الأحد، 19 سبتمبر 2010

الجزء الثاني عشر والأخير

الجزء الثاني عشر والأخير



الفصل الثالث والستون


1- مدرس لغات
ينتهي من إلقاء درسٍ في اللغة العربية… ويحدد عدداً من الجمل… ويطلب من طلابه أن يعربوها… ويأتوا بإعرابها غداً… ثم يقوم من حلقته… ليلتحق بحلقه الفقه… التي يدرَّسُ فيها أحدَ أهم كتب الأحناف.
لتوه ابتدأ درس الفقه… يفتح جمال كتابه… ويتابع ما يقوله الشيخ… ويدون ملاحظاته باهتمام… وما أن ينتهي الدرس… حتى يطرح جمال العديد من الأسئلة… يستقبلها الشيخ باهتمام… ويجيب عليها ويستمر النقاش والتدارس… قرابة الساعة… ثم ينتهي الدرس… وينصرف الجميع… وينصرف جمال… الشاب ذو السبعة عشر عاما.
إنه شاب أفغاني… بكل ما تعنيه الكلمة… من معنى… لكن إجادته العربية… محل إعجاب الجميع… وكذلك إجادته الإنجليزية.
لقد مرت خمس سنوات… على تلك الأحداث العصيبة… التي عصفت بأفغانستان… وعصفت بجمال وأسرته… وها هو الآن… في زهرة شبابه… له طموح كبير… وحرص على التعلم… وقد انسجم مع بيئته التي يعيشها… فهو الآن مستقل بحياته… له منزل مستقل ويعمل في التجارة… ويحرص على العلم… وهو أيضاً يُدرس اللغة العربية… في إحدى حلقات الجامع.
لبس جمال حذائه… وسار عبر الطريق… ثم وقف عند مطعم صغير… اشترى منه خبزاً وإداما… واتجه إلى منزله.
داخل جمال المنزل… وتناول عشاءه… وفتح الراديو… فهو حريص على سماع الأخبار.
كثير هي الأخبار… ولكن… شده ذلك الخبر… الذي يتحدث عن إطلاق سراح عدد من المعتقلين… في قونتناموا.
هز الفتى رأسه… ودمعت عيناه.
لقد تذكر والده… وبدأ قلبه يرتجف:


-       " ترى… هل مازال على قيد الحياة؟… وترى… هل هو من بين أولئك الذين أسرهم الاحتلال البغيض؟… أم إنه قتل حينها… ترى… هل مازال حيا؟"
زفر جمال زفرة طويلة… وهو يتذكر المشاهد كاملة… التي حُفرت في ذهنه… دمعت عيناه… أكمل حديث نفسه… وهو يشعر بشيء من أمل:


-       " تراه ضمن معتقلي قونتنامو… أم تراه ضمن أولئك الذين أفرج عنهم".
 دارت الهواجس في عقل جمال… ودخل في أفكار متضاربة… وأخيراً… حمل الأطباق التي على سفرته… وخلد للنوم.



3- طلب إجازة
الأفكار تدور في رأسها… وتدور… لكن هاجساً بدأ يمتلك عليها عقلها… لقد مرّ أسبوع كامل… على قراءتها خبر إطلاق سراح بعض سجناء قونتناموا… صورة كامل… تتراءى لها في كل مكان… كم اشتاقت له… وكم بدا أملها في لقائه… يزداد ويزداد… إنها تدعو الله من أعماق قلبها… أن يكون بخير… وأن يجمعها به… ويجمعها أيضاً… بابنهما جمال:


- " هل يمكن ذلك؟… ولم لا!… إنه ليس على الله بعزيز" 
وقبل أن تنصرف من مكتبها… أخرجت ورقة… وكتبت فيها طلب إجازة… مدة شهر… إنه الحل الوحيد… سوف تسافر لبلدها… لتكون رحلة استجمام… وهناك… ستعاود السؤال والسؤال… ربما تجد كامل… وربما تجد خبراً عنه… وربما وجدت خبراً عن جمال.
أنهت نورا رسالتها… وقامت… وخرجت من مكتبها.



4- بارقة أمل
انتهى من إلقاء درسه في النحو… وانصرف الطلاب… وبقى مكانه.
لم يطل الوقت… قام جمال… واتجه نحو أحد أعمدة المسجد… جلس… واتكأ بظهره على العمود… وأخرج مشطاً خشبياً صغيراً… ومرآة… وبدأ يمشط لحيته… متفرقة الشعر… لحد ما… والتي لم يجاوز طولها الثلاثة سنتيمترات… ثم مشط رأسه… من الجانبين… ومشط شاربه الخفيف… ثم أخرج حافظة نقوده… وأخرج نقوداً منها… وبدأ يعد تلك النقود.
وبعد انتهاء عد النقود… شعر بحيرة لم تطل… بعدها قام… وخرج من المسجد… وذهب إلى منزله.
وصل المنزل… فتح الباب… ودخل… قام ببعض أعمال الترتيب والتنظيف… كان مرتكباً لحد ما… أفكاره متداخلة… لم يطل مكوثه في المنزل… خرج… وصعد الجبل المجاور لمنزله… وهناك… في القمة… رأى أسد الرحمن… سار نحوه… وعندما التقاه… صافحه… وقبل رأسه… وقال :
- " عمي أسد الرحمن "
- " نعم يا بني… ماذا تريد؟… ثم ما الذي جاء بك الآن… أليس لديك درساً؟"
- " لدي درس… ولكن… عقلي مشغول مع والدي "


- " والدك؟… وهل في الأمر جديد؟" 
- " لقد أطلق الأمريكان سراح عدد من معتقليهم في قونتناموا… لا أدري… لدي أمل… في أن والدي… ربما… ربما هو بخير… وربما يكون واحداً من أولئك المطلقين "
- " هز أسد الرحمن رأسه… وفكر قليلاً… وقال :
- " ولم لا… المؤمن لا يقنط من رحمة الله… أرجو أن يكون أملك في مكانه"



5- وداع
يعود من السوق سعيدا… لقد باع ثلاث شياه… بمبلغٍ مجز… ذهب إلى منزله… وأعد حقيبته… وخرج قاصداً منزل أسد الرحمن… لم يكن الوقت طويلا… ها هو يصل… ويطرق الباب… يفتح أسد الرحمن الباب… ويقول :
- " أهلاً وسهلا… تفضل… تفضل "
يدخل جمال… ويجلس على أحد المقاعد… في حين يجلس أسد الرحمن قبالته… ويقول :
- " قل لي… ماذا فعلت في السوق؟ "
- " لقد بعت الأغنام الثلاث "
- " وما حال الأسعار؟"
- " كل شيء في ازدياد "
- " هل بلغت نقودك الآن… الحد الكافي؟ "
- " بحمد الله… ستوصلني إلى بلدي "
- " بلدك؟ … ألم تقل لي من قبل… أن هذا هو بلدك ؟"
- " بالتأكيد… ولكن… لو وجدت والدي… فحتماً سأستقر هناك "
-" هذا ما يحزنني… فراقك… ولكن… هل فكرت… في الخطوات التالية… إن لم تجد والدك "
- " أرجو أن أجده "
- " نعم… نعم… أسأل الله أن تجده… ولكن… لو وجدته… فلا أسامحك من زيارة لنا "
- " بالطبع… أنت بمنزلة والدي… علمتني وربيتني… جزاك الله كل خير" دمعت عينا أسدالرحمن… وقام… واحتضن جمال.
لم يطل المشهد… ها هو جمال… يخرج من منزل أسد الرحمن… ويخرج أسد الرحمن معه… ثم يقف عند باب المنزل… في حين يتجه جمال لمنزله القريب جدا… يدخل جمال… ولا يلبث طويلا… ها هو يخرج… وهو يحمل حقيبته… يتجه لأسد الرحمن… الذي مازال واقفا مكانه… يعانقه… ثم يودعه… ويسير نحو طريق العربات.
وبعد دقائق… ها هو جمال… هناك… في الموقف… لقد جاءت عربة حصان… متجة إلى رامز شاه… استقلها جمال… وانطلقت.



الفصل الرابع والستون


1- فتى أحلام؟
الشمس متربعة في كبد السماء… ومطار كابول… لا يشكو ازدحام الناس… لأن غالب سكان هذا البلد… لا يملكون ما يقتاتون به… عوضاً عن امتلاكهم أجرة تذكرة طيران… لكن امرأة جاءت من هناك… تدفع عربة كبيرة… عليها حقيبتان… بدت مشتتة البال… تسير بعجل.
نظرت تلك المرأة… يمنة ويسرة… رأت اصطفاف المسافرين… أمام طاولة شحن الحقائب… دفعت عربتها بسرعة… لكن أرضية الصالة… لم تكن مرصوفة بطريقة جيدة… لأجل ذلك… وجدت نورة نفسها تتعثر في إحدى نتوءات الأرضية… ومع تعثرها ذاك… سقطت إحدى الحقائب… اهتمت نورة لما حدث… لكن شاباً يافعاً… في السابعة عشر من عمره… كان قريباً منها… وعندما رأى عثرتها… بدأ يردد :
- " بسم الله… بسم الله "
سارع الشاب نحوها… وباشر حمل الحقائب… ثم قال :
- " خذي حذرك يا سيدة… هذا المطار… من ذكريات الحرب… ناله من الضرر… ما نال كل شبر من هذا البلد "
ردت نورة بقولها :
- " شكراً لك ياسيد "
أراد الشاب المغادرة… ولكنه نظر ليدها… وقال :
- " أعطيني جوازك… كي أكمل لك إجراءات السفر… واجلسي في ذلك المقعد "
نظرت نورة للشاب بشكر… ثم قالت :
- " هل تعرف طريقة الحجز ؟ "
- " بالتأكيد… أنا ذاهب لأحجز لنفسي… الآن… يسعدني أن أقدم لك خدمة… هل أنت وحدك هنا؟ "
- " نعم… أنا وحدي "
تناول الشاب جواز نورة… ونقودها… ودفع عربتها أمامه… وذهب خطوط الطيران.
في حين بقيت نورة مكانها… ثم اتجهت للكرسي… لم يكن الكرسي بعيدا… وصلت إليه… وجلست.
ومن مجلسها ذاك… بقيت نورة… تتابع ببصرها… ذاك الشاب… لقد وثقت فيه ثقة كبيرة… أعطته حقائبها… وجوازها… ونقودها… إنه محل ثقة… هكذا قال لها قلبها… لكن… نظرات نورة للفتى… لم تكن مجرد نظرات عابرة… من امرأة لرجل ساعدها… ولكنها أعمق بكثير.
لم يطل الوقت… لقد بدأ الشاب يرفع الحقائب… ويضعها على السير المتحرك… كي تنتقل عبره للشحن.
أنهى الشاب المهمة… واستلم التذاكر… ثم عاد إلى نورة… وناولها جوازها وكرت صعودها الطائرة… وقال:
- " بعد نصف ساعة… تخرجين إلى الطائرة… مع تلك البوابة "
مر الوقت سريعا… نورة جالسة في مقعدها… جوار النافذة… لتوها صعدت الطائرة… الطائرة لم تقلع بعد… وجوارها مقعد فارغ… سألت نورة نفسها :
- " ترى… هل سيجلس شخص جواري؟… أم أن المقعد فارغ"
كانت نورة تتمنى أن تجلس جوارها امرأة… سيدركها الحرج… لو جلس جوارها رجل… ولكن تغير رأيها فجأة… عندما رأته قادماً من هناك… إنه الشاب عينه… الذي ساعدها من قبل… واستخرج لها بطاقة صعود الطائرة.
كانت الدكتورة نورة تظن أنه سيمر من جوارها… ثم يذهب إلى مؤخرة الطائرة… حدثت نفسها… بأنها آخر نظرة يمكن لها أن تلقيها عليه… لقد شعرت نحوه بمشاعر غريبة… ليست مشاعر الأنثى تجاه رجلٍ أعجبت به… كلا… إنها مشاعر من نوع آخر… مشاعر عاطفية من نوع خاص… لم تجد لها الدكتورة نورة أي تفسير… خاصة وأنها كانت تزيد في سنها عنه… خمسا وعشرين سنة… وتلك المشاعر… لا تبرير لها ولا معنى.
تودعه بعينها… ولكن… أدهشها… أنه يبحث عن رقم مقعده قريباً منها… إنه يبحث في أرقام المقاعد… في الأعلى… وأخيراً وقف عند المقعد المجاور لها… قرأ الرقم الذي معه… ثم رقم المقعد في الأعلى… ثم هز رأسه… وقال لها :
- " معذرة يا سيدتي… هذا المقعد لي… هل يسبب جلوسي هنا… أي حرج لك "
رقص قلب الدكتورة نورة… لهذا الخبر السار… هذا الفتى سيجلس جوارها… ازدادت نبضات قلبها وهي تقول له :
- " تفضل… تفضل بالجلوس… أهلاً بك"
جلس الفتى… بكل هدوء وأدب… لم يطل الوقت… ها هو يفتح حقيبة يده الصغيرة… ويخرج مصحفاً صغيرا… ويبدأ في تلاوة آيات من سورة الزمر… كان صوته منخفضا… بيد أن الدكتورة تسمعه بوضوح… أبحر الفتى مع تلاوته… وأبحرت نورة مع سماعها لصوته الشجي:
-" (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ… وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ… وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ… سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ… وَنُفِخَ فِي الصُّورِ… فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ… إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ… ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى… فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ… وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا… وَوُضِعَ الْكِتَابُ… وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء… وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ… وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ… وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ… وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ… وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا… حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا… فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا… وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا… أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ… يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ… وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا… قَالُوا بَلَى… وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ….)"
أقلعت الطائرة… مرتفعة في الجو… ونورة لا تحرم نفسها من إلقاء نظرة عابرة… أو مركزة… على قسمات وجه هذا الشاب جوارها… لحيته الخفيفة… التي يتعهدها بأنامله… بين الفينة والأخرى… ووجهه الوضيء… جداً… وشعره الكثيف… الذي ينساب خارج عمامته البيضاء… وثوبه الأفغاني الأبيض… وملامح البراءة والصدق… الطافرة من عينه… كل ذلك… أسر المرأة… التي لم يعد لها في الرجال من أرب.



2- معــــــاً
ها هي سماعات الطائرة… بعد رحلة طويلة… توقفت في أكثر من مطار… ثم واصلت سيرها… تذيع للركاب… اقتراب موعد الهبوط… وعليهم ربط الأحزمة.
ربطت نورة حزامها… وربط الشاب حزامه.
قال الفتي :
- " سيدتي… هل ستنزلين في هذه المدينة… أم أن لك محطة نزول أخرى "
- " بل سأنزل هنا… أنا من سكان هذه المدينة "
- " صحيح؟! "
- " نعم… وأنت ؟"
- " أنا كذلك… من سكان هذه المدينة… سوف أساعدك في وضع الحقائب الخاصة بك… في عربتك… لأني أنا أيضاً احتاج لوضع حقائبي في عربة… لا تشغلي نفسك بدخول زحمة التقاط الحقائب "
نظرت نورة للشاب…  نظرات ساهية… وشعرت أن قلبها ينبض بشيء أشبه بالحب… ولكنه حب من نوع آخر… قالت :
- " أكون لك شاكرة "
ها هو الشاب هناك… يدفع عربتين… وها هي الدكتورة هناك… تنتظره… وصل إليها… وقال :
- " أنا… سأكمل المشوار… وسأضع العربات جميعاً على سير التفتيش… لا تشغلي بالك… اذهبي فقط للجوازات… وأنهي إجراء الدخول "
لم يطل الوقت… ها هي نورة… عند الباب… هناك… وها هو الشاب… يدفع العربتين.
وصل الشاب إلى الباب… وسلم نورة عربتها… وابتسم… ودعا لها بالتوفيق… لم تكن بسمة الفتى تلك… لتمر مرور الكرام… على الدكتورة نورة… لقد هزت مشاعرها وكيانها… كانت تريد أن تطلب منه عنوانه… أو أي شيء عنه… بحثت عن كلمة تقولها… ولكنه ذهب… دفع عربته… وذهب… يا لها من خسارة… ودّعته بعينها… ثم دفعت عربتها… واتجهت لدورة مياه النساء.
في الخارج… يأتي سائقوا سيارات الأجرة… بعد أن يروا الدكتورة نورة… بحجابها… الذي لم يعد أفغانيا… وإنما هو حجاب خليجي… عباءة… وخمار رأس… وغطاء وجه… لا تبرز منه سوى العينان… كان سائقوا سيارات الأجرة يسألونها عن مقصدها… ولكنها تسألهم أولاً :
- " هل لديكم ركاب آخرون؟… أنا وحدي… ولا يمكنني الركوب وحدي… مع رجل"
وعندما يجيبون بالنفي… تقول :
- " الخلوة لا تجوز "
وأخيراً… جاءت سيارة من هناك… فتح سائقها الزجاج… وقال :
- " إلى أين يا أخت "
نظرت… داخل السيارة… أدهشها أن رأت الشاب عينه… يجلس في المقعد الأمامي… بجوار السائق… أعادت النظر بدهشة… تلكأت قليلاً… ثم قالت :
- " سأركب… على أن تنزلني أولا… قبل هذا الشاب… فالخلوة لا تجوز مع رجل "
نظر السائق للشاب… هز الشاب رأسه موافقا… ثم سألها عن الحي… أخبرته باسم الحي… في حين نظر السائق للشاب… وقال:


-       " الحي نفسه"
ركبت نورة… ولم تفهم مقصد السائق.


