزر أمامه… وتُفْتَح الفتحة في سقف السيارة كهربيا… وتبدو النجوم لامعة في السماء… وتدخل نسمات هواء منعشة… وتنطلق السيارة بسرعة… 80كلم/ساعة… ينظر كامل عن يساره… ويقول لنوره بجواره:
-       " بوفيه مفتوح؟… كما هي العادة… العادة سعادة"
انبعث صوت جمال من المقعد الخلفي:
-       " أنا أحب يوم الخميس… الخميس أجمل يوم"
نظر إليه والده وقال:
-       " أتحب  الخميس… لأنه يوم إجازة؟… أم لديك سبب آخر… اعترف؟"
-       " بل لأننا نتعشى في مطعم الفندق"
قالت نورة:
-       " جمال مثلي… يحب البوفيه المفتوح"
-       قال كامل ضاحكا:
-       " وأنتما مثلي… تحبون البوفيه المفتوح… وتحبون يوم الخميس" 
اقتربت نورة من كامل… وقالت:
- " ماذا فعلت اليوم… في موعدك مع المستثمر… لقد مر أسبوع على المكالمة"
- " أوه يا نورة… أنت تريدين حرق الفلم… دعي الموضوع مفاجأة… أقولها لك ونحن على العشاء"
- " أوه… في العجلة الندامة… على كل… ما دام الفلم قد احترق… قل لي المفاجأة… الآن"
- " نعم… سأقولها… الحقيقة… لقد اتصلت به… ووافق على تبني المشروع… ولكن"
- " ولكن؟… ولكن ماذا"
-  هناك إشكالية"
أشاحت نورة بوجهها… وقالت في خيبة:
- " إشكالية!… إشكالية ماذا؟… هل هي بشأن إعداد معامل التجريب؟"
- " كلا…كلا… الواقع… أن الإشكالية المطروحة… أمر أصعب"
- " أصعب؟!… وما هو؟"
- "هذا المستثمر… أخبرني… أنه يريد أن يدخل شريكا معك… في كل شيء"
- " يدخل شريكا؟"
- " نعم … شريك في كل شيء… حتى في نتائج الأبحاث"
-  " فقط"
- " فقط!… ماذا تقصدين؟ "
- " هل يريد شيئا آخر؟ "
- " الحقيقة… أن الرجل… كان صريحا معي… أخبرني أنه قدَّم الأفكار لمؤسسة مختصة… في دراسة الجدوى الاستثمارية… وبعد دراسة كاملة… كانت التوصيات… تؤكد على أن الشراكة معك… تمثل عملا دعائيا لشركاته… لذلك… هو يريد الشراكة… في كل شيء… ما رأيك في ذلك ؟"
- "  ممتاز… رائع؟"
- " أليس لديك مشكلة في ذلك؟ "
- " مشكلة؟… ولم المشكلة؟ "
- " يريد الصعود على حسابك"
- " مشكلتي الحقيقية يا كامل… تتمحور حول… وجود أناس يُعانون… يُقتلون بخناجر الإدمان… كل لحظة… هذه مشكلتي الحقيقية"
- " أوه يا نورة… كم تعجبني إنسانيتك… وإيمانك بمبادئ مهنتك… أنت بالفعل… طبيبة"
- " شهادتك لي تسعدني كثيرا… ولكن… قل لي… من يكون… الممون… أريد تفصيلات أكثر عنه… أريد أن أتأكد… من كونه عازماً على تموين المشروع… حتى نهايته… وبعد نجاح أبحاثي… لا تهمني الأموال… هناك مرضي يتألمون"
- "وهناك جائزة نوبل"
- "وهناك جائزة نوبل… أرجو أن يحالفنا التوفيق"





الفصل الثاني عشر

1- حقيبة كوثر
يحرك الفأرة بهدوء… وينتقل بين أيقونات مخفيّة… يفتحها برقم سري… ثم يدخل… ويتصفح رسائل بالإنجليزية… ثم يرد عليها بحرص وحذر… استمر على هذه الحال… قرابة الساعتين.
اقفل أشرف الموقع… وعاد ليتصفح مواقع عربية… أغلبها تتحدث عن قضايا فقهية… أو فكرية… استمر الحال ساعتين أخريين… بعدها… قام أشرف… كان الوقت قد قارب العشاء… لبس الزي الخاص بالمسجد… وخرج.
بعد انقضاء الصلاة… خرج أشرف من المسجد… وسار متجها إلى إحدى الجمعيات الخيرية… لم تكن الجمعية بعيدة… لقد سار إليها مشيا على الأقدام… وصل إليها… وأدهشه أن رأى عند بوابة الجمعية… عددا من الفقراء… مصطفون في طابور ليس بالطويل.
سار اشرف بهدوء… دخل من الباب الجانبي… وألقى نظره مبتسما… لأولئك الفقراء.
وفي الداخل… أسعده أن رأى صلاح وأمجاد… ألقى السلام… وجلس على أحد المقاعد… كان صلاح مشغولا بتوزيع عبوات إعاشة… لعدد من الأسماء المدونة أمامه… وكانت أمجاد تقوم بتغليف العبوات… وتناولها له.
لم يطل الوقت… انقضت عبوات الإعاشة… وبدأ الفقراء في الدعاء والثناء… على من قام بالتوزيع… وجاءت أمجاد في سعادة… وألقت التحية على أشرف… رد أشرف التحية… دون أن يمد يده أو يقف… وأقبل صلاح من هناك… وقف أشرف… وصافحه.
ومن هناك… جاء العم درويش… حارس الجمعية… كان في يده طبقا يحوي ثلاثة من أكواب الشاي… وضع الطبق أمامهم… وانصرف… مد أشرف يده وهو يقول:
-      " أحلى شاي في العالم… شاي العم درويش"
قال صلاح:
-      " لو كان لك خطيبة… يا صاحبي… لما قلت هذا الكلام"
-      " ولم؟… وهل ستغار الخطيبة من العم درويش"
-      " ربما"
انفلتت الضحكات لهذه النكتة… إلاّ إن ثمة معانٍ أعمق… لهذه النكتة… انقدحت في ذهن أمجاد… بيد إنها آثرت تجاهلها بالكلية.
استمر الحديث الودي… يسير في مساربه… ثم انتقل… إلى حديث حول عدد من المشروعات الخيرية… التي ستقام في أرياف الصعيد.
بعد وقت ليس بالقصير… جاءت كوثر… طرقت الباب… دخلت… كانت تحمل في يدها حقيبة جلدية… ألقت السلام… وجلست… بدا وأنها مستعجلة بعض الشيء… فتحت حقيبتها… وأخرجت عددا من الأوراق.
وبعد أن دققت النظر فيها… قالت:
-      " أرجوكم… ركزوا معي قيلا"
انتبه الجميع… لما بين يدي كوثر… في حين بدأت في عرض ما تحويه التقارير… التي أمامها… قالت:
-   " لقد وجدنا فرصة جيدة… إنه تعاون بين بعض الجهات الجهادية… في فلسطين… وبين بعض رجال الأعمال… المستقلين… في عدد من دول الخليج… قالت أمجاد:
-      " ما طبيعة التعاون؟"
قالت كوثر… وهي تنظر إليها:
-   " المشكلة الآن… تكمن في تجريف الأراضي الزراعية… داخل فلسطين… ليس هناك حل… آلاف الهكتارات… تُجرّف… في قريتنا… قريتنا فقط… جرّف فيها… قرابة الخمسين دنما… جرفت… نعم… وآلاف الدنمات من القرى المجاورة… لقد قطعت أشجار الزيتون… وهدمت الآبار… والبيوت… البيوت… يُلزم المحتل… سكانها… المغادرة… خلال عشر ساعات… وبعدها… تبدأ الجرافات في هدم المنازل… على من بداخله… لا طريق سوى الجهاد… طريق السلام لم يوصل لشيء… لأنك تسالمه… وأنت في بطنه… مستحيل أن تنجو… ولكنك عندما تقطع أمعاءة… ربما خرجت".
قال صلاح:
-      " أنت منفعلة جدا… اهدئي قليلا… أعرف ما يهدئك"
رفع صلاح صوته مناديا :
-      " يا عم درويش"
جاء العم درويش على عجل… وقال له صلاح :
-   " لو تكرمت… في أسرع من لمح البصر… أحضر أربعة أكواب عرق سوس… من محل العصير المجاور… وخذ جنيه على شانك"
تناول العم درويش النقود وهو يقول:
-      " ربنا يكرمك"
قالت أمجاد:
-      " وما الجديد أيضا؟"
أكملت كوثر في انفعال:
-      "خبر رهيب… إنها الآنسة راشيل كوري… الفتاة الأمريكية… التي جاءت للتضامن مع حقوق الفلسطينيين… وجاءت لتساعد العالم… في رؤية ما يصنعه الإسرائيليون"
-      " نعم… لقد سمعت عنها كثيرا… إنها أمريكية… جاءت لفلسطين… مع ثمانية من زملائها… من حركة التضامن الدولية… خمسة أمريكيين… وثلاثة بريطانيين… أليس كذلك؟".  
-      " نعم… هي؟" 
-      " ماذا بها؟"
-      " لقد قتلت اليوم"
-      " ماذا؟… قتلت!… على يد من؟"
-      "على يد الصهاينة"
-      " كيف؟"
-   " في حي السلام… المجاور للشريط الحدودي مع مصر… جنوب مدينة رفح… كانت أحدى الجرافات الصهيونية… قادمة لهدم أحد المنازل… إنه منزل لأسرة مكونة من ثلاثة أطفال أيتام… وأمهم… وجدّتهم المشلولة… وقفت الآنسة كوري أمام الجرافة… وبدأت تتحدث بغضب مع قائد الدبابة… كانت تطلب منه التوقف عن هذه الجرائم… وعن هدم منازل الأبرياء… واغتصاب حقوقهم… لم يستطع سائق الجرافة التقدم… لأنها جلست أمامه… وكلما أراد أن ينتقل لجهة أخرى… تحركت لتكون في طريق الجرافة… وأخيرا… تقدم نحوها… ثم"
انفجرت كوثر باكية… ضمتها أمجاد لصدرها وهي تقول:
-      " ثم ماذا؟ "
قالت كوثر بتأثر:
-      " ثم… دهستها… دهستها الجرافة… وماتت" 
عم الصمت لدقائق… وقطعه مجيء العم درويش وهو يقول :
-      " أحلى كاسات عرق سوس لأحلى ناس"
وضع العم درويش الكاسات… واستأنف صلاح الحديث بقوله:
-      " وما الجديد لديك أيضا؟… ماذا يمكننا أن نفعل الآن؟ "
كفكفت كوثر دموعها… وقالت:
-   " في زيارتي الأخيرة لغزة… التقيت أهلي هناك… ولقيت عددا من المجاهدين… من فصائل متعددة… إنهم في حاجة ماسة للسلاح… فقط… هم يريدون الدفاع عن أبنائهم ونسائهم ومنازلهم ومزارعهم"
قال صلاح :
-   " هنا تكمن المشكلة… لا يمكن تهريب السلاح لهم… لا يمكن أبد… ثم إن أعمال جمعيتنا… منذ البداية… مهتمة بالأعمال الخيرية… غير المسلحة "
-      " هم لا يريدون السلاح… وهم يريدون….."
توقفت كوثر عن الحديث… ونظرت نحو أشرف… كأنها تذكرت شيئا… صمتت قليلا… وبدأت تلمح بتلميحات غامضة… بيد أن صلاح كان أكثر جرأة… وقال:
- " نعم… هم يريدون إدخال بعض التقنيات… التي من خلالها يمكنهم تصنيع الأسلحة… والتي يمكن أن تضع حد لهذا الطغيان المستشري… وبما أن المسألة سرية لحد كبير".
نظر صلاح لأشرف… وأكمل:
-   " أخي أشرف… لقد تعرفنا عليك منذ زمن قصير… بيد أن محبتك تزداد في قلوبنا… مع كل لحظة نقضيها معك… لقد وجدنا فيك الصدق والتواضع والسماحة… وحب الخير… الحقيقة… أن ثمة ظروف صعبة… داخل غزة… وهناك مجاهدون… أو… أناس يرون أن العمل الجهادي… الجها… هو الحل الوحيد "
قال أشرف في دهشة:
-      " عمل جهادي"