قلبها يخبرها بأشياء كثيرة… حول هذا الشاب… الذي يصاحبها في كل مكان… منذ دخولها مطار كابول… ولكن… لقد خلا قلبها من معاني العاطفة… منذ سنين… فلماذا هذا الشاب… بالذات؟… لماذا هو ؟… من هز قلبها من أعماقه" 
سارت سيارة الأجرة بمن فيها… واتجهت نحو الحي… الذي ستنزل فيه نورة أولاً… لم يطل الطريق… الجميع صامتون… إلا من نظراتها المصوبة نحو الشاب الجالس في الأمام.
وأخيرا… أصبحت السيارة داخل الحي… بدأت نورة توجه السائق… يمينا ويسارا… ثم وصلت السيارة منزل نورة.
يا لها من فيلا رائعة… تجتمع فيها الذكريات… بعد غياب طويل.
نزلت نورة… ونزل سائق السيارة… ليُنزل حقائبها… من مؤخرة السيارة… وبعد أن قام بذلك… عاد ليركب… لكن الشاب الجالس في مقعده في الأمام… بدأ يتأمل المكان… والشارع… والعمارة… تأملها في اهتمام بالغ… ثم نظر نحو سائق السيارة… وقال :
- " لو سمحت… أنا أيضا… سأنزل هنا "
فرح السائق… لأنه لن يكلف نفسه السير مسافة أطول… واتجه مسرعا نحو حقائب الشاب… لينزلها… خشية أن يغير الشاب رأيه… ثم أخذ أجرته وذهب.



3- من هو
واقفة جوار الباب… على الرصيف… وجوار حقائبها… تطالع الشاب بلهفة وحيرة… والشاب… واقف على الرصيف… ليس بعيداً عنها… وجواره حقائبه.
مشهد لا يخلو من ريبة… وعلى أحسن الأحوال… لا يخلو من تساؤل… لكن التساؤلات في ذهن نورة… أشد وطأة… إنها مندهشة عن سبب مصاحبة هذا الشاب لها… من أول دخولها مطار كابول… وحتى هنا… ثم ميلها… ميلها غير المبرر… نحوه… ثم… لماذا نزل من السيارة معها… وقف أمام هذا المنزل؟.
الشاب في الوقت ذاته… يتساءل… ربما عن وجود هذه المرأة هنا… أمام هذا المنزل بالذات… لم لا تذهب إلى منزلها… وهل هي يا ترى… عين المرأة… التي قدم لها الخدمات… من قبل… وكان مقعده في الطائرة… مجاوراً لمقعدها… ولكن… تلك المرأة… تلبس الزي الأفغاني… وهذه ملابسها مختلفة… لكنه الجسم ذاته… وربما حتى العينان… تبدوان ذاتها… والصوت… إنه يبدو ذات الصوت… الذي كان يسمعه من المرأة… هل تراها غيّرت ملابسها… مجاراة لتقاليد هذا البلد… نظر كل منهما للآخر… لكن نظراتهما كانت مليئة بالتساؤل… التساؤل عن أشياء كثيرة.
طالت النظرات… ولم يستطع أي منهما… أن يقرع بسؤاله أذن الآخر… كل منهما ينتظر البدء من الآخر… لكن أياً منهما… لم يشأ أن يكون هو الآخر.
وفي لحظات صمت وتحفز… ربما لو استمرت أكثر… لثار السؤال من أحدهما… انقطع الصمت… بصوت الباب… الذي كانا واقفين على جانبيه.
انفتح الباب… وخرج رجل في الرابعة والأربعين من العمر… يرتدي ثوباً أبيض ناصعا… وغترة بيضاء ناصعة… وله لحية سوداء طويلة… لا تخلو من شعيرات بيضاء متناثرة هنا وهناك… وشارب محفوف… وسجدة واضحة على الجبين… وسن مكسور… وشجه في الخد… وآثار حديثة للوضوء… ويرتسم لون مشرق على الوجه… الذي بدا بديع الوضاءة… لكن هذا الرجل… بدا على عجل من أمره… بمجرد خروجه من الباب.
لم يكترث الرجل الخارج من الفيلا… بشاب وامرأة… واقفان على رصيف منزله… ربما لأنه على عجلة من أمره… وربما لأنه لا يلقي بالاً لهذه الأمور.
سار بخطوات متسارعة… بعد أن أقفل باب المنزل… إلا أن الدهشة ارتسمت على وجه الشاب… الذي سرعان ما باغته بقوله :
- " يا أخ… يا أستاذ "
نظر الرجل للشاب… وابتسم في وجهه… وقال :
- " أنا على عجلة من أمري… انظر "
رفع الرجل يده… وأشار لساعته وهو يقول :


" لقد دخل وقت الأذان… وأنا الآن مؤذن المسجد… لا يمكنني أن أتأخر ثانية عن الآذن… إنه صوت الحق… من الأرض للسماء… ومن الأرض لقلوب المؤمنين… الحق بي للمسجد… وبعد الصلاة… أعدك أن ألبي كل ما تريد" 
مضى الرجل في طريقه… ناحية المسجد… ونظر الشاب يمنة ويسره.
المرأة هناك… مازالت مكانها… بقي الفتى واقفاً… مدة قصيرة… ثم ارتفع صوت الآذان… عالياً شجيا… قرر الفتى بعد سماع الأذان… الذهاب إلى المسجد.
لم تجد الألغاز التي ثارت في نفس نورة… أي إجابات… بل ازداد وقعها وأثرها:
- " من تراه هذا الرجل… الذي خرج من منزلها… وبهذه الصورة الغريبة… صحيح… لا غرابة أن يكون هذا الرجل… مؤذناً للمسجد… ولكن… الغرابة… لماذا سكن مؤذن المسجد… في منزلي؟… هل تم الحجر على المنزل… وبيعه؟… أم تراهم ضموه للأوقاف… خلال هذه السنوات التي عشتها بعيدة عنه؟… ولكن… صورة هذا الرجل… ليست بالغريبة… من يكون يا ترى… من يكون"
لم تغادر نورة مكانها… طيلة وقت الصلاة… إنها تحرس حقائبها… وحقائب الشاب… الذي تركها عند ذهابه للمسجد.



3- بعد الصلاة
مر الوقت سريعا… انقضت الصلاة… وخرج المصلون… وعند باب المسجد… يقف الشاب… ينتظر… لقد أدى الصلاة… وبعد دقائق… خرج المؤذن في خشوع… ولبس حذاءه… ثم تقدم نحو الشاب… ومد يده مصافحا… وهو يبتسم… وقال له :
- " أهلاً بك… اعذرني… كل شيء يمكن أن نؤخره… إلا هذه الصلاة… إنها حبل وصالنا الوحيد… ومتى انقطعت… انقطعنا… تفضل "
لم يُجب الشاب… لأنه أغرق عينه في ملامح هذا الرجل… لقد بدت مألوفة لديه… لحد كبير… إلا أن الرجل تركه… وسار متجها نحو المنزل.
تبعه الشاب… وسارت الخطوات متجاورة… وبقي الشاب يفكر في صورة الرجل… ويحاول تذكر ملامحها… ولم يصل إلى جواب.
وأثناء الطريق إلى المنزل… قال الرجل:
- " ستدخل عندي… وستكرمني باستضافتك… أنا أحب كل الأفغانيين… أحبهم أشد الحب… يا لهم من أمة عصامية… قوية… لا مجال… ستدخل معي المنزل… ونتناول الشاي… وأيضاً… ربما… ربما وجدت لك عملا… إذا لم يكن لديك مانع… هل أنت متعلم؟ "
لم يجب الشاب… لأنه مشغول باستراق نظرات سريعة… لوجه هذا الرجل… الذي بدا سريعاً في المشي.
وعندما اقترب الرجل والشاب من المنزل… قال الرجل :
- " هل تلك المرأة… قريبة لك؟ "
-" لا… لا… "
- " ولم هي هنا؟… غريب!… ربما كانت محتاجة!… لا ضير… قل لي ما اسمك؟"



4- تغير في ملامح الرجل
الدكتورة نورة جالسة على إحدى الحقائب… إنها تنتظر… وبفارغ الصبر… مجيء الرجل والصبي… وعندما أقبلا… من هناك… دق قلبها… وقامت.
 كانت تتابع قسمات الوجوه:


-       " إنهما يتحدثان… ولكن… فيم يتحدثان؟… وتُرا… هل سيأتيان إلى هنا… أم… إنهما سيغادران"
 وفي حال تفكير الدكتورة نورة… وانطلاقها… مع تلك الأبعاد… الموغلة في العمق… كان الرجل… قد سأل الشاب عن اسمه.
كانت نورة تنظر… للشاب والرجل… وربما… بدت نظرتها طبيعية… لولا ذلك التغير… الذي بدا… على وجه الرجل… فجأة.



5- اسمي جمال
كل شيء في الشارع هادئ… خطواتهما تسير بتتابع… وأعاد الرجل السؤال:
- " قل لي يا أخ… ما اسمك " ؟
- " أنا… أسمي جمال "
وقف الرجل… وطأطأ رأسه للأرض… لحظة… ثم وجه وجهه لوجه الشاب… وقال بصوت مرتفع :
- " جمال "
بدأ الرجل يدقق النظر… في ملامح الشاب… ثم قال… وهو يكاد ينتحب:
- " هذا الاسم… عزيز عليّ… نعم… نعم… جمال… آه… يا له من اسم "
وفي تأثر ملحوظ… قال الفتى:
- " وهل لك قصة… مع هذا الاسم؟ "
- " هيه… وأي قصة… إنه ابني… ابني "



6- هل أنت…
من هناك… كانت الدكتورة نورة… قد تركت المكان… الذي كانت واقفة فيه… بعد أن سمعت الرجل… وهو يرفع صوته… باسم (جمال)… وتقدمت نحوهما… بخطوات بطيئة… شيئاً فشيئا.
قال الشاب :
- " قل يا عم… ما قصتك؟ "
- " قصتي… قصتي… قصة طويلة "
بدأت عينا الرجل… تُدحرج حباتٍ كالمطر… ثم أكمل :
- " هيه… كنت في بلدك… أفغانستان… أنا وزوجتي… نوره… نوره… الله… يانوره… هناك… كنا في مهمة علمية… وكان معنا… ولدنا… الحبيب… جمال… وهجمت قوة الإرهاب العظمى… على ذلك البلد الأعزل… دمرته… وتفرقت الأسرة… أسرتي… تفرقت… وأخذوا ابني… ابني… أخذوه… من بين يدي… وأنا… أنا "
لم يكمل كامل… لأنه… رأى وجه الشاب… أمامه… يتقلّب… في ذهول… متأثرا… ولم يتمالك الشاب… نفسه… لقد… فرد ذراعيه… ليضم والده… وقال بصوت مؤثر :
- " أبي… أبي… أنا جمال… أنا جمال… يا أبي… كم اشتقت لك… وكم غبت عنك… تلك السنين"
دارت الدنيا… بعيني كامل… الذي قد أذاقته الدنيا… من كؤوس الحرمان… ما لا يمكن تحمله… ولم يكن ليصدق أبدا… أن هذا الشاب… الوسيم… فارع الطول… الملتحي… الوقور… ذو القسمات الصادقة… والطلعة المتدينة… هو… ذاته… جمال… الذي تركه هناك… بين أودية الجبال الوعرة… التي يعز على من رمي فيها… أن يبقى على قيد الحياة… هل تراها مزحة؟… أم حلم!… أم خيال… يراه من افتقد عقلَه… جراء آلام السجن والتنكيل؟… أم تراها الحقيقة!… الحقيقة… التي يختم الله بها لمن اتقاه؟… بأن يلم عليه شمله… ويفرج همه وغمه.
 وبعد نظرات سريعة… في قسمات ولده الشاب… ارتمى كامل… في أحضان جمال… الذي بدا أكبر حجما من أبيه… واشتبكت الدموع والدموع… وطالت الخدود والصدورَ.



7- السر
لم يكن من الواقفة… جوار المشهد المؤثر… هناك… أن تستمر في وقوفها… بعيدة عن أحداث جسام… هي أحد صناعها.
لقد فهمت كل شيء… المسالة سهلة للغاية… ذلك الشاب… الذي أسرتها نظراتها له… من أول ما طالعته في كابول… وبقى قلبها يرقص لحركاته وسكناته… ليس سوى جمال… جمال… ولدها الصغير… الذي كانت تحرص على تربيته… بطريقة مدنيّة مدللة.
ها هي تجارب الدنيا… تربيه الآن… بطريقة أخرى… غير ما أرادته والدته… فيخرج رجلاً آخر… غير ما كانت تريده من قبل… ولكنه… كما تريده الآن.
وذلك الرجل… المؤذن… الملتحي… الذي بدا صالحاً خاشعا… عميق الإيمان والتقوى… ليس سوى كامل… كامل… زوجها… وحبيبها… الذي كان ذات يوم… يتشدق بإلحاده… وبُعده عن كل صور الدين… ها هو الآن… وجهٌ آخر… وعقل آخر… وإنسان آخر.
وها هي أسرتها… أمام عينيها… هناك… تلتم… ليلتم مع التمامها… جرح الفراق الغائر… وجرح المعاناة العميق.
لم تجد نورة في نفسها القوة… للصبر والتجلد… ولو قليلاً… عن الدخول في الْتمام الشمل… الذي طال تفرقه.
وفي حالةٍ فريدة… هي الحالةُ ما بين العقل والجنون… انطلقت نورة بعباءتها… وحشمتها… لتحتضن الرجلين… الرجلين… الذين لا يعرفانها… تحتضنهما… بكل حب وإخلاص… ثم تبكي… وتوزع القبلات الحارة.
لم ينكشف خمارها بعد… لكن خمار أحزانها… التي رانت على قلبها… طيلة السنون الفائتة… ربما انكشف… ونورة… أثناء حالها ذاك… غارقة في عالم الأحضان… الذي طالما افتقدته… وتشعر أن جميع الحجب… انكشفت.
لكن كامل… الرجل المتدين… غاية التدين… اندهش جداً… لامرأة تضمه… وتقبله… وهو لا يعرفها… ولا تعرفه.
 لم يكن بوسع كامل… أن يحتمل… هذا الجنون… وكذلك الشاب… الحافظ لكتاب الله… لم يرقه هذا المشهد.
بدأ كامل… ينظر للمرأة… بريبة… ثم انفلت من بين يدي جمال… وأدخل يده في جيبه… وأخرج مفتاح المنزل… وقال لابنه بهمس :
- " خذ المفتاح… وافتح الباب… وادخل وسألحق بك… هذه المرأة مجنونة… لا شك… لقد قلت هذا منذ رأيتها… عند خروجي من المنزل"
أخذ جمال المفتاح… وانطلق نحو الباب… وفتحه.
في حين تخلص كامل… بالكاد… من أحضان المرأة… التي لازالت غارقة في بكائها… ثم انطلق مسرعاً… ودخل… وأغلقا الباب.
أدركت نورة الموقف… وأدركت المشهد… وبدأ تفكيرها يعود لها… شيئاً فشيئا… إنها في الشارع… وإن كامل وابنه… تفاجآ بما قامت به… فهما حتى الآن… لا يعرفانها… ابتسمت… ثم خطرت ببالها فكرة.
اتجهت لإحدى حقائبها… هناك… فتحتها… ثم فتحت حقيبة يد صغيرة… وأخرجت منها مفتاحين… ثم اتجهت إلى الباب… وبدأت تعالجه.
كامل وابنه… مندهشين… كل منهما ينظر للآخر… ولم لا… وهما يسمعان المفتاح… يدخل في القفل… ثم يفتحه… أي مجنونة هذه… التي قررت مسبقاً… أن تدخل… وأعدت مفتاحاً لذلك… وهي الآن… تدير المفتاح.
بقى كامل وابنه… في حالة استسلام كامل… وما هي إلا لحظات… ويُفتح الباب.
نعم… لقد فُتح الباب… ولكن… ليس عن وجه مجنونة… ولكن… عن وجه امرأة هادئة متزنة… وقفت على العتبة… ثم قالت :
- " السلام عليكم "
تراجع كامل وابنه… للخلف… قليلا… لكن المرأة… أقفلت الباب… واقتربت منهما أكثر… وكشف غطاء وجهها.
ملحمة رائعة… من ملاحم اللقاء… بعد الغياب الطويل… لا يدرك مدى عمق تفاصيلها… إلا أولئك الذين سُحقت قلوبهم… بمطرقة الحرمان… سنون عدّة.
وفي دهشة الوصال المذهلة… قالت المرأة :
- " أنا نورة… وها نحن نلتقي… بحمد الله… من جديد… ولكن… بقلوب أخرى… وأفكار أخرى… وبكنز الإيمان "
صمت كامل… وصمت جمال… وتحدثت العيون… لحظات… والتمّ الشمل من جديد… واحتضن جمال أبويه… وسُفحت دموع فرح غزيرة… على أعتاب باب شكراً لله.
وانتهت بهذا المشهد… تلك المعاناة… وانتهت صورة الإمبراطورية الظالمة… من عقول من آمن بها… ردحا من الزمن… وربما ستنتهي قريباً… من الواقع… طال المشهد… أو لم يطل… لكنه بالفعل… مشهد ساحرا… قادر بعون الله… على محو همومٍ جسام… كتبتها السنون العصيبة.
انتبه كامل للمشهد… وأدرك أنه وأسرته في الفناء… خارج المنزل… لذا… قال باهتمام :
- " هيا… هيا… لندخل "
ابتسمت نورة… وهي تمسح بيدها على لحيته الطويلة… وتقول :
- " لقد تغيرت كثيراً… لم أعرفك بادئ الأمر "
- " آه… هناك كلام كثير… سأقوله لكم "
قال جمال :
- " لا… لا… ليس بأكثر من الكلام… الذي سأقوله أنا لكم "
قالت نورة :
- " هيه لو تعلمون… أتحداكم جميعا… سيكون كلامي هو الأكثر "
سار الثلاثة… إلى باب المنزل… وبوصولهم… فتح كامل الباب… ودخلوا جميعا.
كل شيء كما هو… لقد وصل كامل للمنزل… منذ أسبوع… تقريباً… واستأجر من ينظفه… ولم يهتم بأي شيء آخر.
أدارت نورة عينها… وهي تقول :
- " الحمد لله… يا لها من تجربة "
في تلك الأثناء… نظر جمال هناك… في الجهة الغربية من الصالة… وانطلق بسرعة… ثم فتح الباب… ودخل… وأضاء النور.
إنها غرفته:
- " الله… كم طال غيابي عنك… وأنا أسكن حجرة الطين"
تأملها جمال بهدوء… كل شيء كما هو.
تبعه أبواه… ودخلا خلفه… كل منهما ممسك يد الآخر.
أدار جمال رأسه… ونظر لوالديه… وقال:
- " ها هي أمريكا… كانت في قلوبنا… هـ… هـ… هـ… والآن… سقطت من قلوبنا… وقريباً… سيُسقطها ظلمها "
لحظات… وارتفع صوت دوي قوي… وابتسم الجميع.
إنه تمثال الحرية… لقد رُمي على الأرض… وتحطم.
لا أحد يدري… من الذي رمى التمثال… وحطمه… أهو جمال… أم كامل… أم نورة… ولكن المؤكد… أنه أحد المعجبين به… يوماً ما.
وانتهت قصة الإمبراطورية… من قلوبهم… وربما قريبا… من العالم.
الجمعة, بين الأذانين,  9/5/1428هـ د. عبدالوهاب آل مرعي

الجزء الحادي عشر

الجزء الحادي عشر



الفصل الثالث والخمسون


1- انتحار
كامل في زنزانته وحيدا… يعدّ همومه وحسراته… ويفكر في الخلاص… وأثناء ذلك… طرأت على ذهنه فكرة… بدأ كامل يتأمل فكرته… من كل جوانبها… ولم لا… إنها حل ناجع:
- " الانتحار… يا لها من فكرة… الموت… إنه العلاج الوحيد… لكل هذه الآلام… وينتهي الكابوس… الذي بدا وأنه لا نهاية له" .
بدأ كامل يطالع يمنة ويسرة… ويبحث عن وسيلة هنا أو هناك… يمكن من خلالها إخراج الروح… والخروج من العناء.
مر الوقت… ومع غروب الشمس… كان كامل قد أعد الخطة… وخطته تتمثل في السلاسل التي تكبله.
بدأ كامل في لف تلك السلاسل… بطريقة مناسبة… حول عنقه… ثم لفها حول أحد القضبان… وبدأ يسحب نفسه بهدوء… ثم ألقى نفسه للخلف.
نجحت الخطة… وبدأت السلسلة تضيق حول رقبته… وبدأت الآلام الشديدة… في أوداجه… ثم في حنجرته… وشيء من الداخل… يدفعه لمحاولة إنقاذ نفسه… لكنه عازم على الاستمرار… بدأت الدنيا تدور به… ودخل في إغماءة الموت… الدنيا تتلاشى أمامه… شيئاً فشيئا… عيناه تنفرجان شيئاً فشيئا… ويشعر بوخز إبره في ذراعه.
يطالع ببرود… يرفع يد كامل… ثم يعيدها.
إنه الطبيب… وكامل تحت العناية الفائقة… وعدد من الأنابيب مرتبط بجسده.



2- من جديد
الأيام المظلمة تمضي… وتمضي… ولا يفرق بينها… سوى تلك الساعات… التي يقضيها السجين في النوم.
كثيرة هي المرات… التي يستيقظ السجناء فيها… بسبب ما يقوم به السجانون… من أعمال استفزازية… يُقصد منها إيقاظ النائم… إيقاظه فقط.
لكن كامل… حظي براحة تامة… خلال الأيام الخمسة السابقة… حيث كان راقداً على سرير المرض… وكان تحت العناية الفائقة.
ولكن… ومع كل أسف… انتهت مرحلة المرض… وعليه أن يستأنف دوره في السجن… كنزيل له مكانة… ويفترض أنه من أخطر وأذكى سجناء القاعدة.
فُتح القفص… وأُدخل كامل… ودخل معه اثنان من الجنود.
الحراسة الآن… ستكون مشددة على السجين الخطر… الذي حاول الانتحار… ليخفي الأسرار معه… ومن حسن حظ السجانين… أن عملية الانتحار… باءت بالفشل.
وكامل هذا… سجين… لديه معلومات… بوزنه ذهبا… حول القاعدة وخططها… هذا ما يحكم به المحققون… ولديه القدرة على المراوغة… وإشغال من أمامه بأمور أخرى.
المهم في الأمر… أن كامل… محتال خطر… هذا ما بدا خلال التحقيق معه… وخلال محاولته الانتحار.








3- شهيق غاضب
بدأ الحارس بوضع السلاسل من جديد… في يدي وقدمي كامل… لكن هذه السلاسل تختلف عن سابقتها… إنها أكثر إحكاماً وسلامة… وتمنع الانتحار… هذا ما جناه كامل… من محاولته الفاشلة… في الانتحار… لو أنه مات أو… لو أنه لم يحاول الانتحار أصلا.
ولكن لا مشكلة… لم يعد ثمة خيارات.
بدأ قلب كامل يتعود التجلد… لأنه الخيار الوحيد… الذي يمكنه ممارسته… وبدأ أيضا… يستمتع بتلك اللحظات التي ليس فيها تحقيق… وهو يتناول طعامه باهتمام… وينام جيدا… ما أمكنه ذلك.
في الوقت ذاته… كان كامل… على استعداد كامل للمثول المرعب… أثناء عذاب تلك الليلة… التي مازال المحققون يهددونه بها… بل وحتى المساجين الآخرين الذين جربوها… إنهم يستعيذون من شرها.
وتلك الليلة بالذات… هي ما يتمكن المحققون… من خلاله…  أن يفرقوا بين من لديه معلومات… ومن هو موجود في سجون قونتناموا خطأً.
لكن أولئك السجناء… الذين ثبت أنه لا علاقة لهم بالقاعدة… ولا ناقة لهم فيها ولا جمل… لا يمكنهم الخروج من السجن… بل عليهم أن يبقون في الضيافة الملعونة… حتى إشعار آخر… ذلك أن خروجهم حتما سيوجع رأس الأم الكبرى للعالم أمريكا… لأنهم ندبة غائرة في إنسانيتها… وسؤال حائر… حول إمكانية بقائها رائدة للعالم… فالرواد لا يكونون مرتزقة وقطاع طرق… أو مغتصبون .
وبعد الظهر بقليل… كانت الشمس تحرق نفسها… لتحرق من يتربع في منتصف قفصه هناك… كامل… الأسير… الذي كان من المفترض… لولا بعض الترتيبات الخطأ… أن يكون معززاً مكرماً في منزله… يدعو بالتوفيق لأمريكا… أو في إحدى محاضراته في الجامعة… يسهب في شرح الأسباب لغزوها للعالم… ويجد لها ألف عذر وعذر… ويصب جام غضبه على المسلمين عموما… وعلى طالبان خصوصا… وعلى القاعدة بشكل أخص… وعلى معتقلي قونتناموا بشكل أخص… وأخص… وربما كان له مقالات في التنظير لأهمية أن يواصل الأمريكيون فتوحاتهم… ويواصلوا بناء معتقلاتهم… لسجن كل متشدق باسم الدين… أو حتى صاحب لحية… ولكن… (حظاً أوفر!).
الحقيقة… أن كامل… هنا… وهنا فقط… وعليه أن يسب أمريكا مع كل شهيق أو زفير.
ومن هناك… جاء المحقق… يحمل وجهه المظلم… الذي لا يعني سوى هطول النكبات… وقف عند ركن القفص… وقال مبتسماً :
-       " كامل… عزيزي… تريد الهرب إلى الجحيم… هـ… هـ… هـ… كلا… كلا… لم يحن بعد… ثم… لماذا تريد الذهاب لجحيمٍ بعيد… وغير مضمون… انتظر… الجحيم هنا… قريباً هنا في الليلة الموعودة… ربما كانت ليلتك الموعودة… هذه الليلة… ربما… لا أعدك… ولكن عليك أن تستعد"





الفصل الرابع والخمسون


1- الانفجار
مر أسبوع كامل… الأمور تسير بهدوء… والبرميل يتناوب على دخوله… كل من ضياء وأنور… كل منهما حريصٌ على أداء عمله… ويدعوا أن يكون هو المنفذ للعملية… التي سيكون ضحيتها عدد من المحتلين.
عندما يأتي أي من الصبيين للبرميل… فإنه يحضر معه طعامه وشرابه… ويستمر طيلة الساعات الست… وهو يرصد.
لم يعد أحد هنا يشعر بالأمن… وعند حلول الليل… يضع جميع سكان القرى… أيديهم على قلوبهم… خشية أن يأتي المحتل… للتفتيش.
الجدير ذكره… أن مجيء جنود الاحتلال… سيكون سعيدا جدا… لمن يرصدهم داخل البرميل… لإيقاعهم في الفخ.
أنور… في البرميل… يأكل كسرة من الخبز… ويحك رأسه… إنها ليلة مقمرة… والليل شارف على دخول نصفه الأخير… ولكن… المفاجأة… حصلت أخيرا… إنه صوتٌ قادم من بعيد… يقترب شيئا فشيئا.
انتبه أنور… واقترب برأسه لينظر… مع الثقب الصغير… شهق… وبدأ قلبه يرتجف… إنها آليات أمريكية… مدرعة… يمكن رؤيتها بوضوح… وخلفها… حاملة جند… فكر أنور قليلاً… سال نفسه :
- " لقد حانت ساعة الصفر… وحانت ساعة الانتقام… ولكن… متى سأضغط على الزر… إنها مركبتان… وليست واحدة… هل سأدوس على الزر… عند سير المدرعة… أم… عند سير آلية الجند… ولكن… المدرعة… لا تحوي أكثر من أربعة جنود… أما حاملة الجند… فهي تحمل ما لا يقل… عن خمسة عشر جنديا… لا أدري… لا ادري… ما هي بالضبط… إمكانيات هذا اللغم؟… الذي صنعته وطورته… العمة نورة"
تذكر أنور… قول الدكتورة نورة… وهي تقول :
- " إن لهذا اللغم… قدرة على تفجير مساحة كبيرة… قطرها عشرون مترا… إنه لغم مميز"
أنور… يعيش الآن… بين مفترق الطرق… والاختبار صعب للغاية.
ومن هناك… اقتربت الآليات… وبدا قلب أنور يرجف… ويداه ترتعشان… إنه يحتاج المزيد من القوة… حدث نفسه :
- "  لاشك… أن سكان القرية… نائمون… ولاشك… أن هذه العصابة… ستفعل بهم الأفاعيل… لو نجا بعضهم من اللغم… فلن يرحموا أحدا"
وأخيرا… وصلت المدرعة… لم يشأ أنور… أن يضغط الزر… سارت العربة من فوق اللغم…. ولم يضغط الزر… تجاوزت العربة اللغم… وتقدمت حاملة الجند… أصبحت العربة المدرعة… تبعد عن اللغم… البعد نفسه… الذي تبعده حاملة الجند… إنها مسافة لا تجاوز السبعة أمتار… وفي تلك اللحظة… ضغط أنور الزر… وهو يقول:
- " باسم الله"



2- هل مات
تقعد من نومتها في قلق… تضع يدها على فمها… لقد سمعت صوت دوي شديد… تترك فراشها… وتسير تاركة الغرفة… ثم تفتح النافذة… لتطالع… ثم تعود للداخل… وتسير جيئة وذهابا… ثم تجلس… ثم تدخل يدها بين خصلات شعرها في توتر… ثم تقوم… وتطل من النافذة… جهة المكان الذي فيه اللغم.
وأخيرا… شهقت الدكتورة نورة… وهي تري اللهب… يضطرم.
عقلها يكاد يتوقف… خوفا على أنور:
-" هل أصابه مكروه؟".
عادت نورة… وجلست… ثم قامت… واتجهت ناحية الباب… فتحته… وألقت بصرها… وبقيت واقفة أمام الباب.
مر المزيد من الوقت… من المفترض… أن يكون أنور… قد خرج من البرميل… عن طريق الفتحة… التي في الجدار… ومن المفترض… أن يكون… قد قدم إلى المنزل… حدثت نفسها:
- "هل أصابه مكروه؟"
عادت الدكتورة نورة… إلى الداخل… لبست جلبابها… وانطلقت.
كان سيرها متعثرا… وكان قلبها يرجف… وأخيرا… وصلت إلى الجدار.. رأت النار من خلفه… وهي تضطرم بشدة… اقتربت من الجدار… دققت النظر… حدثت نفسها:


-       "  الطوبتان… الطوبتان… مازالتا مكانهما"
فتحت نورة الطوبتين… وجدت أنور… داخل البرميل… إنه جثة هامدة… أرعبها ذلك… سحبته من البرميل… ثم أعادت الطوبتين… ثم حملته على كتفها… وانطلقت للمنزل… وفي الطريق… حدثت نفسها:
- " ماذا عساي أقول لوالدته؟… هل أقول… أني ألقيت به في التهلكة… وحكمت عليه بالموت… من أجل عملية غير مضمونة؟… هل بالفعل… كان الانفجار في آليات المحتل؟… هل مات منهم أحد؟"
حاولت نورة… أن تتجاهل التفكير… في أمر كهذا… كي لا تنهار قواها… إنها تسير بسرعة… ثم تنظر للخلف… لتتأكد أن أحداً لا يراقبها.
وأخيرا… وصلت إلى المنزل… ودخلت.


كانت أم أنور… في استقبالها… ذهلت… عندما رأت الصبي… محمولا على كتف نورة… تقدمت الأم في لهفة… أغمضت عينيها… قالت: 



- " هل تراه أخذ بثأرنا؟… هل أخذ بثأرنا؟"
لم تكد نورة تصدق نفسها… عندما سمعته يتكلم… وهو محمول على كتفها… ويقول:
- " نعم يا أمي… لقد أحرقتهم"
خرجت دمعات حرًّى… من عيني نورة… وأنزلت أنور… في فراشها… إنه بخير… لكن الصدمة والفرحة… أفقدتاه وعيه… بعض الوقت.
انكبت الأم على ابنها… تُقبله… ومسحت نورة على رأسه… وهي تقول:
- " يا لك من بطل"
 وجاء ضياء… من هناك… لتوه استيقظ من النوم… كان يسأل :


-       " ما لذي حصل؟"
مرت دقائق… الجميع بين فرحة النجاة… وخوف أن يكون شيئا من أمرهم قد انكشف… لم تتمالك نورة قلقها… تذكرت شيئا.
قامت وخرجت من المنزل… انطلقت لمكان الحادث… ودخلت إلى البرميل… وأخذت البطارية… ثم سحبت السلك الدقيق… بهدوء… لقد كان سحبه سهلا من تحت الرمل… ثم عادت إلى المنزل.