2- باب السفارة

يركب سيارته ببطء… عقله لا يبدو معه… يضع المفتاح في مكان التشغيل… ثم يقدحه… ويدور المحرك… وتنطلق السيارة.
دخل أشرف في فكر عميق… إنه لا يريد الدخول في متاهات كهذه… يكفيه العمل جاسوساً ورجل دين… في أن واحد… وماله والجهاد.
أشرف… كان مقتنعا في السابق… أن ما يقوم به الفلسطينيون… مجرد إرهاب… إرهاب وإجرام… بيد أن الإجرام حينها… لا يعني له سوي القوة… الدهاء… الشجاعة.
لكن تقييم أشرف للأمور… بدأ يتغير… قليلا قليلا… هناك قضايا… وهناك أناس يحملون قضايا… وهناك دول تريد الهيمنة… وهناك شعوب مضللة… أديان… متدينون… نضال… جهاد… طلب للشهادة… مفاهيم لم تكن في قاموس أشرف… من قبل… لقد دخلت الآن… ولكنها دخلت في الوقت غير المناسب… وفي المكان غير المناسب… بدأت الهواجس تتسور عليه من كل مكان:
-   "  هل يمكن أن أكون ضعيفا في يوم من الأيام… أمام كل هذه المفاهيم؟… هل يمكن لي… أن أسلمِّ بها… ولكن…لا… لا… المصلحة فوق كل شيء… بالتأكيد… عليّ أن أكمل الطريق… إلى أخره… إنها سنوات معدودة… وتنتهي هذه المهمة الملعونة… وأعود لأمريكا… وأعيش… بعيدا عن شبح الإعدام… والمطاردة… والفقر… يجب أن لا يكون لتلك المفاهيم… أي قيمة أو وزن… ويجب أن أعرفها… كمفاهيم مجردة… أرددها حال الحاجة إليها… فقط… دون زيادة أو نقص"
لاحت في ذهن أشرف… صورة أمجاد… ويا لها من صورة… كم عرف أشرف من فتيات… ومن نساء… ولكن… هذه المرأة… تختلف… سأل نفسه:
-   " هل يحق لي… أن أفكر بهذه الطريقة… زواج من شرقية… مصرية… جميلة… أصيلة… ولكن… هذه ليست امرأة عادية… أنها تحمل قضية… وترى أنها مناضلة… ولها مبادئ… ومتدينة… لم هذا التحدي الصعب؟… علي أن أتناساها… أن أتجاهلها… أن تكون علاقتي بها… في إطار مصلحتي… ومصلحتي فقط"
وقفت السيارة… نزل أشرف… امتطى قدميه مسافة… ثم تخفّى… كي يبدو بحلة أخري… بعدها… تقدم لباب السفارة… وقدم هويته… ودخل… كان في الداخل اجتماعا معدا… بين أشرف… وبين عدد من المسئولين الأمريكيين… وكان هناك خطط… وأفكار جديدة.
بقي الاجتماع مغلقا… ساعتين… استمع خلالهما أشرف… لتوصيات ثلاثة من ضباط البنتاقون… واثنين من علماء النفس… لقد عرف أشرف أن هذا الاجتماع… من أجل اختبار التغيرات التي طرأت على شخصيته… بيد إنه كان أكثر ثباتا… وبدا منسجما مع المهمة… التي أوكلت إليه… خاصة بعد أن تحدث عن حقيقة الجماعات الإسلامية… المتضامنة مع (الإرهابيين) الفلسطينين… وكيف أنهم يجمعون الأموال… لدعم الأعمال الإرهابية… التي تقام ضد (الأبريا)… من الإسرائيليين… وأكد… أنه على استعداد كامل… للتعاون من أجل فضح كل المخططات… ذات الطابع الإسلامي… وأكد أنه يزداد كرها لتلك المبادئ الجامدة… التي يعتقدها المسلمون.
انتهت المقابلة… واستلم اشرف حقيبة صغيرة… فيها العديد من الأوراق… والأجهزة الصغيرة… وأقراص كمبيوتر… وطلبوا منه أن يتعامل معها بكامل السرية… وأخبروه… أن عملية كبيرة… عليه أن يستعد لها… وستكشف له تفاصيلها في اللاحق.