الفصل الخامس والخمسون


1- بداية العذاب الشديد
الظلام دامس يخنق كل شيء… إلا أنفاس أولئك النائمين… في أقفاصهم… والوقت… قارب الارتكاز… على منتصف الليل… وكامل… نائم.
لم تكتمل نومة كامل… لقد جاء المحقق شخصيا… وجاء معه جنديان… دخل المحقق… وسكب شيئاً من الماء على كامل… استيقظ كامل فزعا… مسح المحقق على رأسه الأصلع… وقال :
- " حبيبي… لا تجزع… لقد حان موعدك مع الليلة… الليلة الحقيقية… وليلة الحقيقة… إنها الليلة الأهم… والأعظم… في سجون… قونتناموا عليك أن تتفضل معنا"
قام كامل في صحبة الجنديين… وبدا المسير.
خطوات منهكة… مع أنها لم تمش طويلا… ربما من ثقل القيد… وربما من ثقل الهم… والهم أحياناً… يكون أثقل من كل القيود.
وصل كامل… إلى غرفة التحقيق إنها تختلف عن الغرف الأخرى يوجد فيها عدد من القنانى وفيها بعض قطع الأثاث… كرسي للجلوس… قطعة سجاد.
قلّب كامل طرفه في تلك المفردات… ليس فيها ما يبين أنها أدوات عذاب رهيب… أو شيء مما كان يمكن أن يُتصور إعداده لعذابات الليلة الموعودة.
نظر كامل حوله… لم يكن المحقق موجودا… فقط… هنا ثلاثة جنود… قال أحدهم:
- " تفضل… اجلس "
شعر كامل بشيء من الاستقرار… إنه لم يسمع كلمه ( تفضل )… منذ دخوله هذا السجن… وبالفعل… سار نحو الكرسي… وجلس.
بقى الجنود جواره… لم يحدث أي شيء مستغرب سوى تغيب المحقق… حدتثكامل نفسه:
- " هل أصابه مكروه… أو أصيب بجلطةربما حينها… سأنجو من هموم… هذه الليلة "
لم يطل الوقت… ولم يصب المحقق بجلطة!… لقد دخل في تشفٍّ… وجلس على المقعد المقابل لكامل… وقال بهدوء:
- " هذه الليلة مختلفة… وفيها عذاب مختلف… ستنهار أمامه… وسيتولد من جرائه… عقد نفسية لا يمكن إزالتها… أبدا… وبعدها ستعترف لذا… أنصحك… أن تعترف "
خرج المحقق بدأ قلب كامل يرتجف… وعرقه يتفصد:
- " ما كل هذا التهديد… بدت المسألة جادة"
 في تلك الأثناء… طاش عقل كامل… في كل اتجاه… لقد توقع أن تخرج السكاكين من الجدار… لتُقطع لحمه… أو يصب عليه السقف… جردلاً من ماء النار… أو تشتعل النيران في المكان.
 مرت خمس دقائق… لم يحصل شيء من ذلك.
مرت ثلاث دقائق… ومن هناك… جاء المحقق مبتهجاً كان يحمل في يده كتابا.
نظر كامل للموقف… باستغراب:
-       " كتاب ما هذا الكتاب… هل هو كتاب السحر؟ "
توقف كامل عن التكهن… وقال له الضابط… عندما جلس على مقعد أمامه:
- " هنا مكمن العذاب… وهذا ما سيجعلك تعترف… دقق كامل النظر… قليلا… ليس ثمة شيء يدعو لتصور العذاب… أكمل المحقق :
- " هذا هو القرآن "
صمت المحقق قليلا… وكامل صامت أيضا… أعاد المحقق :
- " هذا هو القران… الكتاب الذي تقدسونه… انظر إليه "
نظر كامل للكتاب الذي في يد المحقق… في حين أكمل المحقق وهو يستعد للوقوف… ويفتح صفحات المصحف :
-       " سنجعل قلبك يتقطع… لما سنفعله بهذا الكتاب"
ألقى المحقق المصحف… مفتوحا على الأرض… وبدأ يدوسه بقدمه… ثم يفرك بحذائه الضخم… على الصفحات… التي سرعان ما تقطعت تحت حركات الحذاء… كان يضحك بصخب… ويتابع تقاسيم كامل.
لكن كامل لم يحرك ساكنا… ولم يتكلم بكلمة.
شعر المحقق… بشيء من الدهشة… لردة فعل كامل… لذا… حمل المصحف ثانية… وألقى به على الأرض… ثم بصق عليه.
الوضع بالنسبة لكامل… شبه اعتيادي… وكأن شيئا لم يكن… حدث نفسه:
- " وما المشكلة… كتاب يتم تمزيقه… المشكلة الحقيقية… في العذاب الذي توعدوني به… متى سينزلوه بي… ثم ما دخل هذا المصحف… بالعذاب؟… لماذا جاءوا به هنا أصلاً؟"
الغريب في الأمر… أن المحقق… لم يكن مرتاحاً لردة فعل كامل… لذا تركه… وانصرف… في حين دخل جنديان واقتادا كامل لزنزانته… أدخلوه فيها… وتركوه.



2- لماذا القرآن؟
اليوم التالي… تشرق شمسه… باهتمام… لتضيء للدنيا… طريقها… ثم تتدحرج للأمام… عازمة على قطع المسافة… بين المشرق والمغرب.… عل الدنيا… تقطع من عمرها… يوما كاملا.
وكامل… في زنزانته… نائم… تتوهج فوقه… أشعة الشمس… وتتوهج… وأخيرا… تجبره على التحرك… ثم الاستيقاظ.
 لقد بدا نشيطاً… سعيدا… بدرجة ما… ولم لا يكون سعيدا… وقد مرت تلك الليلة… دون أن يكون في جسمه أي جرح أو ألم.
مع وقت الظهيرة… جاء المحقق من هناك… ألقى نظرةً سريعة على كامل… كلها حقد وضغينة… ثم تركه وانصرف.
لكن تلك النظرة… جعلت كامل… يسند ظهره على إحدى الأعمدة الحديدية… في طرف قفصه… ويدخل في تأمل عميق… لقد سأل نفسه:
- " لماذا القرآن؟… لماذا القرآن بالذات؟… لماذا ألقى المحقق به على الأرض… أمام عيني… ثم داسه بحذائه؟… لقد كان يتشفى من أعماق قلبه… وهو يشعر… أن الأوراق تتمزق… تحت وقع الحذاء… هل تراه كان ينتظر مني عملاً ما؟… ثم إنه بصق على المصحف… لماذا فعل ذلك؟… هل يمكن… أن يكون… قد ظن أن إهانته للقرآن… إهانة لي؟ هـ… هـ… هـ… ولم هي إهانة لي ؟… يا لها من أحجية "



الفصل السادس والخمسون


1- القتلى
مع شروق الشمس… بأشعة ذهبية ساحرة… كان الأهالي مجتمعون… يرقبون من بعيد… ويتابعون بأعينهم… تلك المروحيات… التي تمشط المنطقة… ثم تنزل خلسة… لينزل منها عدد من الجنود… يُخرجون الجثث المتفحمة… من داخل الآليات.
لم ينجُ أحد من أولئك الجنود… الذين استُهدفوا في العملية… وكانت الحصيلة قرابة العشرين جنديا.
لم تخف الابتسامات… على وجوه الأفغان المجتمعين… إنهم يتحدثون بهمس… لقد أصبحت العملية الناجحة… ثأرا للعديد من الأسر الفقيرة… وقد أعادت لهم… شيئا من قيمتهم.



2- الأسطورة
مرت الأيام مسرعة… وسرت معها أخبار العملية… لتكون حديثا الغادي والرائح… على طول وادي (ميردان)… وعرضه… لقد أصبحت قصة نصب الكمين… أسطورة ترددها العجائز… وتضع لها أبعاداً مقدسة.
ومع كل ذلك… لم يكن لأحدٍ أن يعلم… أن هندسة العملية… خرجت من رأس امرأة… امرأة لها تاريخ خاص… وأفكار خاصة… وتجارب خاصة… امرأة… ليس لها في بلاد الأفغان… نعجة ولا حمل… وليس لها مع المحتل… تاريخ حافل بشيء… غير تاريخ التأييد والمناصرة… لكن كل شيء… يمكن أن يتغير… حتى ولاءات الناس وعقائدهم.



3- منظمات سرية
هي هي… تلك… الدكتورة نورة… بحجابها الأفغاني… تسير خلف الأغنام… وتهش بعصاها… وتنش… لكن ذهنها ليس مع هذه الأغنام… وإنما هو منهمك في اختلاق مواقع جديدة… واستراتيجيات جديدة… لتطوير عمل المقاومة.
إنه الطريق الذي لا رجعة فيه… وعليها أن تسلكه بكل حذر… لأن عناصر فشلها فيه… أكثر من عناصر نجاحها… خاصة وأنها تحارب قوى عظمى.
لكن نجاح عمليتها الأولى… بعث داخلها إصراراً وقوة… جعلها تطمح للمزيد.
إنها تطوف القرى… وترسم الخطط… وتحدد المواقع… وترصد التحركات… ولكن الأهم لديها… يكمن في كيفية العثور على عناصر بشرية… قادرة على العمل… مأمونة من الانجرار وراء العمالة.
لم يكن للدكتورة… أن تغامر في الاختيار… ولكن… انقدحت في ذهنها فكرة… ربما كانت فاعلة… تدور حول استقطاب بعض الشباب… الذين تعرضت أسرهم لمداهمة من الجنود الأمريكان… أو قصف… أو اعتقالات.
بدأت فكرة نورة تدخل حيز التنفيذ… واستعانت بضياء وأنور… وخلال شهر… كان لدى نورة… عدد من الشباب… المقتنعين تماما… بالانخراط في طريق المقاومة.
بدأت الدكتورة نورة… في تصميم خطة محكمة… للحفاظ على سرية كل شيء… لذا… قسّمت هؤلاء الشباب… إلى مجموعات صغيرة… منفصلة عن بعضها… لا يتجاوز تعداد أفراد كل مجموعة… أربعة شبان… وبدأت تجتمع بهم بطريقة منفصلة… بعيداً عن الأنظار… وكان الاجتماع… بالتنسيق مع ضياء وأنور… فهما بمثابة الشبكة الواصلة.
وتدور الاجتماعات في الغالب… في أماكن رعي الأغنام… حيث يحدد لكل مجموعة… وقتها… ويأتي الشبان بأغنامهم… إلى المكان الذي ترعى فيه نورة أغنامها.
 وفي تلك الاجتماعات… تدرس الدكتورة نورة إمكانيات الشباب… وقدراتهم… ومدى مواهبهم الفردية… وسرعان ما يتم تحديد النقطة الأقرب لمنازلهم… والتي يحتمل مرور آليات للمحتلين فيها… ويتم شرح طريقة الإعداد للعمل… بالقلم والورقة… وتطلب منهم بناء الجدار… في منطقة مناسبة… على مدخل إحدى القرى… ويتمم تثبيت البرميل فيه… وتذهب بنفسها لزيارة الموقع… وتتأكد من جهوزيته… ثم تعطيهم العبوة المتفجرة بأسلاكها… وبعد أن يزرعوها ليلاً… تحضر للموقع… للتّأكد من أن معالم العبوة مخفية تماما… بعدها… تعطيهم بطاريات التفجير… ويتم تحديد بداية موعد العمل… ويتناوب على المراقبة من داخل البرميل… أربعة أفراد… كل منهم يرابط داخل البرميل… ست ساعات.



4- عمل مستمر
هاهي هناك… منشغلة حتى أذنيها… إنها تقوم وتقعد… وتضع كميات محدودة… في قناني مدرَّجة… تم تضيفها لتراكيب معدة مسبقا… لقد أصبحت خبيرة عن جدارة… في صناعة وإعداد الكميات اللازمة… من المواد المتفجرة.
الدكتورة نورة… لقد أصبحت المجموعات المقاومة… المنتظمة في تنظيمها… منتشرة على امتداد قرى الوادي… واستمر العمل الجاد.
كل شيء على ما يرام… لم يبق سوى مرور العربات الأمريكية المحتلة… وبعدها… تُسمع الأخبار السارة.
أحست نورة بحاجتها الماسة… للراحة.
لقد بذلت الكثير من الوقت… في عملها هذا… لكنها غير نادمة… على ذلك الوقت… الذي بذلته… في بناء هذه المقاومة.
صحيح… لقد قضت وقتا طويلا… وربما كان سيساعدها… هذا الوقت… في العثور على ابنها وزوجها…. لو كان في البحث عنهم… ولكنها مع كل ذلك… سعيدة بانهماكها في عملها هذا… وهي تعطيه كل وقتها… عدا وقت النوم… الذي لا يجاوز ساعات قليلة.
بل ربما حلمت في نومها… بعملها هذا… أو أدركت ما غاب عنها… من وزن معادلة أو تركيبة… وهي نائمة… وربما قضت وقت ما قبل النوم… وهي في فراشها… في التجهيز الذهني لعمل ما.
نورة منسجمة أكبر انسجام… مع كل ما تفعله… ربما… لأنها تريد الخروج من حالة اليأس… التي راودتها… حيال عثورها على أسرتها… أو ربما… لأنها كانت ناقمة على حالها… وعلى حال ذلك المحتل… الذي وهبته في يوم ما… كل ثقتها.



5- خبر! … ربما سار
مرت بضعة أيام… الأمور تسير كما هي… لا توجد أي أخبار جديدة.
نورة جالسة في المنزل… لم تعد تذهب مع الأغنام… إلى الجبل… الأغنام الآن… جوار المنزل… ترعاها أم أنور… لقد انتهى العمل البدني بالنسبة لنورة… الكميات التي أعدتها من المتفجرات كافية… ومخزنة بطريقة صحيحة… وجميع المجندين لديها… يقومون بعملهم على أكمل وجه.
لكن نورة… مازالت… مشغولة البال… إنها تفكر في نجاح مخططها الجديد… هدفها الأكبر… يتبلور في إيقاع أكثر الخسائر… بالجيش المحتل… وليس لديها الآن… ما تفعله… سوى البقاء… والانتظار… وترقب الأخبار… لقد رصت جائزة كبيرة… للمجموعة التي ستنجح في مهمتها.
وفي المساء… دخلت نورة غرفتها… وصفّفت شعرها بسرعة… ثم جلست على سريرها… ومع مرور الوقت… دخلت في أفكار كثيرة… حول بعض الموضوعات… ثم قررت أن تخرج من أفكارها تلك… بالقراءة… مدت يدها… لتناول أحد الكتب… لكن طرقا على الباب… منعها من ذلك… قالت نورة للطارق:
- " تفضلي"
دخلت أم أنور… كان في يدها كوبا من الحليب المُحلَّى… مدته للدكتورة نورة… أخذته الدكتورة شاكرة… في حين جلست أم أنور قبالتها… وبدأ الحديث… حول قضيا كثيرة… منها… قضايا تتعلق بالمنزل… أو شراء بعض الحاجيات له… أو المزرعة الصغيرة… أو الماشية.
لم يطل الوقت… في أحاديث من هذا القبيل… لقد انتقل… إلى قضايا تتعلق بالمقاومة… ثم نظرت نورة إلى ساعتها… وقالت:


-       " معذرة لقد حان موعد نشرة الأخبار"
أدارت نورة المذياع… وبدأت تستمع نشرة الأخبار… وكان من بين الأخبار… ما تم إذاعته… عن قيام القوات المحتلة… بعمليات مسح… لمنطقة وادي (بيردان)… التي تتم فيها عمليات (للقاعدة… وبقايا طالبان).
 كان ذلك الخبر… سعيدا بالنسبة للدكتورة… لأن النقاط التي سيمر بها الجيش المحتل… حتما سيكون من بينها… تلك النقاط الملغومة… التي تم إعداد الكمائن فيها.



6- الحصاد
في الصباح الباكر… ومع انطلاق خيوط الشمس… أخذت الدكتورة نورة أغنامها… وانطلقت… لقد قررت أن تمر بالنقاط المعدة للكمائن… لترى ما حصل بها.
لم يطل طريق سير الدكتورة نورة… ها هي هناك… متجهة بهدوء وحذر… إلى النقطة الأولى… التي فيها الكمين الأول.
نظرت نورة نحوها… إنها كما هي… لا جديد فيها… بدا وأن جنود الاحتلال… لم يمروا بها…. شعرت نورة بشيء من الإحباط… وساقت أغنامها.
وعندما وصلت النقطة الثانية… طالعتها من بعد… الحال كالحال السابق… والنقطة كما هي… ليس فيها أي أثر… لعملية تفجير.
تابعت الدكتورة سيرها… وهناك… ها هي النقطة الثالثة… شعرت الدكتورة بسعادة شديدة… يا له من نجاح… عربة مدرعة محترقة… وقد أُجلي الجنود منها.
أكملت الدكتورة مسيرتها مع أغنامها… رأت نجاحا آخر… عربة جند مقلوبة… ومحترقة… استمرت خطوات الدكتورة… لقد مرت على جميع النقاط… وكانت النتائج مذهلة… لا تقل  العربات المدمرة… عن عشر عربات… وربما لا يقل عدد الجنود القتلى… عن أربعين.
عادت الدكتورة مع أغنامها… مساء.
وفي البيت… كان ضياء وأنور في استقبالها… وقصَّا لها كل ما حصل… ليلة البارحة… وقالت هي كل ما رأته.





الفصل السادس والخمسون


1- تداولات
 يسير عبر الممر… بسرعة… ثم يدخل الغرفة… ويتجه إلى المكتب.
يجلس على الكرسي… ويفتح جهاز الكمبيوتر… ويفتح ملفات عده… ثم يشغل أحد ملفات الفيديو… بعدها… يقفله… ويراجع قراءة أوراق أمامه.
لم يطل الوقت… ضغط على زرٍ أمامه… وطلب فنجان قهوة… ثم نظر للساعة في يده…. وعاد ليراجع قراءة ما أمامه.
وبعد ما يقارب العشر دقائق… قُرع الباب… وسمح للطارق بالدخول.