3- بريد مرعب

خرج من المطبخ… في يده طبق يحوي إبريق الشاي… وفنجان… جلس على مكتبه… أمام جهاز الكمبيوتر… فتح الجهاز… ثم فتح بريده الإلكتروني… وعلى الصفحة… طالعه عنوان بارز يتوهج… كان مفاده:
 - " يتم التنفيذ فورا"
فتح أشرف الرسالة بتوتر… وجد العبارة التالية:
- " تتلف جميع الأشياء… التي تتعلق بمهمتك… تتلفها جميعا… وتتجه للمطار… الساعة السابعة… بتوقيت القاهرة… هناك… ستجد شخصا ما… بجوار البوابة… بمجرد وقوفك… سيناولك كرت صعود الطائرة… تأخذه… وتتجه لبوابة الصعود المدونة… وتصعد… ستتجه الطائرة إلى دبي… ستنزل هناك… وستبقي أسبوعا في دبي… بعدها… عليك أن تتابع البريد الإلكتروني يوميا… سيتم تحديد الوجهة التالية لك… عليك أن تدرك أن المرحلة الحاسمة قد بدأت".
أغلق أشرف الصفحة… ثم أغلق الجهاز… ودخل في تفكير عميق… وزفر زفرة طويلة… مد يده ليرفع كأس الشاي… رشف منه رشفة صغيرة… ثم أعاده… وفتح ملف الصوتيات… وشغل أغنية ( أم النبي)… وأعاد ظهره للخلف… مسترخيا.

الفصل الثالث عشر
1- كامل ونورة… في المطار
يمد يده بثقة… للأمام… وتمد المضيفة يدها… وتتناول أوراق صعود الطائرة… ثم تبتسم… فيما بدا أنه إعجاب منها بمن أمامها… وتقول:
- "الدرجة الأولى… تفضل"
يتناول كامل الأوراق ثانية… ثم يمد يده للأمام… ليقدم زوجته نورة للدخول.
تدخل نوره… في هدوء… تواصل السير… خطوات… ويتبعها كامل… وهو يسحب الحقيبة… ذات العجلات… والصغيرة بعض الشيء… ثم يمد يده الأخرى… ليمسك بكتف جمال.
خلال الدقائق المملة… التي دائما ما تمر ثقيلة… قبل إقلاع الطائرة… كان كامل يقلب في أوراق الدكتورة نوره… في حين كانت الدكتورة نوره… تقرأ في كتاب أجنبي… يتحدث عن تضاريس أفغانستان وباكستان… ويعرض حقائق حول المناخ والزراعة والموارد الاقتصادية.





2- حوار في السماء

أقلعت الطائرة في صمت… كل القلوب… تنبض بدقات مدهشة… لا تستطيع الأفواه ترجمتها… أبدا… هكذا يوحي صعود الطائرة… لكل حي… مهما تجاهل ذلك… ولكن القاسم المشترك… للجميع… هو القلق الخفي.
وبعد أن استوت الطائرة… على ارتفاع ( 15000 ) قدم… قال جمال:
- "الطائرة اختراع مذهل… عندما أكبر… سأكون طياراً"
قال كامل مداعباً:
- "أوه… طموحك رائع… الطيار لا يقل راتبه عن 30 ألفاً "
- "أبي… أنا لا أهتم بالمال… أنت وأمي ستتركان لي… أموالاً كثيرة… بعد حصول أمي على جائزة نوبل"
نظر كامل إلي نوره… بشيء من الدهشة… وقال:
- "هل سمعت ما قال جمال؟"
أجابت في (بلاهة):
- "لا… آى… كنت مشغولة بالقراءة… وماذا قال؟"
- "لا… لا… لم يقل شيئا"
أكملت الدكتورة نوره… لتشعرهم أنها متابعة جيدة… لما يقال:
- "هل تتصور يا كامل… أن جدولنا سيسير كما هو مخطط له؟"
- "بالطبع… كل شيء بالمسطرة… يومين سنقضيهما… في باكستان… سنجعلهما بمثابة الاستعداد النفسي… للمهمة الصعبة… وفي اليوم الثالث… سنتجه لأفغانستان"   
- "الحياة ستكون صعبة في أفغانستان"
- "لا يا حبيبتي… الحياة لن تكون صعبة… ولكن… "
- "ولكن ماذا؟"
- "البشر هناك… البشر هم من سيكون أشد صعوبة"
- "لا يبدو ذلك… أتصور أنهم أناس بسطاء… وطيبون"
- "لا… لا… لا تقولي ذلك… أنت بالذات… يجب الاّ تقولي ذلك"
- "لماذا أنا بالذات؟"
- "لأنك يا حبيبتي… عشتِ في أمريكا… رأيتِ الحضارة والرقي… رأيتِ الإنسانية بأكمل صورها… الإنسانية الصادقة… المتحلية بثياب الحرية والديمقراطية"
- "لا يا كامل… من خلال قراءتي في هذا الكتاب… بدا لي أن الشعب الأفغاني… شعب بسيط وطيب"
- " أوه يا دكتورة… رجعت للكتاب… كعادتك دائما… تصدقين الكتب… أكثر مما تصدقينني… ولكن لا حيلة… سأعود أنا لكتابك… ناوليني الكتاب"
ابتسمت نورة… مدت الكتاب لكامل… في حين تناوله كامل… وبدأ يقلب صفحاته… ثم قال:
- " انظري… انظري إلى هذه الجبال الشاهقة… في الصورة… كم هي مذهلة… ومرعبة؟… أليس كذلك؟"
نظرت نوره للصورة… ثم قالت:
- "تورا بورا… نعم… وعرة جداً".
- " وهكذا تَصنع الحياة… طباع أهلها… أنا مختص في علم الاجتماع… الطبيعة البيئية… هي إحدى الركائز التي تصنع الطبائع"
- "ولكنهم عانوا كثيراً… سُحقوا تحت أقدم الحياة الصعبة"
- "أنت عاطفية أكثر من اللازم… حبيبتي… من يسحق التماثيل العريقة… تماثيل الحضارة والتاريخ… باميال… التي تُعد موروثا بشريا مطنباً في جذور الزمن… بالتأكيد… من يفعل ذلك… لا يملك شيئا من الرحمة… المفطورة في قلوب البشر… حين ولادتهم… إنهم أشداء… صِلاب… كجلمود صخر حطه السيل من علٍ"
- "مكرّ مفر مقبل مدبر معاً"
- "هـ… هـ… هـ"
قال جمال وهو يتابع الحديث الدائر:
- "أبي؟"
- "أوه… أنت هنا… ماذا تريد؟"
- "أنا أعرف لماذا تكره الأفغان"
- "أنا لا أكرههم… ولكني أستاء من طريقتهم في التفكير "
- " بل تكرههم… أنا أعرف ذلك"
- " ولماذا أكرههم يا أستاذ جمال؟"
- "لأن لهم لحى طويلة… أنت لا تحب اللحى الطويلة… أليس كذلك؟"
ابتسمت نوره في تأمل… في حين قطب كامل حبينه وقال:
- "لحى طويلة؟… غريب؟… كنت أتوقع منك معلومة مفيدة… وما دخل اللحى الطويلة"
- "أنت لم تَصْدُقني… ولكن سأثبت لك"
- "هيا… أثبت لي "
- "أنت شاهدت صورة في التلفاز… لرجل أفغاني فقلت: ( ما أبشعه… أنظري يا نوره للحيته)… أليس كذلك؟"
قالت نوره وهي تبتسم:
- "ماذا لو حلق الأفغان لحاهم… هل ستحبهم يا كامل؟"
- "أوه… صدقوني… أنتم في واد وأنا في واد آخر… المشكلة في عقولهم… لا في لحاهم… إنهم يفكرون بصلابة… بعنف… قلوبهم قاسية"
اقتربت نوره من إذن كامل… وقالت في همس:
- "أنا في هذه المرة… اقتنعت برأي جمال "
نظر إليها كامل في استفزاز وحيرة… وشد على أسنانه… ولم ينبس ببنت شفة.





3- مطار باكستان

ورقة بيضاء… مستطيلة… بأبعاد (20×30)… كتب عليها باللغة العربية:
(الدكتور كامل… الدكتورة نورة).
يحمل الورقة… شاب في الثلاثين من العمر… ويلبس الزِّي (الفرنجي)… في حين كان الناس حوله… يلبسون الزي الباكستاني… بتصاميمه الواسعة.
أقبل الدكتور كامل… من هناك… قرأ الورقة… في بهجة… وحرك (الكرفتة) الحمراء… في عنقه… بدقة… جيئة وذهابا… ثم عدَّل الياقة… ووزن طرفي (الجاكيت)… ثم نظر مبسماًَ… للدكتورة نوره… وقال:
- "ها هو صاحبنا… ينتظر"
بدت الدكتورة نوره… هادئة وقورة… سحبت غطاء رأسها… قليلا لتغطي ما أنحسر عنه… من شعرها الكستنائي… ثم سحبت فستاناها… من منتصفة… لأسفل… قليلا… ورفعت حقيبتها الجلدية… لتضعها على عاتقها… ثم تقدمت في المشي.
سار كامل جوارها… في ثقة واعتزاز… وسار جمال… ممسكا يد والده… وعند وصولهم للشخص الذي يحمل الورقة… مد كامل يده مصافحاً… وقدم نفسه قائلا:
- " أنا الدكتور كامل"
ابتسم الشخص… وأنزل الورقة… جانباً… ثم مد يده مصافحاً… للدكتور… ثم الدكتورة… وقال باللغة العربية:
- " أهلا وسهلا… أنا (محمد عمار)… مندوب من الشركة… لاستقبالكم… ستكونون في ضيافتنا الليلة… في أرقي فنادق إسلام أباد… وغداً… ستقابلون الدكتور (صوت الهدى)… المدير العام لفروع الشركة في باكستان… إنه مكلف شخصياً… للعناية بموضوعكم.
قطبت الدكتورة نورة… جبينها في شيء من التوتر… في حين ابتسم الدكتور كامل قائلاً:
- " شكراً شكراً… بقيت الحقائب… من سيحضر الحقائب"
- " أطمئن… هناك شخص سيستلم الحقائب… وسيذهب بها للفندق… أنتم ستتفضلون معي مباشرة… لو سمحت… ناولني الجوازات… وتفضوا… سيكون لكما معاملة خاصة".





4- إلى الفندق

سيارة الـ (BMW) تنطلق عبر الطريق السريع… من مطار إسلام أباد الدولي… جهة حي (تياهان شاه)… وهو من أرقى الأحياء… (شمال) المدينة.
 الدكتور كامل… وزوجته… وجمال… في المقعد الخلفي… والسائق… وبجواره محمد عمار… في الأمام… أمالت الدكتورة نوره رأسها جهة زوجها… وقالت:
- "أليس السيد هاشم حسين… في إسلام أباد… هذه الأيام؟"
- "بلى… لقد قال لي ذلك بنفسه"
قالت وهي تشيح بوجهها في ضجر:
- " كنت أتوقع أن يستقبلنا شخصيا… أليس من الواجب أن يفعل ذلك؟ "
- "لا تُدقِّقي في الأمر يا حبيبتي"
- " ولكن… هناك أصول… الأصول يجب أن تتبع… واستقباله لنا يعني الكثير… أليس مهتما بالموضوع؟"
قال محمد عمار… وقد بدا أنه فهم ما يدور في الخلف:
- "أعزائي… هذه الليلة ستأخذون قسطاً كافياً من الراحة… في الفندق طبعا… وغداً… ستقابلون الدكتور صوت الهدى… المدير العام لفروع الشركة… في باكستان… سيتم ترتيب كل شيء… مع خبراء الشركة… لا تقلقوا… السيد هاشم حسين مسافر… أعرف… من الواجب أن يستقبلكم هو شخصياً… الواقع… إن الترتيبات… كانت ستسير… في هذا الاتجاه… بادئ الأمر… ولكنَّ أحد فروع الشركة في قبرص… تعرض لمشاكل… استدعت ذهابه لحلها… بعد غد سيكون هنا".
قال كامل:
- "لا أبداً… أنتم في مقام السيد هاشم "





5- غرفة جمال

انقضى الوقت بسرعة… وها هي السيارة… تقف… لينزل محمد عمار… ويفتح الباب باحترام… ثم ينزل الدكتور كامل… وتنزل زوجته… بعد أن فتحت الباب الخاص بها… وانتظرت نزول جمال… الذي كبس النوم على جفنيه… منذ قليل.
كل شيء يسير بطريقة أنيقة… تنقّل كامل وزوجته وابنهما… بين ردهات الفندق… وجدوا أنفسهم أخيرا… في الجناح الخاص بهم.
جميع تكاليف السكن… دُفعت مقدماً… من قبل شركة السيد هاشم حسن… أغلق كامل الباب… ثم سار الثلاثة في جولة تفقدية… لأرجاء الجناح… غرفتان… اختار كامل أحداهما لجمال… وقال:    
-       " هذه غرفتك "
-       " ولماذا تأخذان الغرفة الأكبر"
-       " لأننا اثنان يا شاطر!"
اتجهت نوره للنافذة… فتحت الستارة… بدت إطلالةً جميلة… على ممر رائع… تفصل بينه وبين الفندق… حديقة مليئة بالأشجار الآسيوية الرائعة… إنها من ملحقات الفندق… قالت نوره:
- " هذا المنظر ساحر يا جمال "
- " أنتما تعرفان جيدا… أن هذه الغرفة لن تناسبني أبدا"
انحنى كامل نحو ابنه… قال في اهتمام:
-       " لماذا يا بني؟"
-       " طرازٌ شرقيٌّ… غبي… كل شيء يرجعني للوراء… ما هذه الأقواس والنقوش… حقاً… إنها تصاميم ميتة "
نظر كامل لزوجه في دهشة… ثم قال:
- " أنت تقارنها بغرفتك في منزلنا؟"
ابتسمت نوره وقالت:
- " الطراز الشرقي… يذكرك بشيء من العراقة "
قال جمال:
- "لا عراقة مع المدنية… أبدا… المدينة أشبه بالموجه… التي طفحت على ساحل العراقة… فطمست معالمة… وأكسبته بصمة أخرى… المدنية الحديثة… في أمريكا جعلت كل بصمات الحضارة… أشبه برمال ممسوحة المعالم "
حك كامل ذقنه في حيرة… وقال وهو يستعد للجلوس… على مقعد جلدي داكن:
-       " أنت إذن لا تشعر بالسعادة هنا"
 لم يجب جمال… وإنما اكتفي بالنظر في الجدار… أكمل كامل:
-       " لا يا بنى… السعادة تأتي دائماً مع التغيير… الرتابة وحدها… هي ما يشعر الإنسان بالملل"
- " التغيير إنما يكون للأفضل… يا والدي… وليس للأقل… أنت تقول ذلك دائما… لقد حفظته عنك "
قالت نوره:
- " لا يا جمال… التغيير… هو الانتقال لشيء آخر… تنتقل إليه… كي تتعرف عليه… كي تكشف وجوه الاتفاق والاختلاف… بينه وبين ما تعرفه… التغيير يعطيك انطباعات أصدق… عن الأشياء من حولك "
هز جمال رأسه… في حين أمسك كامل يد نوره… واتجها لغرفتهما.