كان الداخل… هو الرائد… هنري بريف… قدم الرائد التحية العسكرية… في حين قال له الجنرال وايت ديفيد: 



- " اجلس "
مر قرابة الدقيقة… بعدها… قُرع الباب… ودخل ثلاثة نقباء… جلسوا…
ثم جاء العقيد توني لون.
قام الجنرال لاستقباله… وطلب من الجميع… على الطاولة المستديرة هناك… الوقوف للعقيد… ثم جلس الجميع.
سار الجنرال وايت نحو مكتبه… رفع السماعة… وطلب لهم ماءً وقهوة… وحمل فنجانه الموضوع على طرف المكتب… وجاء نحوهم… جلس…. ثم قال:
- " تابعوا هذه المقاطع… جيداً "
فتح جهاز البروجكتر… بمفتاح إلكتروني… وبدأ عرض ملف الفيديو… الذي يتناول أهم المقاطع… التي التُقطت لكامل… منذ أن تم القبض عليه… في كابول… وحتى الليلة… التي طلب منه فيها… إهانة المصحف… قال الجنرال:
- " هذه مقاطع متنوعة… ولكنها منتقاة… منتقاة بعناية… من جل خبراء التحقيق… وعلم النفس… والفراسة… أنتم تعلمون… لا يوجد دليل حسي… على تورطه في أي شيء… وهذا يعني أحد أمرين… إما أنه قيادي بارع… قادر على التخفي… أو أنه رجل جاء هنا… عن طريق الخطأ… بالتأكيد… وصلكم هذا الملف… ودرستموه جيدا… سنعيد استعراض الملف… وسننتهي إلى التوصيات… باعتبار كامل… معتقلاً خطراً… أو نفي هذه الصفة عنه… واعتباره معتقلاً عاديا… يسمح له بممارسة وضعه كمعتقل طبيعي… في قونتناموا"
 بدأت الصور تعرض… عبر البروجكتور… واستمر الجميع في المتابعة… بعضهم دوّن بعض الملاحظات… وبعضهم راجع أوراقا معه… حين مشاهدته مقاطع معينة… وبعد قرابة النصف ساعة… توقف العرض… وبدأ الجنرال بالقول :
- " السجل العام… لحياته… يجعلني مندهشاً… إنه دكتور… عاش طويلاً في أمريكا… عمل مدرساً في الجامعة… ثم تحول لرجل أعمال… ربما يكون إرهابيا… أو داعماً للقاعدة… وربما هو أبسط من ذلك "
رفع الرائد هنري يده مستأذناً بالكلام… ثم قال :
- " نحن في حالة حرب… وفي حالات الحرب… يجب أن يكون الشك… بنسبة… 99%… في كل أحد… وتكون الثقة… بنسبة… 1%… وحيث لم تثبت براءته… بنسبة 100% فيجب أن يستمر التحقيق معه… وبالطريقة الأخيرة… حتى يعترف  "
قال الجنرال بحيرة… وهو يهز رأسه :
- " وإن لم يعترف "
- " سيدي… مادمنا نشك فيه… يجب أن يستمر التحقيق معه… حتى الاعتراف… أو… أو الموت "
- " الموت! "
نظر الجنرال لأحد النقباء… وقال :
- " ما رأيك أنت ؟ "
- " سيدي… أنا قانوني… ونحن هنا في سجون قونتنامو… لا ملاحقة قانونية لسجين حربٍ… يموت في أي هذه الأقفاص… لسبب بسيط… هو أنهم جميعا خارج الأراضي الأمريكية… وخارج سلطة القانون الأمريكي"
- " ولكن… ما رأيك في إدانته؟ "
- " السجناء هنا… تماماً… كما هي الأفاعي… نعم… كما نضع الأفاعي في الأقفاص… بعضها سام… وبعضها غير سام… ولكن… ليس لديك طريقة لمعرفة السام منها… وغير السام… إلا أن تلدغك… عليك حينها… أن تحكم بأنها جميعاً سامة… وعليك ألا تطلق أياً منها لمجرد الظن "
- " والمختصر! "
- " أن يستمر التحقيق معه… حتى الاعتراف… أو الموت "
نظر الجنرال للعقيد توني… وقال :
- "  أنت دكتور مختص… في علم النفس… ما رأيك " ؟
- " سيدي… أكاد أشعر بدهشة… هناك شيء اسمه التحقيق… وهناك شيء اسمه الحقيقة… ولكن… أريد أن أذكّر الجميع… أن هناك شيئا… اسمه… سمعة أمريكا… وهناك إعلام أمريكي"
قال الجنرال:
" أصبحوا يمثلون لنا حرجاً كبيرا… وفي كلا الحالين… نحن خاسرون… إن أخرجناهم… فنحن خاسرون… لأن ذلك دليل على براءتهم… ودليل على أن اعتقالنا لهم… كان بطريق الخطأ… وإن أبقيناهم… فوسائل الإعلام… ستتسلى بالحديث عنا… كأرنب يتسلى على جزر… لقد وقعنا في الفخ … وأحلى الحلوين علقم ".
زفر الجنرال وليم زفرة طويلة… وقال :
" آه… لو كنا في العالم الثالث… لأطبقنا عليهم أخشاب التابوت… وكما قيل… لا يعلم عنهم أحد… حتى الذباب الأزرق… ولكن… الدساتير هنا تطاردنا"
- " هذا ما سبقتنا فيه دول العالم الثالث… هـ… هـ… هـ… "
- " لم لا نتعلم منهم؟… وهل في العلم عيب؟"
- " لو كنت مكان الرئيس… لقررت استيراد خبراء… يعلموننا أحدث الطرق… لإخفاء من تثبت براءته"
- " هـ… هـ… هـ… على كل حال… المشكلة ليست في المعتقلين الشرقيين… المشكلة كل المشكلة… في أولئك الذين يحملون الجنسيات الأوروبية… بريطانيون… فرنسيون… ألمان… أمريكان ".
- " بالطبع… بالطبع… ستأكلنا وسائل الإعلام… كلما تمادينا في إبقائهم… هؤلاء نحتاج إلى استنفار… من أجل تبرير اعتقالهم… ثم إخراجهم"



2- فشل ذريع
القاعة الرخامية الكبيرة… ذات الأضواء الصارخة… وأشجار ظل موضوعة بعناية فائقة… في الزوايا… وجوار المداخل… ورائحة عطورات قوية.
الجو يبدو رسميا للغاية… ورجال ونساء… يسيرون جيئة وذهابا… خطواتهم شبه محسوبة… ويحملون حقائب صغيرة… يفتحونها… ويخرجون منها أوراقاً أو ملفات… تتم مراجعتها بسرعة.
وبعد نصف ساعة تقريبا… توقف الحديث… لجرسٍ قُرع… ودخل رجال الفندق… بزيهم الخاص… بكل انتظام… وبدؤوا بتوزيع قطع الكيك… وبعض المشروبات… على الطاولة المستديرة… التي يلتم حولها كل أولئك الأشخاص المهمون… ومع مرور الوقت… بدأ جو العمل بالنشاط… أكثر فأكثر.
 الكل يترقب… وحين حلت عقارب الساعة العصفورية الثمينة… المعلقة في الجدار المقابل للشرفة الشرقية… على الحادية عشرة صباحا… بدأت السيارات ذات الطابع الرسمي تتوافد… وتوقفت تباعاً.
بدأ الضيوف البارزون… في النزول… إنهم متأنقون جدا… ويتابعون خطواتهم المتسارعة… خشية رصد عدسات الكاميرات… بعضهم كهول… وبعضهم شباب… ويوجد من بينهم بعض السيدات… ومع دخول تلك الوجوه… القاعة… أضيئت أنوار معينة… بطريقة بروتوكولية… بهدف استقبالهم… وكل منهم استقبله مدير أعماله الخاص… الذي كان من قبل… جالسا هناك.
 تبدو الترتيبات متكاملة… نظرات رسمية… وتحيات باردة… تبادلها الحضور.
وبدء الضيوف الرئيسون… الجلوس في مقاعدهم المعدة بعناية.
وبعد ثلاث دقائق بالضبط… يتقدم نحو المايكروفون… ويبدوا التقطيب مرتسماً على محياه… يبتلع ريقه… يتنحنح… ثم يهم بالحديث… ويقرب من المايكروفون… ولكن… سرعان ما يرجع للخلف قليلا… ثم يتناول قنينة ماء… يفتحها… ثم يشرب… ثم يقفلها… ويضعها على الطاولة… ثم يتقدم نحو المايكروفون… ويقول:
- " لم تكن الأمور مثمرة كما كنا نتوقع… لقد شربنا من الكأس الفارغة… كنا نحسبها مليئة بعصير التوت… لكننا شربنا فيها المر… وتقطعت أقدامنا في الجبال الوعرة… وكل جهودنا باءت بفشل كبير… ها أنا أقولها لكم… وبكل وضوح… بحر قزوين… فخ وقعنا فيه… كذب علينا العلماء… أو لم يكذبوا… ولكنهم قالوا كلاما مجانباً للصواب… قالوا إن منطقة قزوين… مليئة بالنفط… أشبه بخليج آخر… ولكن… عند التنقيب… خرج لنا التراب… والتراب… والتراب… ولم نجد ما كنا نحسب أن نجدة"
تراجع للخلف قليلا… ثم أكمل:
- " أرجو سماع آرائكم"
هناك… في طرف الطاولة المستديرة… يلبس نظارته… ويفتح أوراقاً أمامه… ليس مستعجلاً على الحديث… يقول بهدوء:
- "هذه الأوراق… وصلتني منذ أسبوعين… وبالتأكيد… وصلتكم جميعا… ملخصها… أنه لا بترول… هذا لا يهم… المهم… ألاّ ننهزم… لم نجد الوقود… وماذا في الأمر؟… يجب… ألاّ يعني هذا… أن نفقد أنفسنا… بالتأكيد… كان هناك عدد من المستفيدين من الحرب ضد طالبان… داخل الحكومة الأمريكية… وكان يغرينا بصناعة الحرب… ويغرينا بالنفط… ولكن… لا مشكلة… ستستمر المحاولة… علينا ألا نيأس… وعلينا أن نبحث في أماكن أخرى… شكراً"
شاب في الثانية والأربعين… متأنق… غضوب… قال بصوت قوي وسريع… بعد أن تقدم نحو المايكرفون:
- " تابعوا عبر شاشات الكمبيوتر لديكم… انظروا… نحن… عندما غامرنا… وذهبنا ننقب عن البترول… في الجبال… كنا دون عقول… إنها جريمة… جريمة قمنا بها تجاه أنفسنا… وعلينا الآن… أن نصحح الخطأ"
عاد للخلف قليلا… ثم أكمل:


-       " أنظروا معي جيداً… في هذا الجزء من الخريطة… هنا… هنا البترول… هنا… في العراق"
ترك النظر للخريطة… وعاد ليتحدث وهو ينظر إليهم:
- "  أصدقائي… من الجنون… البحث عن الوهم… وترك الحقيقة… لو أن عقلاً يعمل بشكل جيد… في رؤوس أولئك المتسارعين… في التخطيط للحرب ضد أفغانستان…  لانحرفت دفة الحرب قليلا… لتتجه نحو العراق… وأنا أسأل… لماذا بدأنا من النقطة الخطأ… واتجهنا لأفغانستان… ولم تكن الوجهة إلى العراق… ستقولون في شعور بالذكاء… لا يوجد مبرر لغزو العراق… وأنا أقول… ولم يكن هناك مبرراً لغزو أفغانستان… وقمنا بصناعة المبرر… وحاربنا… لو أننا صنعنا مبرراً من جنس آخر… يتيح لنا حرب العراق… لما كان ذلك صعبا… أبدا… ولكُنَّا الآن… نرتع في النعيم… بدلاً من الاستشراف من خلف تلك الجبال… نحو لا شيء … شكراً"
قامت الدكتورة… وقالت :
- " نشعر بخيبة الأمل… أُدرك ذلك جيدا… ولكن… علينا أن نوجه كل طاقتنا الآن… لفتح حرب جديدة… هذا هو المنطق… مادامت الحرب… قد بدأت… فلتكن الحرب… الحرب إلى النهاية… المرشح الأساسي… في حربنا الجديدة… هو العراق… لست أدري… لمَ لمْ يكن الأمر من البدء… ولكنه خطأ في التقدير… علينا ألاّ نشعر بالإحباط… شكراً".
قام الجنرال… وقال :


-    " كل شيء جاهز لخوض الحرب… العراق سوف تكون المحطة التالية… والشعار فيها قوي لحد كبير… الحرب لنزع أسلحة الدمار الشامل… أو… هكذا سيكون اسمها… سيكون العراق لقمة سهلة… عندما نقنع العالم… أنه يمتلك أسلحة دمار شامل… وسنخوض الحرب… علينا أن نجد عملاء عراقيين… يثبتون للعالم… امتلاك العراق أسلحة دمار شامل… وسنخوّف الجميع من العراق… ثم نخوض الحرب… ثم نفتحها حرباً واسعة… على كل المنطقة… وبالمبرر ذاته… إيران… سوريا… الجميع … شكراً"



الفصل السابع والخمسون


1- عمل جاد
ها هي الأيام تمضي… نورة جالسة في غرفتها… ترسم وتدوِّن… وتشعر بامتلاكها معنويات عالية… لقد منحتها نجاحاتها… في العمليات السابقة… قدرة فولاذية… وقررت الاستمرار في عملها.
القضية الكبرى… التي تشغل تفكير نورة… تكمن في كيفية زيادة عدد التابعين لتنظيمها… ولكن… قبل العمل في ذلك… إنها تحتاج لتصنيع المزيد من الألغام… لتخزينها.
قررت نورة أن تستأنف عملها في تصنيع الألغام… بعزيمة فولاذية… وبجهد مضاعف.
وفي صباح اليوم التالي…عادت نورة إلى كهفها… ومعها أغنامها… دخلت الكهف… وبدأت العمل الجاد.


لم تعد عملية التصنيع… بالعملية الصعبة… على الدكتورة… لأنها الآن… تعرف العناصر التي تحتاجها… وتعرف طريقة الحصول عليها… وتعرف المركبات… وتعرف طريقة إعدادها… وتعرف الكميات المناسبة…. والمقادير… ولديها من الأدوات والأجهزة… ما يساعدها في كل ذلك . 





مازال لدى نورة من المواد الخام… ما يكفي لصناعة ترسانة كبيرة… وقد تم تخزينها بشكل علمي. 



استمر الحال… قرابة الأسبوعين… العمل متواصل… والإنتاجية عالية.
تبادر لذهن الدكتورة نورة… فكرة مهمة… خاصة وأنها الآن… تعمل في تجهيز كميات كبيرة… من المتفجرات… وتتبلور الفكرة… في كون تخزين هذه الكميات… في مكان واحد… قد يعرضها للخطر… خاصة مع احتمال وقوع أي أفراد المجموعة المقاومة… في يد المحتل… لذا… قررت نورة… أن توزع المتفجرات… التي سيتم تجهيزها… في أماكن عدة… وفي كهوف متباعدة… في تلك الجبال.



2- كهوف جديدة
ها هي نورة… تقطع الجبال… جيئة وذهابا… مع أغنامها… ليس لأنها ترعى الأغنام… كلا… ولكنها  تبحث عن أماكن مناسبة… للتخزين.
لقد كانت نورة تقوم بعملية البحث… بمفردها… دون علم أحد… حتى أنور وضياء… لم تكن تخبرهم بهذه الاستراتيجة الجديدة… وبعد أيام… تم تحديد عدد من الكهوف… في أماكن متفرقة… وهي صالحة لعملية التخزين.
وفي غرفتها… ومع حلول الليل…. الدكتورة نورة… تحتسي الحليب الساخن… وترسم مخططا دقيقا… لأماكن الكهوف… ثم تمد يدها لتتناول قطعة من حلوى أفغانية.
انتهت نورة من مخططاتها تلك… ثم قامت… وسارت نحو المطبخ الصغير.. كانت أم أنور… تعد العشاء… قدمت نورة قليلا من المساعدة… ثم اجتمع الجميع… على المائدة… بعد ربع ساعة.
 ومع الصباح… كان العمل جاداً… من قبل الدكتورة نورة… لقد ذهبت بأغنامها… إلى الكهف… الذي تم تصنيع المتفجرات بداخلة.
بدأت نورة… تُدخل بعض الأغنام.. داخل الكهف… ثم تأخذ كميات من المتفجرات… وتربطها في الأغنام… من جهة أثدائها.
لم تطل العملية… لقد حمّلت قرابة العشر شِياه… بكمية مناسبة.
بعد ذلك… خرجت نورة والشياه… واتجهوا نحو الموقع الأول… للتخزين.
 لقد كانت رؤية الدكتورة نورة… تنصب في نقل المتفجرات… بكميات قليلة… وفي أوقات متباعدة.
استمرت العملية قرابة الشهر… وتم إخفاء معالم المتفجرات… داخل الأنفاق الجديدة… وشعرت نورة بنجاح مهمتها.
نورة خلال عملها ذاك… تتابع أخبار عمليات المقاومين… إنها تجد خبراً أو خبرين… كل أسبوع… عن نجاح أحد مقاوميها… في تفجير مدرعة أو حاملة جند… وتسعد لذلك كل سعادة.
لقد أصبح أفراد تنظيمها… متمكنون من عملهم… وهم مكمن الثقة… ويستطيعون بجدارة… تنفيذ عملياتهم… ثم إخفاء كل ما يمكن أن يوصل إليهم… فهم يسحبون الأسلاك… ويحملون البطاريات… ويلوذون بالفرار… وهذا ما يزيد من عزيمتها وإصرارها على الاستمرار.
ولكن… ما يشغل بالها الآن… هو أن تضع المخطط الورقي… الذي رسمته لتلك الكهوف… في مكان آمن… لا يعرفه سواها… وفي حال موتها… أو وقوعها في يد المحتل… سيتم إبلاغ بعض المقاومين… بأماكن الألغام… بطريقة آمنة… كي تستمر العمليات… ولا تتأثر.
  بدأت نورة… في الأيام اللاحقة… مهمة البحث… عن متطوعين للعمل… إنها مهمة خطرة للغاية… خاصة مع وجود مبالغ كبيرة… رصدها المحتل… لكل من يبلّغ عن المقاومين… وبعد جهد متضافر… من أطراف عدة… تم لنورة… ما أرادت.