6- معادلات

تشرق الشمس… بهدوء… لتَدخل أشعتُها… عبر النافدة الكبيرة… وترتمي… في منتصف الغرفة… وترسم مستطيلاً… من الضوء… على السجاد السماوي… المنقوش بألوان زاهية.
هذا هو اليوم الرابع… لوصول كامل وعائلته… إلى إسلام أباد… لقد قضوا الأيام الثلاثة السابقة… في التنزه… وزيارة المعالم الرائعة… في هذه المدينة… وقد استمتعوا أيما استمتاع.
ها هي هناك… الدكتورة نورة… ترفع فنجان القهوة… وترتشف منه رشفة طويلة… ثم تعيده مكانة… وتقلب صفحة أخرى من الكتاب الذي أمامها… ثم ترفع القلم… وتدون أرقاماً وحروفاً… بدت وكأنها معادلات كيميائية… لروابط ثنائية… بين ذرّات الكربون… وذرات الهيدروجين والأكسجين.
استمر الحال رتيباً… تتدحرج معه عقارب الساعة… وتتدحرج… وتتدحرج… حتى استقرت على العاشرة… وعندما خرج كامل من غرفته… مرتدياً قميصاً أبيضاً مقلماً… نظر إلى نورة… وهي على حالها ذاك… ثم ابتسم… وأردف بقوله:
- " يا لك من أسطورة… في عالم العلم والمعرفة… هل استيقظت باكراً هذا اليوم "
ابتسمت نوره… وقالت:
- " وشربت القهوة وحدي "
تقدم كامل… حتى وقف (على رأسها)… ثم قلَّب طَرْفه في الصفحات المفتوحة أمامها… ثم أمال رأسه ليطبع على وخدها قبلة.
ابتسمت في لباقة… وقالت:
- " قبلتك تمنحني المزيد من الطاقة "
- " نعم… إنها مليئة بالمركبات الكيميائية… هـ… هـ…هـ "
- " لا… لا… أنا لا أحتاج للمركبات… بقدر ما أحتاج… لمعادلات موزونة "
- " وزن المعادلات… نعم… نعم… لقد تذكرت… وزن المعادلات… هو أسوأ شيء يمكن لمعلم الكيمياء… أن يطلبه من تلاميذه "
- " هـ… هـ… هـ…"
تقدم كامل… نحو الجهة المقابلة… وجلس على مقعد مقابل لمقعد نوره… وحمل التليفون… وأجرى أربعة اتصالات… استغرقت الاتصالات الأربعة… قرابة العشر دقائق.
وبعد أن أقفل السماعة… سُمع طرق على الباب… قام كامل… وفتح الباب… وبدت ابتسامة النادل… التابع لمطعم الفندق… مستعرضة على وجهه… وبدى طبق في يده… يحوى فنجانين من القهوة… ووعاء صغير… للسكر… وتبدو الملعقة الذهبية الصغيرة… بارزة من طرفه.
ابتسم كامل… وتناول الطبق… وعاد ليضعه على الطاولة… ثم حمل قدحا… ومده لنوره… ثم جلس بهدوء… وتناول فنجانا… وارتشف منه رشفه صغيرة… ثم قال:
-      " اتصالاتي للتو كانت ناجحة "
-      " صحيح؟"
-      "نعم… صحيح"
-      " إذن قل لي… متى سنتجه لكابول؟ "
-      " كابول… واقترب الوعد… الحق… غداً… وغداً… سيكون كل شيءٍ معد… وغداً… لناظره قريب… هناك سكن خاص… في انتظارنا… وسيارة جيب… وسائق "
-      " والعمل؟ "
-      " اطمئني… لقد تم شحن كامل الأدوات… التي طلبتها… إلى كابول"
-      " والمعمل؟"
- " نعم… المعمل… المعمل جاهز الآن… لقد تم إعداده في إحدى الغرف المنزوية… شيئا ما… داخل المنزل المعد… لنا هناك… وبالمناسبة… المنزل هو في الحقيقة… أشبه بقصر… له حديقة كبيرة… وحراسه… إنه سكن خاص بالسيد هاشم حسين شخصياً "
-" أنت رائع يا كامل… رائع… لقد قمت بالكثير من أجلى "
-" لا… لا… لا عليك… هذا قليل من أجل هدفك السامي "
-" السيد هاشم حسن… نعمة عظيمة… ولكن! "
-" ولكن!؟… أوه… أعلم… أنت لا زلت غاضبة… من كونه لم يستقبلنا… مع أنه ابن بلدنا… وهو أيضا مستفيد من الأبحاث"
-" ربما… شيء نفسي "
-" سأخبرك بالمفاجأة الرائعة "
-" مفاجأة "
- " نعم مفاجأة… وتتعلق بهاشم حسن أيضا"
- " قل لي… ما هي؟"
هاشم حسن… سيقابلنا… عصر هذا اليوم… وسيصحبنا للنزهة… في بعض أنحاء إسلام أباد… لقد أخذت موعداً بذلك… من مدير أعماله هنا… صدقيني… هاشم رجل متواضع"
- " رائع… إذن سنقضى هذا اليوم… في النزهة "
- " نعم… في صحبة هاشم حسن"
- " وغداً ستكون وجهتنا للهند… نزهة في نيودلهي"
- " صحيح؟"
- بالطبع… سنبقى هناك أسبوعا… بعده ننطلق لأفغانستان… كابول"





الفصل الرابع عشر

1- على مقعد طائرة
مشاعر جميلة… يشعر بها ركّاب الطائرة… وهم يسمعون النداء… الذي يخبر… بأن طائرتهم ستهبط بعد قليل… في مطار دبي.
إلا أن أشرف… الجالس في أحد مقاعد الدرجة الأولى… لم يأبه كثيرا… لهذا الحدث… إنه يفكر في المستقبل… بطولة وعرضه… شيء غريب لاح في ذهنه… لاح له للتو… تساءل في نفسه:
-   " كم سأكون سعيدا… لو أني عشت في مصر… من بداية حياتي… لو أن أمي… لم تسافر مع ابن عمها… إلى أمريكا… مع بداية زواجها… وحين مات ابن عمها… هناك… عاشت وحيدة… تعاني الأمرين… وتزوجت من مصري آخر… أنجبتني منه… ثم ذهب… وتركها… وترعرعت بداية سنين حياتي… طفلا يتيم الأب… له أم كادحة… مثقلة بهموم جمع المال… تنتمي إلى الشرق بكل كيانها… بيد أنها لا تستطيع العودة له.
وأنا… تعلمت قليلاً… في بداية سنوات طفولتي… ثم… تركت المدرسة… وانتقلت للعمل… في بيع الصحف… ثم بيع الألبان… ثم عاملا في مصنع أحذية… ثم تركتُ أمي… وسافرت إلى نيويورك… وانقطعت أخباري عنها… وانقطعت أخبارها عني… تعلمت السرقة… والتحايل… ثم تدرجت في درجات الإجرام… وانتقلت من مجرم صغير… يعيش على ما يسرقه في خفاء… إلى مجرم محترف… يجيد فنون القتال.
لم أكتف بذلك… كان لي طموح أكبر… لذا… بدأت التدرُّب… في عدد من الأندية المختصة… بالفنون القتالية… ومع الوقت… اصبحت مجرما متكامل القدرات… وأصبحت مدرسا للعمليات الإجرامية… أخطط لها باحتراف باهر… ولكن… في النهاية… وقعت… وحكم على بالإعدام.
وبأعجوبة… خرجت… ولكن… خرجت… لأنفذ مهمة قذرة… أو نبيلة… لا أدري… ولكنها لصالح الوطن… أو هكذا قيل لي… بيد أنها بالفعل… في صالحي… حيث سأحصل من خلالها… على الحرية… والمال… في مقابل العمل جاسوساً… هـ هـ هـ.
الشيء الذي لم يكن بالحسبان… تلك التغيرات… داخل وجداني… ومشاعري… وداخل عقلي… وانتمائي… علىّ لكي أنجح في مهمتي… أن أقرأ الكثير عن الإسلام… والقرآن… والنبي… كي أنجح جاسوسا… بيد أنه من الصعب… على من يقرأ الكثير عن الإسلام… ألا يتأثر به… ومن الصعب عليه… أن يغض النظر… عن المقدار الذي تأثر به… بالفعل… أعترف… لقد تأثرت "
توقفت الطائرة… وبدأت نغمات أجهزة المحمول… هنا وهناك… ونزل الجميع.
لم يطل الوقت… ها هو أشرف… يركب سيارة التاكسي… ويتجه للفندق… الذي حدد له مسبقاً… دخل الفندق… وفي البهو… هناك… بدا رجلا متدينا… ومن المهم أن يبدو كذلك… ركب المصعد… ودخل غرفته… وجد فتاة تنتظره… الأمور تسير كما أعد مسبقا.
الجديد في الأمر… أن أشرف… حين وقعت عينه على الفتاة… الشقراء… تذكر أمجاد… ولكنه تجاهلها… لقد عرف أن هذه مكيدة… نصبت له… لقد دبر هذا الأمر… كي  يرى من يعمل لحسابهم… مدى تأثره بمبادئ الإسلام… دخل أشرف في جوه الخاص… مع فتاته.