3- قنص البراميل
خرجت من منزلها… في الصباح الباكر… واتجهت إلى وادي (بيردان)… الذي لا يبعد كثيرا عن المنزل… إنها مشغولة في هذه الأيام… بجهود التدريب والتأهيل… لتلك المجموعات الجديدة… التي انتظمت في منظمتها حديثا… وبعد أن أكملت تدريبات ذلك اليوم… اتجهت إلى شجرةٍ هناك… لها ظل كبير… فرشت نورة بساطا صغيرا… أخرجته من حقيبتها… ثم جلست علية… وأخرجت الراديو الصغير… واستمعت لنشرة الأخبار.
كان أحد التقارير المذاعة… يتحدث عن دراسة أسباب ازدياد الأعمال (الإرهابية)… وأن عددا من المستشارين العسكريين… درسوا مقومات العمليات المتزايدة… ضد الجنود والآليات العسكرية… وأوصوا بضرورة اتخاذ المزيد من الحيطة.
سمعت نورة الخبر… بدت مرتبكة… لم تتمالك نفسها… لذا… استأذنت في الانصراف… وأوصت الشباب… بأن ينصرفوا… وأخبرتهم أنها متعبة قليلا.
سارت نورة نحو المنزل… مسرعة… وعندما وصلت… كانت نبضات قلبها مرتفعة… وكانت الدنيا ضيقة في صدرها… لم تشأ أن تدخل المنزل… وإنما آثرت أن تجلس في العراء… تحت ظل الشجرة العملاقة.
وفي أثناء انشغالها بالتفكير… جاء من هناك… أحد الشباب… كان مسرعا… متجها إلى منزلهم… وكان يلهث… وعندما وصل… رآها تحت الشجرة… انطلق نحوها… وألقى السلام… ثم جلس… ونظر يمنة ويسرة… ثم قال:


-       " هناك خبر سيء"
بدأت نورة ترتجف… ثم قالت:


-       " ما الأمر"


-       " الجنود… المحتلون… يستهدفون البراميل"
- " ماذا؟"
- " كنت ذاهبا لاستلام نوبتي… من صديقي رشيد… ولكنني فجأة… سمعت إطلاق قذيفة… دققت النظر… وإذا بالبرميل يحترق"


طأطأت نورة رأسها… في حزن… ثم قالت: 



- " هذا ما لم نحسب حسابه… الأمريكان… لقد اكتشفوا أن البراميل… هي مكمن الخطر… أو ربما… توقعوا ذلك… ماذا حصل لرشيد؟"
ابتسم الشاب… وقال:


-       " من حسن حظه… حينها… لقد خرج للخلاء… ونجا"
بدأت نورة تنظر يمنة ويسرة… عضّت على شفتها… ثم قالت:


-       " هيا… علينا أن ننذر الجميع… البراميل لم تعد آمنة… انتظرني هنا"
تغيبت نورة قليلا في الداخل… ثم خرجت وهي تحمل عدة أوراق… قالت :
- " الوقت ليس لصالحنا… هذه الأوراق… فيها مخطط يخبرك بأماكن البراميل… التي فيها المقاومون الآخرون… ليست كل البراميل كمائن… نحن وضعنا عددا من البراميل الفارغة… في أماكن كثيرة… للتمويه… اذهب لهذه الأماكن… بالذات… وقل لكل واحد ممن بدخلها… أن يخرج… من البرميل… وينذر بقية الأشخاص… الذين لديه في المجموعة… وأنا… سأنذر البقية"
انطلق الشاب… وانطلقت نورة… كان بال نورة… مشغولاً جدا… إنها تفكر في أنور… لأن تلك الفترة… هي فترة نوبته… للبقاء داخل البرميل.
سارت نورة بخطوات سريعة… ومرتبكة… وبقيت تحدث نفسها:
-" هل أصابه مكروه… يا ترى؟"
وأخيرا… ها هو المكان… الذي يجلس فيه أنور… وتلك هي النيران… تشتعل في البرميل.


أغمضت نورة عينيها… كادت تسقط… من هول الفاجعة… ولكنها تمالكت نفسها… وتقدمت… أطلت على البرميل… لم تر شيئا… ربما احرق الصبي… عادت نورة للخلف… قليلا… ومن هناك… أقبل أنور متخفيا… فاجأها دون أن تعلم… بقوله: 





-       " هاي… أنا هنا"
نظرت نورة نحوه… لم تكن لتتمالك نفسها… سارت جرياً… حتى أمسكت بيده… ثم قالت :


-       " أنور… هل أنت بخير؟"


-       " الحمد لله… كما ترين… لقد نجوت بأعجوبة"


-       " كيف… ألم تكن في البرميل؟"


-    " الحقيقة… رأيتهم يطلقون النار على البرميل الذي هناك… إنه برميل فارغ… للتمويه… وعلمت حينها… عن نيتهم قصف البراميل… فخرجت من البرميل"


زفرت نورة… زفرة ارتياح… ثم قالت: 



- " علينا تنبيه جميع الأفراد"


-       " اطمئني… لقد قمت بذلك… كل أصدقائي أخبرتهم"


-       " أحسنت… ولكن… هناك آخرون… لا تعرفهم أنت"


-       " ماذا!… من هم؟"


-       " لا عليك الآن… خذ هذا المخطط… بمواقعهم… وسأخبرك لاحقا… بكل شيء"


       





الفصل الثامن والخمسون


1- وجبة مرعبة
مع المساء… كان قفص كامل… يُفتح بهدوء… ومع انفتاح الباب… بدأت رائحة العشاء… تعبث بمنخري كامل.
وتبدو وجبة دسمة… تلك التي يحملها الجندي.
وضع الجندي الطبق… أمام كامل.
إنها بالفعل… وجبة من اللحم والرز… وإدام القرع.
انقبض قلب كامل… حين رأى هذه الوجبة… لقد تذكر تلك الوجبة… التي تناولها… ولم يكن الهدف من وضعها له… إلا أن تستخدم في عقابه… لقد كانت ليلة قاسية.
أشاح كامل قليلاً عن الطعام… ولكن… قال له الجندي :
- " هيا… كل "
لم يُجِب كامل… استمر في صمته.
وبعد لحظات… تقدم الجندي نحوه… ثم لطمه على وجهه… ثم قال:
- " كل… عليك أن تأكل… بدل أن تُضرب "
سلّم كامل للأمر الواقع… وهو يحدث نفسه:
- " قد يكون في الأمر خطة ما… ضدي… ولكن… لا سبيل… عليّ أن آكل"
بدأ كامل في تناول الوجبة… تناول جزءاً منها… ثم توقف.
وكزه الجندي بقدمه… وقال :
- " عليك أن تكمل هذا الطبق… تكمله بكل ما يحوي "
نظر كامل للجندي شزرا… ثم طأطأ رأسه… واستأنف الأكل.
وبعد دقائق… كان الطعام قد انتهى.
أسند كامل ظهره على أحد أعمدة القفص… ودخل في تفكير طويل.



2- أوراق مقدسة
اقترب الوقت من منتصف الليل… كامل في فراشه… لم يجد النوم طريقاً إلى عينيه… إنه يعلم… أن أحداً سيأتيه بعد دقائق… ليقتاده.
لم يطل الوقت… ها هو السجان… يفتح الباب… ثم يقول:
- " قم "
قام كامل… ليس لديه حيلة… والمعاندة لا تفيد.
بعد لحظات… كان في استقبال كامل… عند باب القفص… جنديان… أمسكا يديه… ثم اقتاداه إلى الغرفة ذاتها… التي كان فيها بالأمس.
دخل كامل… وسار قليلا… ثم قال له الجندي :
- " اجلس "
جلس كامل… ولم يطل الوقت… لقد جاء المحقق.
نظر المحقق إلى كامل… ثم نظر إلى الجنديين… وقال :
- "اربطا يديه في السقف "
كامل مسلِّم للأمر الواقع.
أمسك الجنديان يديه… وربطاهما في السلسلة المتدلية من البكرة في السقف… ثم قال المحقق للجندين:
- " اخلعا ملابسه "
أغمض كامل عينيه في هدوء… لم يعد الأمر ذا بال بالنسبة له… ولم يقاوم… ولم يشأ.
وبعد دقائق أصبح كامل عرياناً تماما.
في تلك الأثناء… كانت التعليقات النابية… تنبعث من أفواه الجنود… ولكن كامل… تجاهلهم تماما.
مر الوقت… وبعد قرابة النصف ساعة… شعر كامل بمغص في بطنه… إن أمعاءه تتلوى… وهو في حاجة ماسة للذهاب للخلاء… ولكنه مقيد هنا… لهذا السبب.
بدأ كامل… في استجداء الجنود… بالصراخ… وطلب السماح له بالذهاب للخلاء… ولكن دون فائدة.
استمر الاستجداء… واستمر… ولكن دون فائدة.
بعدها… لم يستطع كامل التحمل… فانهار.
بعد دقائق… دخل المحقق… لقد وضع كمامات على أنفه… ضغط الزر في الجدار… ودارت البكرة في السقف… ونزلت يدا كامل… شيئاً فشيئا… ثم انفكت قيوده من السلسلة المدلاة في السقف… بعدها قال المحقق:
- " قذر… متعفن… ولكن… لا مشكلة… ستعلم الآن كيف يجب عليك أن تتحدث… وتقول كل ما لديك "
لم يتحدث كامل… في حين أخرج المحقق المصحف… وبدأ يقلب في أوراقه… ثم رماه على كامل.
لم يحدث من كامل أي ردة فعل… هز المحقق رأسه… وقال :
-" هيا… هيا… ضع القذارات… على هذا الكتاب… هيا "
لم يتحرك كامل… ولم ينبس ببنت شفة… صرخ المحقق في وجهه :
-" هيا… ضع القذارات على هذا… القرآن… هيا "
أدار كامل عينيه… نظر لعيني المحقق… ونظر للمصحف الملقى على الأرض… ونظر للقذارة… وابتلع ريقه في حسرة… ولم يتحرك.
في حين… نظر المحقق للجندي… وقال :
- " اجلده بالسوط "
تقدم الجندي قليلا… ومد السوط… وبدأ يضرب كامل… على ظهره… استمر الضرب… واستمر صراخ كامل… ثم أشار المحقق بيده للجندي… كي يتوقف عن الضرب.
توقف الجلد… وصرخ المحقق:
- " هيا… ضع القذارة على الكتاب "
ألقى كامل بنظرات نارية… نحو المحقق… لقد شعر أن قوة تنفجر في أعماقه… صرخ بكل قوته… في وجه المحقق :
- " أنت سافل… حقير… لا تساوي حتى القذارة التي عند قدمي"
قال المحقق في غضب:
- " ماذا تقول؟… أنت… تريد أن أقطّع بدنك بالسياط "
نظر المحقق للجندي… وقال :
- " اجلده "
عاد الجلد من جديد… ليكون سيد الموقف… وعاد المحقق… ليردد :
- " هل… ستستجيب؟… أم… يستمر الجلد؟ "


قلب كامل يغلي… وظهره يكاد يحترق… من أثر الجلد… لكنّ للأحداث أمامه… معانٍ مختلفة… وصوراً مغايرة… مغايرة تماما… لتلك التي كانت من قبل… ألقى كامل بصره للمصحف… الملقى… شعر برهبة شديدة… بعدها… قال… ودموعه تتدحرج على خديه: 



- " أشهد أن لا إله إلا الله… وأشهد أن محمداً رسول الله… والله لن أستسلم لجبروتكم… حتى ولو قطعتموني إرباً"
صمت المشهد… وبقت السياط… تتحدث… واستمرت… واستمرت… حتى وقع كامل… مغشياً عليه.



3- الخروج من الغضب
تتحرك عيناه بهدوء… ثم يفيق.
لقد مرت ثلاث ساعات… منذ دخول كامل… حالة الإغماء… ومازال مكانه.
رائحة المكان كريهة… والقذارة تحيط بكل شيء.
ومن هناك… تحرك الجندي… الذي كان يتابع المشهد… وجاء نحوه… وعندما وصل إليه… قال:
- " خذ الماء… الذي بجوارك… واغسل الغرفة… واغسل نفسك "
تحرك كامل بصعوبة… وبدأ يدرك أنه عريان.
قام… وأخذ جردل الماء… وبدأ يغسل الأرضية… ولكنه توقف فجأة… لقد رأى أرواق المصحف… منثرة هنا وهناك…. توقف عن العمل… وحمل الأوراق… وغسلها… ووضعها هناك… في مكان منزوٍ.
ثم عاد… ليدفع الماء… نحو فتحة تصريف صغيرة… ثم اغتسل… وتناول الملابس المعلقة هناك… ولبسها… وبقى واقفاً مكانه.
مرت دقائق… بعدها… جاءه السجان… واصطحبه إلى زنزانته.



الفصل الثامن والخمسون


1- اتجاه آخر
الدكتورة نورة… نائمة في سريرها… لكن عينيها… لم تجدا طعما للنوم… إنها تفكر… في أشياء كثيرة.
ولكن… عليها أن تغير نظرتها للمقاومة… لقد كادت بخططها تلك… تودي بأرواح العديد من الشباب.
زفرت زفرة طويلة… وحدثت نفسها:
- " هذا ليس عملي… وليس اختصاصي… وقد يكون متناقضا مع شخصيتي… أشياء لم أتعلمها… قط… المقاومة… وما لي والمقاومة… إنا امرأة… وعالمة… قد تجرني أعمالي هذه… للإيذاء بأولئك الشباب… الصغار… الذين وظفتهم لخدمة أفكاري… هل من حقي أن أقنعهم… بأعمال كهذه؟… قد يكون فيها موتهم… إنهم مازالوا صغارا… لقد استخدمت فيهم حقدهم على المحتل… ورغبتهم في الثأر… ولكن.. هل أنا محقة في ذلك؟ "
طالت أفكار نورة… وطالت… وانغمست أخيراً في نومها.
في صباح اليوم التالي… مازالت نورة… مع شروق الشمس… مشغولة بالتفكير… وأخيرا… وصلت إلى القرار:


-    " لم يعد هناك خيار… عليّ أن أترك المقاومة… للمقاومين… وأن أتفرغ… لطبيعتي… القديمة… أنا… الدكتورة نورة… المتعقلة… في كل شيء… أدرس الأمور… دائما… بكل حنكة وحكمة… بعيداً عن الدماء والعنف"
نكست نورة رأسها… ثم أكملت… وهي تضع يدها على جبينها:


-       " عليَّ أن أحل التنظيم… الذي شكلته… بالكامل"
قامت نورة… وبدأت تسير وتفكر… ثم أكملت:
- " ولكن… لن يضيع عملي سُدى… سأبقى مع المقاومين… سأدعمهم… إنهم في حاجة المتفجرات… نعم… سأدعمهم بالمتفجرات… وسأقدم مخططا… بمواقع الكهوف… لتي تم تخزين المتفجرات… بداخلها… سأقدمها… لأحد المجاهدين الكبار… وليتصرف فيها… بطريقته… لن أتحمل نفسي… أبدا… لو قُتل أي هؤلاء الأطفال… وهو ينفذ عمليات خططت لها أنا… لقد مرت المرحلة السابقة… بسلام… عليّ ألاَّ اكرر التجربة… لن أغفر لنفسي أبدا… لو قتل أي منهم… وعلي أن أعود… وأشغل بالي… بعملي… كأستاذة جامعية… وتلك المهمة البحثية… التي باءت بالفشل الذريع… وإجازتي البحثية… التي قاربت على الانتهاء"
 زفرت الدكتورة نورة… من أعماقها… وراودها وهي تنظر للأفق… خيط قصير من أمل… في العثور على زوجها أو ابنها.
بقيت نورة تسير… ثم وقفت… وحدثت نفسها:
- " سأترك هذا البلد… ولكن… مغادرتي له… تعني انتهاء الأمل… في أن أجد زوجي وابني "



2- نقل الخبرات
في صباح اليوم التالي… الجميع مجتمعون… حول الفطور… أصناف معتادة… لبن… خبز… جبن… بيض… خضروات… الجميع يشعر بشيء من هدوء… وعندما انتهى الطعام… قامت الأم للمطبخ… في حين قالت نورة… لأنور وضياء:


-       "اتبعاني"
سارت نورة نحو غرفتها… وفي الداخل… جلست… وجلس أنور وضياء أمامها… وقالت لهما:


-    " اسمعاني جيدا… لقد فكرت تفكيراً آخر… أنور وضياء… عليكما أن تبلغا التابعين في التنظيم… بتوقف العمليات… كلياً… حتى موعد آخر"
قال أنور… في دهشة:


-       " لم؟"


-       "هناك ترتيبات أخرى… المحتل اكتشف خطة البراميل… علينا أن نسبق تفكيره"
نظر أنور لضياء… ثم نظر لنورة بإعجاب… وقالا سويا:


-        " صدقت"


-       " إذن… عليكما أن تذهبا الآن… هذه أسماء الشباب… أخبروهم واحدا واحدا… في أسرع وقت"
قام الصبيان… وخرجا.