2- لمكان آخر
مرت أيام ثلاثة… منذ مجيء أشرف… إلى دبي… لقد وجد جوا مزدحماً… مكتظا بكل شيء… استأجر سيارة… وذهب لزيارة (أبو ظبي)… حاول أن يستجم قدر المستطاع… لقد جاءته رسالة عبر بريده الإلكتروني… بأن أمامه أيام عصيبة بعض الشيء.
وفي اليوم الرابع… ومع عودة أشرف إلى دبي… وجد نفسه راغبا في الخروج… لتناول العشاء… خارج الفندق… نزل إلى لشارع… كان بالجوار… مطعم إيراني… قصد أشرف المطعم… وجلس.
أقبل النادل… بقائمة الوجبات… تناولها اشرف… وبدأ يطالعها باهتمام… ثم طلب عددا من الأصناف… وبعد انصراف النادل… كان أشرف… يطالع شخصا في آخر زوايا المطعم… أدرك تلقائيا… أن ذلك الشخص… يراقبه… لأنه رآه في اليوم السابق… في مطعم الفندق… ورآه في اليوم الذي  قبله… في أحد المراكز التجارية… وهذا شيء بدهي… فلن يُترك أشرف هنا… دون مراقبة… ولكن… هل يعمل هذا المراقب… لصالح أمريكا… أم لصالح جهة أخري.
لم يكترث أشرف… لوجود هذا الشخص… سيعمل جاهدا وفق التعليمات… ومراقبة هذا الرجل… لن تزيد موقعه إلا قوة.
طالع أشرف يمنه ويسره… ورأي فتاة بدت أوربية… قام وقصدها… واستأذن للجلوس… وجلس… وفتح معها عددا من الأحاديث.
وفي طريق عودته للفندق… دخل مقهى انترنت… وتصفح البريد الإلكتروني… ووجد انقباضا بعض الشيء… من أحدي الرسائل… قرأها… كان فيها:
(غدا… الساعة الثالثة عصرا… تتجه للمطار… ستجد شخصا يستقبلك… أمام بوابة المطار… سيقصدك… وسيعطيك كرت صعود الطائرة… المتجهة إلى إسلام أباد… بمجرد وصولك إسلام أباد… تستقل سيارة تاكسي… وتذهب لأقرب مقهى انترنت… وتتصفح بريدك… وتتبع الخطوات التي ستجدها مدونة في الرسالة).
أغمض أشرف عينيه… ودخل في دوامة من الأفكار… ثم انتبه لنفسه… وأغلق بريده الإلكتروني… وانصرف.





الفصل الخامس عشر

1- ملاهي دلهي
  الدولاب العملاق…. المرتفع في السماء… تدور عجلته… بسرعة هائلة… ولكن سرعته… لا تصل لحد سقوط أحد من أولئك المعلقين في كراسيهم عليه.
وقطار الموت… لا يجيد إصدار رسالة للدنيا… سوى صراخ من رأو الموت عليه.
وألعاب هنا وهناك… وسفينة هوائية… تروح وتجيء… وكامل واقف… يستصدر تذاكر دخول… له ولزوجته وابنة… هنا ملاهي دلهي العملاقة… إنها أشهر وأعرق… من أن تغيب عن شخص من أولئك المتناثرين في أي زاوية أو زقاق… في مدينة الملايين… دلهي.
نظر كامل لنورة… وقال مبتسما:
-      " سيكون اليوم سعيدا عزيزتي"
-      " بالتأكيد… ما دمنا سويا "
قال كامل بعد أن أدار رأسه جهة جمال :
- " قل لي أنت يا بطل… أي الألعاب تختار"
- " قارب الماء يا أبي"
- " اختيار لا بأس به… ولكن… عليك أن تعلم… أن هناك مغارة… وعليك أن تدخلها"
- وكيف عرفت؟ "
- " أنظر إليها… هناك… ثم إن كل القوارب المائية في عالم الألعاب… لا تخلو من مغارة… ثم… ألم أحذرك من التحقيق معي؟"
-      " أبي… هذا ليس تحقيقا"
-      " أعلم يابني… أعلم… وأسلوبك هذا يعجبني… ولكني أمازحك… أليس كذلك يا دكتورة"
-      " بالطبع… والدك يا جمال… يحاول بناء شخصيتك… بأفضل الطرق"
-      " دائما تقولون… ( نبني شخصيتك… نبني شخصيتك… أنا الذي أبني شخصيتي )"
 نظر كامل لنورة… ابتسم… ولم يتحدث بكلمة.
بدأت الألعاب تأخذ دورها في إسعاد من جاء إلى هنا… بحثا عن السعادة والتسلية… ولم يحرم كامل نفسه… من ركوب قطار الموت… الذي يؤكد أنه مازال لعبته المفضلة… في حين رفضت نورة هذه اللعبة… جملة وتفصيلا:
-      " فلسنا بحاجة لا للرعب… ولا للموت"
وبعد أن نزل كامل من لعبته تلك… وكالمعتاد… نفى أن يكون صرخ… ولو لمرة واحدة… في حين أكد كل من جمال ونورة… صراخه غير المنقطع… وهذا المشهد يتكرر… بعد كل لعبة (قطار موت)… يركبها كامل… حتى أصبح مشهدا مألوفا للعائلة الصغيرة.
 الجميل في هذه الملاهي… وجود متحف للرسم… يبدع فيه الرسامون… في رسم صور الزوار… أو صور أخرى… لمعالم في الهند… أو تقليد بعض الصور… العالمية المشهورة… ويأخذون من بيع تلك الصور… أجرا لا يعد غاليا بالنسبة لعائلة كامل.
اقترحت نورة… دخول هذا القسم… بعد أن قلبت في أوراق الدفتر الملحق… حول ما تحويه هذه المدينة الترفيهية.
لم يرفض كامل… هذا الاقتراح… دخل الثلاثة قسم الرسم… وبقوا فيه مدة ليست بالقصيرة… إنهم متصلبون أمام أول لوحة فنية… ولم يرق الحال لجمال… لذا سأل :
-      " أبي… هل سنطيل البقاء أمام هذه الصور"
-   " أوه… بني… أنت لا تقرأ اللوحات الفنية قراءة فاحصة… إنها تحوي الكثير من الغموض… وتبدو قسمات التراجيديا في أهداب هذه العين المتسائلة"
قالت نورة في انشداد:
_ "هذه ليست عينا… وإنما قارب"
انفجر جمال بضحكة مدوية… وقال:
-   " وأنتما أيضا لا تعرفان قراءة اللوحة… هل هي عين أم قارب؟… أم هي لا شيء… أنا أقول… هي لاشيء… أبي… أعطني ما أشتري به تذاكر لعبة السيارات… هي أفضل من هذه اللوحات "
 مد كامل يده في ذهول لجيبه… وأخرج نقودا… وضعها في يد جمال… وقال:
-      " إذا أنهيت قبلنا… عد إلينا هنا… إذا انتهينا قبلك… سنلقاك في لعبة السيارات "
أخد جمال النقود… وبقي كامل ونورة… يتحدثان عن القارب والعين مدة… ثم انتقلا للوحة أخرى.