قامت نورة أيضا… حملت حقيبتها… ولفت حجابها… وخرجت.
لم يطل الوقت… ها هي تطرق الباب… على أحد المجاهدين… الذين قدّموا لها الدعم… من قبل… وساعدوها في الحصول على بعض العناصر المفجرة… فُتح الباب… رحب الرجل بها… ولكنه قال :


-       " المعذرة… زوجتي غير موجودة… هنا… في المنزل… يمكننا الحديث هناك… تحت الشجرة"
هزت نورة رأسها موافقة… ثم سارا سويا… وجلسا على كرسيين قديمين… تحت الشجرة.
فتحت نورة حقيبة يدها… القماشية… وأخرجت منها عددا من الأوراق… ناولتها إياه… وقالت:


-    " هذه أمانة… وهذا جهد وتعب… أمضيت فيه قرابة العام… إنه مخطط بمواقع المتفجرات… التي صنعتها… وفي أحد الكهوف… توضيح دقيق… لطريقة صناعتها"
شعر الرجل بشيء من الدهشة… وقال:


-       " لم كل هذا… لقد نجحت كثيرا"


-    " أريد أن أبقى ناجحة… وأريد أن أترك العمل… وأنا ناجحة… ثم إني الآن… كوني امرأة… أريد أن أتفرغ للعمل في إغاثة الناس… وأنا لا أجد نفسي قادرة على المواصلة… في العمليات الحربية"
تفهم القائد رأيها… ووعدها أن يدعم مشروعها… وأن يطوره… ودعا لها بالتوفيق.
عادت نورة إلى المنزل… وأكملت تلك الليلة… مع أم أنور وابنيها.



3- قرار الرحيل
في صباح اليوم التالي… قامت الدكتورة نورة باكراً… بدأت في إعداد حقائبها… لم يطل الوقت… ليس لديها كثير من أغراض… أنهت إعداد أغراضها… خلال ساعة… ثم ذهبت للمطبخ… وبدأت في إعداد الفطور.
وجاءت أم أنور… من هناك… وعزمت على نورة… أن تعود للجلوس… فهي من سيعد الفطور.
أعدت أم أنور الفطور… واستيقظ أنور وأخوه… وذهبا للصلاة في المسجد… وعندما رجعا… كان الفطور معداً على المائدة.
اجتمع الجميع على مائدة الفطور… ومع أول لقيماته… قالت نورة:


-       " لدي سفر هذا اليوم"
قالت أم أنور في دهشة:


-       " سفر… وتتركينا!"


-       " لا تقلقي… لن أتأخر… سأتغيب مدة شهر… ثم أعود إليكم"


-       " شهر.. شهر كامل… هذا كثير"
ابتسمت الدكتورة نورة… وقالت:
- " أشكرك على مشاعرك"
- " صدقيني… أنت تماما كأختي… ولا أتصور أبدا فراقك "
- " اطمئني… سنلتقي على خير "
في حين قال أنور:


-       " سأذهب معك… ربما احتجت مساعدة"


-       " كلا… كلا… عليك أن تهتم بوالدتك"


انتهى الجميع من تناول إفطارهم… كان خبر الرحيل المفاجئ… سيئا بالنسبة لهم جميعا… ولكن خفف الوطأة… أنها ستعود بعد شهر. 



اتجهت نورة إلى غرفتها… وسحبت حقيبتها… وودعتهم… ثم خرجت.
كان وداعهم لها حزينا… وعند الفراق… امتزجت الدموع بالدموع.
انطلقت نورة… وهي تحمل حقيبتها… الكبيرة نوعا ما… وحقيبة يدها… ووصلت إلى موقف الحافلات… ومن هناك… ركبت إحدى الحافلات…. نحو باكستان.



4- طريق معبَّد
الرحلة طويلة… وطويلة… والطريق متعب… ومتعب… ولكن… لا سبيل.
وبعد أيام ثلاثة… ها هي حدود باكستان.
وصلت الحافلة… ونزلت نورة… مع عدد ممن يريد الدخول… وبعد إجراءات معقدة… استطاعت نورة الدخول… عبر الحدود.
ركبت الدكتورة نورة… حافلة أخرى… متجهة نحو إسلام أباد… ولكن الطريق هذه المرة… معبد… ويمكن للجالس في الحافلة… أن ينعم بنوم متقطع.
لم يطل الوقت… ها هي الحافلة… تدخل إسلام أباد.
ومع وصول الحافلة… موقف الحافلات… نزلت نورة… ثم ركبت سيارة أجرة… واتجهت مباشرة إلى السفارة.
إنها تمتلك بطاقة تخولها السكن في المباني التابعة للسفارة… صُرفت لها من قبل السفارة… أثناء زيارتها السابقة .
قصدت نورة مسئول السكن… وعرضت عليه بطاقتها… وجدت الترحيب الكافي… وصاحبها مسئول السكن… إلى جناح مستقل… وأخبرها أنها ستكون نزيلة هذا الجناح… ما شاءت من وقت.
كانت نورة في أمس الحاجة للنوم… وبالفعل… ما أن وضعت جنبها على السرير… حتى دخلت في نوم عميق.



5- في السفارة
في صباح اليوم التالي… خرجت نورة من سكنها… قاصدة السفير… وعندما وصلت… استأذنت للدخول.
استقبلها نائب السفير… باهتمام… وبعد أن جلست على المقعد المقابل لكرسيه… سألها عن آخر أخبارها… وأخبار زوجها وابنها… وأكد لها… أنه مازال مهتما بقضيتها.
شكرته الدكتورة نورة… على حفاوته… وأخبرته… أنه لا جديد في موضوعهما… وأنها قضت المدة الماضية… في البحث عنهم… ولكن… دون فائدة… وهما مازالا مفقودين.
ثم بدأت نورة… في عرض مشكلتها الجديدة… وأنها في حاجة ماسة… لتمديد مهمتها البحثية… التي أوشكت على الانتهاء.
وفي الحال… طلب نائب السفير… من مدير مكتبه… الاتصال بوزارة التعليم العالي.
اتصل مدير مكتب النائب… على وكيل وزارة التعليم العالي… ثم نسق موعدا لاتصال السفير به.
لم يطل الوقت… ها هو نائب السفير… على الخط.
وبعد السلام… بدأ النائب… عرض مشكلة نورة… ومعاناتها… والبحثية البحثية التي حصلت عليها … وظروف اختفاء زوجها.
ولكن الرد… لم يكن إيجابيا… حيث أكد مسئول التعليم العالي… ضرورة عودتها… لأن أفغانستان… أصبحت بلداً غير آمن.
اقتنع نائب السفير بكلام مسؤول الوزارة… لحد ما… ولكن الدكتورة نورة… طلب محادثة وكيل الوزارة… للشؤون العلمية… شخصيا.
تناولت الدكتورة نورة التلفون… وفي حوار مطول مع وكيل الوزارة… وبعد شرح لكامل قضيتها… وشرح لظروف عملها… وأبحاثها… وقصة غربتها… وهدفها… من البحث… الذي يتحدد في الوصول للدواء… لآلاف الذين يعانون… ومدي تضحية زوجها معها… وسر اختفائه المفاجئ… وأكدت نورة… أنها تحتاج لتمديد بقائها في أفغانستان… من أجل مواصلة البحث عن زوجها… وبعد جهد جهيد… كان رد الوزارة إيجابيا… واستطاعت نورة… أن تحظى بتمديد لمهمتها البحثية.
انتهت المحادثة… وطلبت الدكتورة من نائب السفير… أن يدعمها… في الانضمام لإحدى جمعيات الغوث الدولية… وطلبت ترشيحها للعمل في مكان ما… في أفغانستان.
ابتسم نائب السفير… ورفع سماعة الهاتف… وطلب من مدير مكتبة… الاتصال بإحدى هيئات الغوث… وبعد حوار مع مديرها… أقفل النائب السماعة… وقال:


-   " أنت… من الآن موظفة… في إحدى الجمعيات في كابول… عليك أن تمثلي بلدك خير تمثيل… ستكونين مثالاً للمرأة المضحية"
لم تُخف الدكتورة نورة سعادتها… بهذه المهمة… شكرت السفير… من كل قلبها… ثم انصرفت.
وفي غضون أسبوع… كانت الدكتورة نورة… عائدة إلى كابول.



الفصل التاسع والخمسون


1- من المجرم
مرت الأيام العصيبة… وبدأت الدنيا تأخذ وجهاً آخر… قد يكون إلى حد كبير… أفضل من سابقه… لقد تغيرت الحياة داخل تلك السجون… تغيرت بشكل جذري… خاصة لأولئك السجناء… الذين ثبت للمحققين… براءتهم… لقد تم نقلهم إلى غرف بدل الأقفاص… ولديهم دورات مياه مستقلة… وتحسن وضع الغذاء… ويسمح لهم بأن يلتقوا مع بعضهم.
إنهم موجودون هنا… لأنهم موجودون… فقط.
لقد ثبت للمحققين… أنه لا علاقة لهم من قريب ولا من بعيد… بتنظيم القاعدة… ولكن المشكلة… في اعتراف وزارة الدفاع الأمريكية… بأمر كهذا… إنه بالفعل… أمر صعب… أن يعترف أولئك الذين جعلوا من قدراتهم الاستخبارية… شيئاً أقرب للحقيقة… أنهم أغبياء… لأنهم اعتقلوا كل هؤلاء الأبرياء .



2- مخلوق جديد
شقشقة عصافير سعيدة… تنبعث عبر نسمات باردة… في صباح جديد… من صباحات قونتناموا.
 وفي تلك الزنزانات… يقف رجال خاشعون… يتجهون بوجوههم… جهةً ما… ويتجهون بقلوبهم… للسماء… (وأينما تولوا… فثم وجه الله).
إنهم المعتقلون الأبرياء… والجدير ذكره… أن من بين أولئك الواقفين… في محراب الصلاة… كامل… كامل… بشحمه… ولحمه:


-       " الله يا كامل!"
يا لها مفارقة… أهذه هي نهاية المطاف… وخلاصة التجربة… أهكذا ينتهي الحال… بأولئك المؤيدين للحرب… بمجرد أن يروا الحقيقة.
لم تتغير الأشياء… بمجرد تغير زاوية الرؤية… لكن كامل… دخل في عالمه الجديد… بعد تجربة طويلة… ومن أجل ذلك… ستكون هذه المرحلة… ثرية لأقصى الحدود… فهو ليس شاباً صغيرا… أغراه بعض من يرى فيهم نضجاً أكبر من نضجه… ببعض الأفكار… التي يرى فيها الشباب… تحقيقاً لذواتهم.
وليس فقيراً معوزا… دفعته الحاجة والفاقة… للزهد في الدنيا… بما فيها… والتفكير في الانتقام… من كل زخارفها… بإنكار قيمتها.
وليس رجلاً نشأ في رحاب الدين… يستقي منه منذ نعومة أظفاره… وأُشربه قلبه حتى خالط شغافه.
كلا… كامل… شيء آخر… إنسان منفتح على الثقافة الغربية… سائر في فلكها… مدافع عنها… تعلم فيها كثيرا… واقتنع بها كثيرا… وعاشها بكل تفاصيلها.
وكامل… رجل ثري… عاش في مرفأ الرفاهية… منعما… لديه أسرته المستقرة… فلماذا التغير؟
الأمر بسيط للغاية… إنها التجربة… التجربة الغريبة… مع قوى الهيمنة… التي جعلته يعيد التفكير من جديد… في كل المسلَّمات السابقة.
وهذا ما جعله يقف في اهتمام… ليبحث عن ذاته… ذاته الحقيقية… بعيداً عن تلك الأقنعة… التي اكتسبها… لأن فنون الدعاية… تجيد إقناع الناس بارتدائها.
لقد وجد كامل ذاته الحقيقية… عندما نظر في عيني المحقق… وهي ترمي بالشرر… ورأى بسمته الانتقامية… تنسل من بين شفتيه… وبعدها… أمره أن يضع القاذورات على المصحف.
 في حال طبيعي… ربما لم يكن كامل… ليمانع… من إهانة الإسلام… بكل رموزه… فهو لا يؤمن بها أصلا… ولكن… وفي حال استثنائي… كذلك الحال… يبدأ الصراع من الداخل… الصراع بين هويتين… هوية مزورة… اكتسبها كامل… لأنه رأى فيها شيئاً من أناقة ورقي… وهوية أخرى… تناقضها تماما… هويته المجردة… التي جعلته يرى فيما طلبه الجندي… تعدياً صارخاً… لا يمكن قبوله.
ومن هنا… بدأ الصراع القوي… وثارت أسئلة كثيرة… في ذهن كامل:
- " ما هو القرآن؟… وما هو الإسلام؟… ولماذا يحاربه الأمريكان؟… ولماذا يستأسدون في إهانتي… بسب اعتقادهم إيماني به؟"
طالت أسئلة كامل مع نفسه… وطالت… وكانت تثور بعنف داخله… كلما تعرض لوجبة عذاب جديدة… من عذاب جديد… وبعدها… تغيرت نظرات كامل… لمن حوله… من أولئك المسجونين جواره… ممن كان يرى فيهم سابقا… مجرد دراويش… أو على أحسن الأحوال… إرهابيون… أُجراء.
لقد بدأ يستمع باهتمام أحاديثهم… ويتأملها… ومع مداومته سماعها… أكتسب رؤية أخرى… عن الحياة… وعن نفسه… وأكتسب مشاعر أخرى.
ومع الوقت… بدأ كامل… يحاول التعرف عليهم… والتقرب منهم.
لقد فرحوا بذلك كثيرا… وتسارعوا في تقديم كل ما يمكنهم تقديمه… وبدأت الألفة بين القلوب… وذلك ما وجد فيه كامل… ملاذا من همومه المتلازمة.
وخلال الأوقات التي تحدث كامل فيها مع أصحابه الجدد… تعلم أشياء كثيرة… عن القرآن… وعن الإسلام… وحتى عن السلام… وعن قبول الآخر… وعن الحوار… أشياء أدهشه سماعها منهم… وهم من كان يرى فيهم… قالبا للتطرف.
ومن هنا… كانت البداية.



الفصل الستون 


1- المسجد
هنا في كابول… لتوها وصلت… إنها تسير بين المنازل… تتأمل كل شيء… وتدقق النظر.
إلا إنها الآن… رأت منظراً غريبا… وقفت لتتأمله… طال تأملها أكثر وأكثر.
ها هم يتقدمون… زرافات من الرجال… وقليل من النساء… ويسيرون بسرعة… تاركين كل شيء كان يشغلهم.
تعجبت الدكتورة نورة… من ذلك الفوج المائج… من البشر… وقررت أن تسير مع السائرين.
سارت نورة خطوات… ثم توقفت… لتراه… هناك… الشيء الذي يهبُّ الناس نحوه… دون دافع يدفعهم… إلا نداء مهيب… يجيبونه باهتمام.
إنه الجامع… بيت الله.
لقد حان وقت صلاة الجمعة… وها هم الداخلون… في رحاب الله… قد غص بهم المسجد… وامتلأت بهم ساحاته.
لم تجد الدكتورة نورة… بدّاً من التقدم… للوقوف في رحابٍ الله… إنه الوقوف الفطري… الذي وجدت في أعماقها… ما يدعوها له… مع أنها قد نسيته… منذ زمن.
لم يطل الوقت… ها هي هناك… الدكتورة نورة… بين صفوف النساء… جالسة تستمع خطبة الخطيب… التي يستخدم لإيصالها ميكرفونه اليدوي… ويقرأ جزءاً منها بالعربية… ثم يتبعها بترجمة أردية.
كانت الخطبة… تحث على الجهاد… والنفير… وتُبيِّن حكم الدين… في:
-" الوقوف من أجل الحق… ومن أجل نصرة الضعفاء… وهم كثر في أفغانستان… كم من أم فقدت ابنها… أو زوجة فقدت زوجها".
بللت الدكتورة خمارها بالدموع… وهي تتذكر صوراً كثيرة… مرت عليها.
وانقضت الخطبة… وبدأت الصلاة… ووقفت الدكتورة نورة… مع الواقفين للصلاة:
- " الله أكبر"
عالم من الانسجام مع الذات… ومع الجسد الواحد… يدرك الجميع… إنها هموم مشتركة… ودين واحد… ورب واحد… قرأ الإمام:
-   " (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله… والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان… الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية… الظالم أهلها… واجعل لنا من لدنك وليا… واجعل لنا من لدنك نصيرا ) "(النساء 75)
نورة في مكانها… تستمع وتنصت… قد طأطأت رأسها… لكن نبضا شديدا داخل قلبها… يهزها… ويهزها… ويجعلها تشعر بشيء من النشوة… وتشعر أن ممحاة من نوع خاص… تتسلل لآهاتها… وحرمانها… وتغسله.
شعرت نورة… بانسجامها مع تلك الآيات… لكنها في الوقت ذاته… رأت انها في حاجة ماسة… لقراءة تفسيرها.