الوقت يمضي سعيدا… مع أنه كان صاخبا… وهناك… جوار النافورة الكبيررة… يقف كامل… وينظر بهدوء نحو جمال… وهو هناك منهمك في مصادمة السيارات الأخرى… وأشار له أن يأتي إليهم… بعد انتهاء الجولة… ولكن جمال رفع يدة… وطلب من والده المجيء… جاء كمال… في حين اقترب جمال بسيارته… وقال:



_ " أبي… مازال عندي المزيد من التذاكر… سأواصل اللعب هنا… أين ألقاكم "

_ " نحن ننتظرك إذن في الاستراحة… الني عند المدخل… مقابل الشلال… هل عرفتها "
_ " نعم… نعم"
وانطلق جمال موليا.
في حين أمسك كامل يد نورة… وسارا متجهين ناحية الاستراحة… إلا أن صوت ناي مميز… شدهما للاستماع… قال كامل:
_ " السحرة… هل يعقل… نأتي إلى الهند… ولا نرى السحرة… كنا سنضيع أهم فرصة في حياتنا"
ابتسمت نورة… وقالت:
-      " مع أني لا أحب السحرة… ولا أحب  الإيمان كثيرا بالميتافيزيقا… إنهم يسيئون للعلم "
-      " وما يضيرك أنت… ننظر إليهم وحسب… هذا ما يهمنا"
-      " وماذا في الأمر… هيا بنا إذن "





2- لعبة… كامل والفار

في اليوم التالي… ومع نسمات الصباح الباكر… ها هو كامل… يسير مع زوجته وابنه… لقد دخلوا الساحة الكبيرة.
أنواع وأشكال من العجائب… والتي يمكن وبكل بسهولة… لبلد كالهند… أن تفرزها ثقافته.
سار كامل بانبهار وإعجاب… وخلفه نورة وابنها… يشعران بشيء من الانقباض والامتعاض… وقفوا قليلا… أمام ذلك الرجل… الذي يعزف للثعبان… استمتع كامل بما يرى ويسمع… تقدم قليلا… ووضع عددا من الروبيات… في قبعةٍ أمام عازف الناي… ثم غادر الجميع… ناحية رجل يحيل الأوراق العادية… لنقود… وعندما وضع له كامل عددا من الروبيات… قالت نورة:
-      " لم أعطيته هذا المال"
-      " مسكين… السحر مصدر رزقه "
-      " هـ… هـ… هـ… مصدر رزقه… ولم لا يكون مصدر رزقه… تلك النقود التي يصنعها بسحرة"
-      " هـ… هـ… هـ… أوه… أوه… إنه بالتأكيد… يعتبرها من المال المزور "
ترك الزوجان الساحر الغريب… وذهبا لساحر أغرب.
رجل له زيُّ السندباد… وعمامة علاء الدين… وياقوتة حمراء… معلقة في العمامة… وينادي بأكثر من لغة… وأمامه مجموعة من الفئران… ويزعم أنه ليس بساحر… ولكنة يربي الفئران… تربية شاقة… تحت تأثير مبدأ العصا والجزرة.
ويزعم أن الفئران… أصبحت تلبي الكثير من طلباته… في هذه الأثناء… قالت نورة :
-      " لننصرف الآن "
-      " دعينا نشاهد هذا الساحر"
-      " الكذاب… الدجال "
-      "الدجال الساحر… كما تريدين… المهم أن نشاهده…"
-      "ويكون الأخير… "
-      " نحن منسجمون"
-      " ولكني لم أنسجم لهذا المكان "
-      " هـ… هـ… هـ… بل خفتِ… قولي ذلك "
بدا الساحر يردد… ومن عجائب ما قال:
- " انظروا وانتبهوا… هذا الفأر العجيب… الغريب… يساعدك… يفهم ما تقول… ويدرك ما تريد… مشاعره ترتبط بمشاعرك… مدرب على أعلى درجات التدريب… لو أعطيته قطعة الجبن هذه… وقلت له وهو يأكلها… ( نحن صديقان… تساعدني إن وقعت في مشكلة)… فإنه لن يخذلك أبدا… ليس هذا فحسب… بل ولو كنتَ على مسافة 1000متر… وشعر بك… وأنت تتألم… فإنه وبدون سابق نذير… سينطلق لمساعدتك… وسيقف معك في محنتك… ومن أراد أن يجرب… فعليه شراء قطعة الجبن… قيمتها ألف روبية… قدمها للفأر… واذهب إلى هناك… على بعد مئة متر… واصرخ… وسيأتي الفأر المدرب… لمساعدتك"
قالت نورة :
-      " هيا بنا نذهب"
-      " ما رأيك أن نشتري قطعة جبن ونجرب"
قالت في شيء من الضجر:
-      " كما تريد… ولكننا تأخرنا"
اشترى كامل قطعة الجبن… سأل صاحب الفأر :
- " بأي لغة أتحدث مع الفأر"
-      " تحدث معه بالانجليزية"
أخذ كامل قطعة الجبن… وناولها للفأر… وقال وهو يناوله:
- " نحن صديقان… عليك أن تساعدني… إن وقعت في مشكلة"
ضحكت نورة وهي تردد:
-      " مأساة… أن تؤمن بهذه الترهات… مأساة "
بعد أن أكل الفار الجبن… ذهب كامل إلى مسافة مئة متر… ثم تأوه… وصاح مستنجدا بالفار.
وفي الوقت ذاته… فتح صاحب الفأر القفص… وانطلق الفأر سريعا… حتى وصل إلى كامل… بدأ يدور حوله… وعندما ناداه صاحبة الأصلي… عاد إليه… دهش كامل… وعاد وهو يهز رأسه… ثم نظر لنورة مبتسما… في حين أشاحت بوجهها قائلة :
-      " هيا… يا جمال"
قال مداعبا:
-      " ليس قبل أن نعطيه نقوده" 
-      " أعطه إذن واتبعني"
-      " دنا كامل من صاحب الفأر… وقال في همس:
-      " بكم هذا الفأر"
-      " ليس للبيع "
-      انتبهت نورة وقالت في حنق:
-      " هل جننت… وهل تريد شراءه؟"
-   " بالطبع… لا… أقصد… نعم… لكي أتاجر به… ألا تعلمين… سأصبح تاجرا… عما قريب… التاجر يبيع ويشتري في أي شيء"
-      " إلا الفئران "
-      " يا سلام… أنت تشترين الفئران وتقتلينها… وتسلخينها… وتحنطينها… وأنا لا"
أحست نورة بشيء من الحرج… ردت على عجل:
-      " أنا باحثة"
-      " وأنا سأكون تاجرا"
ضحك الاثنان وانصرفا