2- الظِّلال
انقضت الصلاة… وانصرف الناس… إلا شخص واحد… إنه هناك… ليس رجلا… إنها امرأة… المرأة… التي لم تدخل هذا المكان… باختيارها… لكنها الآن… لا تريد مفارقته… وباختيارها.
قامت الدكتورة نورة… من مكانها… وبدأت تدور في جوانب المسجد… وهي تشعر بسكينة وطمأنينة… لم تشعر بمثلها من قبل.
وفي زاوية من الزوايا… هناك… رأت مكتبة المسجد… إنها مكتبة صغيرة… ولكنها تبدو حافلة.
سارت الدكتورة نورة… نحو المكتبة… أخذت كتاب التفسير… كان التفسير الذي أخذته… هو تفسير… (في ظلال القرآن)… عادت للمكان المخصص لجلوس النساء… داخل المسجد… وفتحت الكتاب… وبدأت في القراءة.
لم تكن الباحثة المدققة… في فنون العلوم الحديثة… لتُعمل عقلها في دراسة ما أمامها… بطريقة عفوية… بل كان لزاما عليها… أن تستخرج التفاصيل… وتفاصيل التفاصيل… لكن الشيء الذي لم يخْفَ عليها أبدا… هو أنها أمام شيء مدهش… بكل المقاييس… قرأت قول الله تعالي (الذين يؤمنون بالغيب) ثم قرأت في التفسير… هذا المقطع:
(ثم يأخذ السياق… في بيان صفات المتقين… وهم السابقون من المؤمنين… الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم… في المدينة… وهم الخُلّص من مؤمني هذه الأمة… في كل آن وحين… فيكون وصفهم:


(الذين يؤمنون بالغيب , ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون , والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , وبالآخرة هم يوقنون).  



إن الإيمان بالغيب… هو العتبة الأساس… التي إذا اجتازها الإنسان… اجتاز مرتبة الحيوان… فالحيوان لا يدرك إلا ما تدركه حواسه… أما الإنسان… فهو يدرك الوجود… بأسلوب أشمل وأعم… من ذلك الحيِّز الصغير… المحدود… الذي تدركه الحواس… الحواس فقط.
الإيمان بالغيب… يُعدُّ في جوهره… نقلة بعيدة الأثر… في تصور الإنسان… حقيقة وجوده الذاتي… وإحساسه بالكون من حوله… وإدراكه حقيقة الوجود بأكمله… وحقيقة القوى المنطلقة في أبعاد هذا الوجود… وما وراءهعا… من قدرة وتدبير.
 كما إن للإيمان بالغيب… أثره البعيد… في حياة الإنسان… على الأرض… فليس من يعيش في الحيز الصغير… الذي تدركه حواسه… كمن يعيش في الكون الكبير… الذي تدركه بديهته وبصيرته… ويتلقى… أصداءه وإيحاءاته… داخل أعماقه… ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان… من كل ما يدركه وعيه… طيلة عمره القصير المحدود… ويدرك… أن وراء الكون… ظاهرهِ وخافيه… حقيقة أكبر من الكون… هي التي صدر عنها الكون… واستمد من وجودها وجوده.
 إنها حقيقة الذات الإلهية… التي لا تدركها الأبصار… ولا تحيط بها العقول.
وعند إيمان الإنسان بهذا الغيب… تصان طاقته الفكرية… محدودة المجال… عن التبدد والتمزق… والانشغال… بما لم تخلق له… وما لم توهب لها القدرة… للإحاطة به… وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه.
 إن الطاقة الفكرية… التي وهبها صانع الكون… لهذا الإنسان… وهبها له… ليقوم بالخلافة في الأرض… فطاقته موكلة بتدبر هذه الحياة… الواقعة القريبة… تنظر فيها… وتتعمق في فهمها… وتتقصاها… وتعمل فيها وتنتج… وتنمي وتجمل.
على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية… التي تتصل مباشرة بالوجود كله… وخالق الوجود… وتدع للمجهول… حصته في الغيب… الذي لا تحيط بها العقول.
وأما محاولة إدراك ما وراء الواقع… بالعقل المحدود… بحدود هذه الأرض… وحدود الحياة عليها… ودون سند من الروح الملهمة… والبصيرة المفتوحة… فهي محاولة فاشلة أولا… وعابثة أخيرا… فاشلة… لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال… لرصده… وعابثه… لأنها تبدد طاقة العقل… التي لم تخلق لمثل هذا المجال"






أغلقت نورة كتاب الظلال… وأطرقت تتأمل. 






الفصل الواحد والستون


1- جو مشحون بالعمل
تسير بخفة وسرعة… عبر الطرقات الضيقة… إنها بكامل حجابها الأفغاني… وعندما وصلت إلى البوابة الحديدية… توقفت… وأبرزت بطاقتها… ودخلت.
سارت نورة… خطوات… ثم دخلت مكتبها.
إنها الآن… في عملها الجديد… الذي انضمت له منذ أسبوع… لدى جمعية إغاثية خيرية… تهتم بتوزيع الدواء والغذاء.
لقد تم إنشاء هذه الجمعية… في كابول… بعد أن انسحبت سلطة طالبان… ووقع البلد… في أيدي المحتل.
قعدت نورة على كرسيها… وسحبت رزمة من الأوراق… وبدأت التدقيق فيها.
بقيت نورة في عملها… تعد التقارير… وتدرسها… وتكتب التوصيات… ثم تحمل عددا من التقارير… وتخرج… لتتفقد عددا من السيارات… جاءت للتو… تتفحص محتوياتها… ثم توقع أوراقا مع سائقيها… ثم تطلب من عدد من العمال الصعود للسيارات… من أجل توزيع ما فيها.


عادت نورة إلى مكتبها.. وطلبت فنجان شاي… وبقيت تراجع وتدون. 





مضى الوقت… ومع غروب الشمس… ها هي نورة… خارجة من مكتبها. 



امتطت نورة قدميها… واتجهت مسرعة… نحو البوابة… ثم خرجت.
لم يطل الوقت… ها هي… تصل أخيرا… إلى المسجد… ثم تدخل… عبر مدخل النساء… وتصلي ركعتين… ثم تحمل المصحف… وتفتحه… وتفتح على سورة الأنفال… ثم تُطرق بأذنها… وهي تستمع لتفسير السورة… عبر مكبر الصوت اليدوي.
نورة… إنها الآن… كأي النساء الحاضرات… هنا… لسماع الدرس… الذي يلقيه الشيخ عبد الرحمن… ولا تلبث أن تهز رأسها… في تدبر وخشوع .
جو مشحون بالأنس… لامرأة أتت عليها سهام الهموم… من كل صوب… لكنها أخيرا… وجدت نفسها هنا… ووجدت هنا… ما لم تكن لتتصور أن تجده.
امرأة جابت العالم… جيئة وذهابا… متأثرة بالنظريات المادية الحديثة… لتحليل معطيات الحياة… أو تركيبها.
لكن ما وجدته… في المسجد… في حضرة درس علمي قصير… يلقيه فقيه بسيط… يختلف جذريا… في الطريقة والهدف… ولكنه ينسجم مع شيء جوهري… داخل النفس… ويمكن وبكل سهولة… تفسير الحياة من خلاله… ذلك إنه يملك بُعدا أعمق بكثير… من أي أطروحة سمعتها من قبل… أو هكذا بدا لها.
بدأ الشيخ في تفسير قوله تعالي:


-      " (وإن عاقبتم… فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) "
كانت الدكتورة نورة… تطالع آيات القرآن… في مصحفها… ثم تقارنها بما تسمع.
استمر الحال ساعة… ثم أقيمت صلاة الظهر… بعدها… صلت الدكتورة نورة… مع الجماعة… في مصلى النساء… ثم خرجت.



2- مظاهر غريبة
لقد رحلت طالبان… بعد أن لملمت عدتها وعتادها… ولكنها وعدت الشعب… أن تعود للوجود… في وقت آخر.
وفي الشوارع القديمة… شمال مدينة كابول… لم يعد يُرى… إلا جنود تحالف الشمال… ببدلاتهم العسكرية… التي لم يعتادوا على لبسها من قبل… ولهم الآن… مهام محددة… تتعلق بمداهمة مسجد أو منزل… يشتبه أن يكون بداخلة طالبانيون أو عرب…  إنهم في فم المدفع… كما يقال… وهم ضحايا سهلة ورخيصة… في أغلب تلك المداهمات.
أما الجنود الأمريكان… فهم متحصنون في مركباتهم المصفحة… يتركز عملهم على المراقبة والتوجيه.
وعند نجاح أي عملية مداهمة… يُقتاد المتهمون بتهمة الانتماء للقاعدة أو لطالبان… إلى عربات مغلقة… وسرعان ما يختفون.
لقد هدأت حدة القصف… إلا من قذيفة هنا أو هناك… سرعان ما يُعلن عن وقوعها بطريق الخطأ.
الجدير ذكره… أن مظاهر جديدة… بدأت تنتشر في الشوارع الفقيرة المحرومة… مظاهر لم تألفها هذه الشوارع… ومن يعرف طبيعة الشعب الأفغاني… جيداً… يجزم أنها مظاهر… ودخيلة… تم إيجادها هنا عنوة.
لقد انتشرت محال التسجيلات الغنائية… أكثر من محال بيع الخبز… وانتشرت محال الفنون الخالعة… وانتشرت أيضا… محال بيع الملابس النسائية… الأقل حشمة… وكأن هذه الأشياء… هي ما كان ينقص هذا الشعب.
لكن مرتادوا هذه الأماكن… قلة قليلة… وبدا الشعب المغلوب على أمره… يتوجس من كل شيء… يحدث تحت هيمنة المحتل.



3- انهماك في العمل
تقود سيارتها بحُريّة… وتسير عبر الطرقات… الدكتورة نورة… أوقفت سيارتها… ونزلت.
دخلت عبر البوابة الجنوبية… لمركز الخدمات الإنسانية… الذي أصبحت تديره… ثم دخلت غرفة مكتبها.
بدأت دراسة عدد من الملفات… المعدة لها… ثم اتصلت بالسكرتيرة… وتحدثت معها في عدد من القضايا… ثم أجرت اتصالا على جمعية الهلال الأحمر… ونسقت لاستقبال عدد من الشاحنات التي تحمل الأغذية… والتي سيتم إرسالها لمنطقة هيرات… ثم قامت وخرجت.
وفي سيارتها… أدارت الدكتورة نورة المحرك… ثم أدارت العجلات… لقد أصبح عملها هذا جزءا من حياتها… لكنها لم تغفل السؤال أبدا… في كل مكان تروحه…. عن ابنها وزوجها… لكن أسئلتها تلك… لا تأتي لها بجواب… لقد أوشكت خيوط الأمل… في عثورها عليهم… تتضاءل…  لكنها تتجاهل كل ذلك… وتستمر في عملها الدءوب.
وهي تشعر أن العمل المتواصل… ربما كان الأسلوب الوحيد… الذي يجعل شجرة الأمل… حية داخلها.



الفصل الثاني والستون


1- خبر… بعد مرور خمس سنوات
تركب الدكتورة نورة… سيارتها… وتحرك المقود… وتنطلق ناحية الجمعية الخيرية… التي تعمل مديرة لها.
لقد مرت الأيام سريعة… خلف الأيام.
وهذه هي السنة الخامسة… للحرب… الحرب المجنونة… التي ساقت الولايات المتحدة نارها… نحو الشرق.
وها هي أفغانستان… تدخل حقبة أخرى… من التاريخ… لكن الفقر هو الفقر… والمخدرات هي المخدرات… لم يتغير شيء… سوى مظاهر محدودة… كفتح دور للسينما… وارتفاع عمارات مسلحة على الطراز الحديث… لعدد من موظفي الحكومة… الذين يستلمون رواتبهم مباشرة… من الحكومة الأمريكية… وبالدولار.
لقد ازدهرت تجارة الخشخاش… بدرجة أكبر بكثير… مما كانت عليه في عهد الحكومة السابقة… وازداد بؤس النساء والأطفال.
 نورة هنا… إنها معتادة على الوضع… وهي تحب عملها… وتشعر أنها تؤدي رسالة عظيمة… وهي إحدى النساء القلائل… اللواتي برز نجاحهن في دعم وتطوير العمل الخيري… في هذا البلد المنكوب.
مدت يدها… فتحت جهاز الراديو… وبدأت تسمع نشرة الأخبار.
لم يكن من جديد… الأخبار هي الأخبار… ذاتها… التي تتكرر كل يوم… منذ لأمد… والأماكن هي الأماكن… ذاتها… التي تنالها المشاكل… كل يوم.
لكنّ خبراً من الأخبار… كان هو الأهم… بالنسبة لنورة .
- " الإفراج عن عدد من معتقلي قونتناموا… ثلاثة من المغرب… وأربعة من الخليج"
هكذا ورد الخبر… خبر عائم… قليل الجدوى.
كان في البداية… خبراً عابراً جداً… لكن شيئاً ما… انقدح في ذهن نورة.
لقد لمعت لها صورة زوجها… كامل… الذي يئست من العثور عليه… لمعت في ذهنها فجأة… ثم اختفت.
أكملت نورة الطريق… وهي تمضي نحو عملها.
وصلت… ونزلت من سيارتها… واتجهت إلى مكتبها.



2- المؤذن
الوقت يمر سريعا… نورة منشغلة بأعمال كثيرة في المركز… أكثر من الهم على القلب.
لم تفكر نورة بأكثر مما بين يديها من أوراق… وعندما سمعت المؤذن يؤذن… وينادي لصلاة المغرب… تركت كل ما في يديها… واتجهت لدورة المياه القريبة.
توضأت… ولبست حجابها… وخرجت.
استقلت نورة سيارتها… وفي الطريق… توقفت بجوار جامع في قلب كابول… ودخلت المسجد… ثم اصطفت مع المصليات… وأدت الصلاة جماعة… وبعد انتهاء الصلاة… بقيت مكانها… تستمع لدرس السيرة النبوية… الذي يلقيه أحد العلماء الأفغان.
هذا هو حال نوره… إنها منسجمة مع حياتها هذه… التي أصبحت جزءاً من كيانها… فهي تقضي النهار بطوله… إلى المغرب… في المركز الخيري… وتقضي الوقت ما بين المغرب إلى العشاء… في سماع أحد الدروس العلمية… الموزعة حسب أيام الأسبوع… للفقه والحديث والتفسير والسيرة.
لم تعد نورة تشعر بالوحدة… في هذا البلد المخيف… بل وحتى العودة لبلدها… لم تعد ذات قيمة كبيرة بالنسبة لها… لقد أكسبها ما تفعله من عمل خيري… تقدمه لأولئك المطحونين بجنازير الحياة… سعادة وراحة… وروحا جديدة… تسري في بدنها.


ولكنها عندما خرجت من المسجد… بعد صلاة العشاء… تذكرت الخبر… الذي سمعته في الصباح… عن إطلاق سراح عدد من المعتقلين… في قونتناموا… عادت لها صورة كامل واهتزت في رأسها… سألت نفسها: 



- " هل يمكن… أن يكون كامل… هو أحد أولئك المعتقلين؟… والمفرج عنهم… هل يمكن… كامل… العلماني… المتحرر!… هل يمكن؟… هل يمكن أن يكون قد اعتقل؟… واليوم… أطلق سراحه؟… لا… لا… مستحيل "
ركبت نورة سيارتها… وقبل أن تتحرك… حدثت نفسها:
- " كامل… الله أعلم بحاله… أرجو له الرحمة… إن كان ميتا… ولكن… لا يمكن أن يكون من معتقلي قونتناموا… لا… لا "
انطلقت السيارة… وأفكار وهواجس… تدور في ذهن نورة… وعندما وصلت إلى منزلها… نزلت من السيارة… ودخلت.
بدلت ثيابها… ثم فتحت التلفاز… وبدأت تتابع الأخبار… لقد كان أملها التعرف على شخصيات المطلقين… يشغل ذهنها… لكنها لم تعثر على ما تريد.
في اليوم التالي… وفي مكتبها… دخلت نورة… إلى بعض المواقع الإخبارية… الأمريكية… قرأت كثيرا… الخبر الذي توقفت عنده… يتحدث عن كون أحد المفرج عنهم… كان يعمل أستاذاً جامعيا… واعتقل على الحدود الباكستانية… ولكن اسمه لم يكن واضحا… حاولت نورة تجاهل الموضوع.