الفصل السادس عشر

1- زاهدٌ ورِع
مرت الأيام سريعا… هاهو هناك… بزيه الباكستاني… قد سلم مفاتيح الغرفة… وأخذ حقيبته الصغيرة… وخرج.
يتنقل على قدميه… في شوارع إسلام أباد… ويطالع يمنه ويسره.
كل شيء هنا… جديد على أشرف… طريقة الناس في اللباس… في السير… البناء… تنظيم الشوارع… المطاعم… بيد أن خطواته محسوبة ومعدودة… إنه يسير وفق المخطط المنقوش في ذهنه.
لم يطل المسير… ها هو مسجد بدر الزمان خان… بمئذنته العالية… وقبته العتيقة… دخل أشرف من البوابة… وذهب للمراحيض المتراصة في فنائه… قضي حاجته… وتوضأ… وخرج وهو يمسح لحيته… من أثر الوضوء.
السواك يروح ويجئ في فمه… وحذاؤه  تحت إبطه… بدا مشرقا… سعيدا… لابسا سربال التقوى… وذلك خير… لو لم يكن على جلد جاسوس.
دخل أشرف المسجد… قصد أحد الأعمدة… صلى ركعتي دخول المسجد… اتكأ على العامود… وبدأ في الدعاء بصمت وخشوع… ثم قام… وانضم إلى حلقة الشيخ محمد عصام الدين بهلوي… لتوه بدأ الشيخ الحديث عن شروط المجتهد… إنه يشرح كتاب إرشاد الفحول… في علم الأصول.
لم تكن الحلقة… تضم عددا كبيرا من طلاب العلم… بيد إنها… تضم أبرزهم… أخرج أشرف دفترا وقلما… وبدأ يدون عددا من الملاحظات… والمعلومات… مر الوقت… الشيخ يقرأ ويفسر باللغة العربية الفصحى… وفي نهاية الدرس… رفع أشرف يده وسأل:
-      " هل يحق للمجتهد… أن يغلق باب الاجتهاد… من بعده"
نظر إليه الشيخ باهتمام… وقال:
-   " باب الاجتهاد مفتوح… إلى قيام الساعة… لأن الحوادث لا تنتهي… ويكون حكم الله متجددا… بتجدد الحوادث… طبعا في قضايا الاجتهاد… لا في قضايا القطع"
انتهت الحلقة… وانصرف الطلاب… وبقي أشرف مكانه… ساكنا هادئا… ينتظر مناداة الشيخ له… وبالفعل… ناداه الشيخ قائلا:
-      " تعال يا بني"
قام أشرف… إنه يتصنع التواضع والخجل… وقلة ذات اليد… والجهل بكل مسارب الحياة… إلا مسارب طلب العلم والتزهد… وحين وقف خجِلا بين يد الشيخ… قال له الشيخ:
-      " اجلس"
جلس أشرف… ومد الشيخ يده له مصافحا.
مد أشرف يده… ورأسه مطأطأ للأرض… قال الشيخ:
-      " أنت عربي"
-      "نعم… وجئت طالبا للجهاد… والشهادة"
-      " من أي البلاد أنت؟"
-      " من مصر"
-      " أم الدنيا!"
-   " أرض الكنانة… وأم الدنيا… ولكنا أصبحنا مطاردين في أمِّنا… لقد ضيقوا علينا… لذا رحلنا… نرجو الله والدار الآخرة"
-      " بدأ الإسلام غريبا… وسيعود غريبا… أنتم الغرباء… يا بني… أنتم الغرباء"
-      " ليس لي من أمل في الدنيا… إلا الشهادة… الشهادة في سبيل الله"
-      " نعم المقصد والمراد… لقد تكالب أعداء الأمة عليها"
-      " لأننا تفرقنا… وتركنا ديننا… وحكمنا بما لم ينزل الله"
-      " نعم… ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"
-      " وهذا ما أخرجني من بلدي"
-      " سبحان الله… لايزال هذا الدين قويا بأمثالك يا بني"
-      " نسأل الله الإخلاص والقبول"
قام أشرف وهو يقول:
-      " استأذنك يا شيخي"
-      " في رعاية الله"
سار أشرف خطوات… ثم عاد وهو يقول:
-      " لو سمحت"
-      " تفضل"
-      " هل أجد سكنا قريبا من هنا؟… لقد انشرح قلبي لهذا المكان"
شعر الشيخ بشيء من السعادة… قام وهو يقول:
-      " ليس لديك سكن… أليس كذلك؟"
-   " لقد خرجت من بلدي صفر اليدين… سأعمل… وأكسب… من عرق جبيني… في انتظار أن التحق بالمجاهدين"
اقترب الشيخ منه… ووضع يده على كتفه… وقال:
-      " فلتسكن في الحجرة التابعة للمسجد"





2- شعلة نشاط

يحمل أبريق الشاي… ذو اللون الفضي…. ويتقدم… حتى يجلس على (الجاعد) الأسود… الموضوع في طرف الغرفة اليتيمة… يُشعل السراج بقداحة في يده… ويرفع قليلاً في ضوءه… ويسكب في قدح الشاي… حتى يملأه… ثم يفتح كتاب نيل الأوطار… على باب (الزكاة) ويقرأ… ويردد… قوله تعالى ‏‏{‏وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)"
ثم يمد يده… ويفتح صحيح مسلم… ويطالع حديثا هناك… ينقله بخط يده… في مدونة عنده… ثم يرشف من كوب الشاي… ويستمر على هذا الحال ساعة… وعندما ارتفع الأذان… هب أشرف من مكانه… وانطلق إلى المسجد… الذي لا يبعد عن غرفته كثيرا.
وهناك… توضأ أشرف… وكان مع أول الداخلين… لصلاة المغرب.
يصلي تحية المسجد… بخشوع… ثم يتناول مصحفا… يقرأ فيه ما تيسر… وتقام الصلاة… ويقوم مصليا مع المصلين.
وبعد انتهاء الصلاة… يتجه لإحدى حلقات الذكر… يستمع باهتمام… لتفسير القرآن الكريم.
مر على أشرف… شهر كامل… وهو على هذا الحال… زاهد متنسك… ومع مرور الوقت… بدأ طلاب العلم… في الحلقات… يتعرفون على هذا المصري المهاجر.
 الجميع معجب بسمت أشرف وخلقه ودينه… والمشايخ يبدون إعجابهم كثيرا بمشاركاته الفاعلة… أثناء إلقاء الدروس… أنه شعلة من النشاط والحرص.
وبعد انتهاء الشيخ… محمد عضصام الدين… من الدرس… انصرف الطلاب… وبقي أشرف جالسا في خشوع مكانه… ناداه الشيخ… وعندما مثل بين يديه… قال الشيخ :
-      " اجلس يا بني"
جلس أشرف… في حين أكمل الشيخ:
-      " لقد وجدنا لك عملا"
ابتسم أشرف في سعادة… وتهللت أسارير وجهه… وقال:
-   " جزاك الله خيرا… لقد سئمت البقاء عالة على المصاريف… التي يقدمها المسجد لطلابه… أريد أن أقدم للمسجد… لا أن آخذ منه"
-      " تقدم للمسجد… لا تأخذ منه… بارك الله فيك… لقد وجدنا لك عملا في الزراعة… لدي أحد أصدقائنا"





3- ( your massage has been sent  ) 



يسير أشرف بخطوات عجلة… ويدخل أحد الأحياء المكتضة… يتابع النظر هنا وهناك… ثم يتجه لصاحب عقار… يستأجر منه غرفة صغيرة… يدفع النقود… ويوقع العقد… ثم يعود للغرفة.

يدخل أشرف غرفته الجيدة… يطالع يمنة ويسرة… يضع بعض حاجياته… على رف صغير… ثم يخرج ثانية… متجها لأحد المطاعم الشعبية… يطلب عشاء متوسط الحال… من البامية والخبز… مع قطع قليلة من اللحم… يتناول العشاء بهدوء… وبعد أن ينهي عشاءه… يذهب باحثا عن مقهى انترنت… يسير مسافة طويلة… وبشق الأنفس… يجده هناك.
دخل أشرف… وجلس أمام إحدى الشاشات… فتح بريده الإلكتروني… قرأ عددا من العناوين… ثم وضع وصلة خاصة… وحمّل من خلالها عددا من الملفات… ثم أرسل رسالة غريبة… على أحد العناوين الإلكترونية… فيها:
- " تحية قلب صادقة… تحية محب مولع… إلى من سكنت سويداء قلبه… وملكته… لقد نادتني الدنيا… بعد أن تزينَت لي… ولكني تركتها… واستجبت لنداء الله.
إلى أمجاد… كم اشتقت إليك… وكم حدثت نفسي بالزواج منك… ولكني آثرت إجابة داعي الحق والجهاد… في سبيل الله… أنا الآن… في باكستان… وأرجو أن التحق عما قريب… بركب الدولة الإسلامية… في أفغانستان… ربما انقضى أمر الحياة… سريعا كعادته… والتقينا في الجنة… إن شاء الله… وربما كان لنا لقاء… في هذه البسيطة… ولا تنسونا من صالح الدعاء… محبك… أشرف"
أرسل أشرف هذه الرسالة… على البريد الإلكتروني… الخاص بأمجاد… وبقي دقائق… يتأمل صورتها في ذهنه… وهو يطالع:
(your massage has been sent)
انتبه أشرف لنفسه… وتنهد بعمق… وأكمل تصفح عدد من العناوين…. ثم أرسل رسائل أخرى… وخرج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق