الأحد، 19 سبتمبر 2010

الجزء الثاني عشر والأخير

الجزء الثاني عشر والأخير



الفصل الثالث والستون


1- مدرس لغات
ينتهي من إلقاء درسٍ في اللغة العربية… ويحدد عدداً من الجمل… ويطلب من طلابه أن يعربوها… ويأتوا بإعرابها غداً… ثم يقوم من حلقته… ليلتحق بحلقه الفقه… التي يدرَّسُ فيها أحدَ أهم كتب الأحناف.
لتوه ابتدأ درس الفقه… يفتح جمال كتابه… ويتابع ما يقوله الشيخ… ويدون ملاحظاته باهتمام… وما أن ينتهي الدرس… حتى يطرح جمال العديد من الأسئلة… يستقبلها الشيخ باهتمام… ويجيب عليها ويستمر النقاش والتدارس… قرابة الساعة… ثم ينتهي الدرس… وينصرف الجميع… وينصرف جمال… الشاب ذو السبعة عشر عاما.
إنه شاب أفغاني… بكل ما تعنيه الكلمة… من معنى… لكن إجادته العربية… محل إعجاب الجميع… وكذلك إجادته الإنجليزية.
لقد مرت خمس سنوات… على تلك الأحداث العصيبة… التي عصفت بأفغانستان… وعصفت بجمال وأسرته… وها هو الآن… في زهرة شبابه… له طموح كبير… وحرص على التعلم… وقد انسجم مع بيئته التي يعيشها… فهو الآن مستقل بحياته… له منزل مستقل ويعمل في التجارة… ويحرص على العلم… وهو أيضاً يُدرس اللغة العربية… في إحدى حلقات الجامع.
لبس جمال حذائه… وسار عبر الطريق… ثم وقف عند مطعم صغير… اشترى منه خبزاً وإداما… واتجه إلى منزله.
داخل جمال المنزل… وتناول عشاءه… وفتح الراديو… فهو حريص على سماع الأخبار.
كثير هي الأخبار… ولكن… شده ذلك الخبر… الذي يتحدث عن إطلاق سراح عدد من المعتقلين… في قونتناموا.
هز الفتى رأسه… ودمعت عيناه.
لقد تذكر والده… وبدأ قلبه يرتجف:


-       " ترى… هل مازال على قيد الحياة؟… وترى… هل هو من بين أولئك الذين أسرهم الاحتلال البغيض؟… أم إنه قتل حينها… ترى… هل مازال حيا؟"
زفر جمال زفرة طويلة… وهو يتذكر المشاهد كاملة… التي حُفرت في ذهنه… دمعت عيناه… أكمل حديث نفسه… وهو يشعر بشيء من أمل:


-       " تراه ضمن معتقلي قونتنامو… أم تراه ضمن أولئك الذين أفرج عنهم".
 دارت الهواجس في عقل جمال… ودخل في أفكار متضاربة… وأخيراً… حمل الأطباق التي على سفرته… وخلد للنوم.



3- طلب إجازة
الأفكار تدور في رأسها… وتدور… لكن هاجساً بدأ يمتلك عليها عقلها… لقد مرّ أسبوع كامل… على قراءتها خبر إطلاق سراح بعض سجناء قونتناموا… صورة كامل… تتراءى لها في كل مكان… كم اشتاقت له… وكم بدا أملها في لقائه… يزداد ويزداد… إنها تدعو الله من أعماق قلبها… أن يكون بخير… وأن يجمعها به… ويجمعها أيضاً… بابنهما جمال:


- " هل يمكن ذلك؟… ولم لا!… إنه ليس على الله بعزيز" 
وقبل أن تنصرف من مكتبها… أخرجت ورقة… وكتبت فيها طلب إجازة… مدة شهر… إنه الحل الوحيد… سوف تسافر لبلدها… لتكون رحلة استجمام… وهناك… ستعاود السؤال والسؤال… ربما تجد كامل… وربما تجد خبراً عنه… وربما وجدت خبراً عن جمال.
أنهت نورا رسالتها… وقامت… وخرجت من مكتبها.



4- بارقة أمل
انتهى من إلقاء درسه في النحو… وانصرف الطلاب… وبقى مكانه.
لم يطل الوقت… قام جمال… واتجه نحو أحد أعمدة المسجد… جلس… واتكأ بظهره على العمود… وأخرج مشطاً خشبياً صغيراً… ومرآة… وبدأ يمشط لحيته… متفرقة الشعر… لحد ما… والتي لم يجاوز طولها الثلاثة سنتيمترات… ثم مشط رأسه… من الجانبين… ومشط شاربه الخفيف… ثم أخرج حافظة نقوده… وأخرج نقوداً منها… وبدأ يعد تلك النقود.
وبعد انتهاء عد النقود… شعر بحيرة لم تطل… بعدها قام… وخرج من المسجد… وذهب إلى منزله.
وصل المنزل… فتح الباب… ودخل… قام ببعض أعمال الترتيب والتنظيف… كان مرتكباً لحد ما… أفكاره متداخلة… لم يطل مكوثه في المنزل… خرج… وصعد الجبل المجاور لمنزله… وهناك… في القمة… رأى أسد الرحمن… سار نحوه… وعندما التقاه… صافحه… وقبل رأسه… وقال :
- " عمي أسد الرحمن "
- " نعم يا بني… ماذا تريد؟… ثم ما الذي جاء بك الآن… أليس لديك درساً؟"
- " لدي درس… ولكن… عقلي مشغول مع والدي "


- " والدك؟… وهل في الأمر جديد؟" 
- " لقد أطلق الأمريكان سراح عدد من معتقليهم في قونتناموا… لا أدري… لدي أمل… في أن والدي… ربما… ربما هو بخير… وربما يكون واحداً من أولئك المطلقين "
- " هز أسد الرحمن رأسه… وفكر قليلاً… وقال :
- " ولم لا… المؤمن لا يقنط من رحمة الله… أرجو أن يكون أملك في مكانه"



5- وداع
يعود من السوق سعيدا… لقد باع ثلاث شياه… بمبلغٍ مجز… ذهب إلى منزله… وأعد حقيبته… وخرج قاصداً منزل أسد الرحمن… لم يكن الوقت طويلا… ها هو يصل… ويطرق الباب… يفتح أسد الرحمن الباب… ويقول :
- " أهلاً وسهلا… تفضل… تفضل "
يدخل جمال… ويجلس على أحد المقاعد… في حين يجلس أسد الرحمن قبالته… ويقول :
- " قل لي… ماذا فعلت في السوق؟ "
- " لقد بعت الأغنام الثلاث "
- " وما حال الأسعار؟"
- " كل شيء في ازدياد "
- " هل بلغت نقودك الآن… الحد الكافي؟ "
- " بحمد الله… ستوصلني إلى بلدي "
- " بلدك؟ … ألم تقل لي من قبل… أن هذا هو بلدك ؟"
- " بالتأكيد… ولكن… لو وجدت والدي… فحتماً سأستقر هناك "
-" هذا ما يحزنني… فراقك… ولكن… هل فكرت… في الخطوات التالية… إن لم تجد والدك "
- " أرجو أن أجده "
- " نعم… نعم… أسأل الله أن تجده… ولكن… لو وجدته… فلا أسامحك من زيارة لنا "
- " بالطبع… أنت بمنزلة والدي… علمتني وربيتني… جزاك الله كل خير" دمعت عينا أسدالرحمن… وقام… واحتضن جمال.
لم يطل المشهد… ها هو جمال… يخرج من منزل أسد الرحمن… ويخرج أسد الرحمن معه… ثم يقف عند باب المنزل… في حين يتجه جمال لمنزله القريب جدا… يدخل جمال… ولا يلبث طويلا… ها هو يخرج… وهو يحمل حقيبته… يتجه لأسد الرحمن… الذي مازال واقفا مكانه… يعانقه… ثم يودعه… ويسير نحو طريق العربات.
وبعد دقائق… ها هو جمال… هناك… في الموقف… لقد جاءت عربة حصان… متجة إلى رامز شاه… استقلها جمال… وانطلقت.



الفصل الرابع والستون


1- فتى أحلام؟
الشمس متربعة في كبد السماء… ومطار كابول… لا يشكو ازدحام الناس… لأن غالب سكان هذا البلد… لا يملكون ما يقتاتون به… عوضاً عن امتلاكهم أجرة تذكرة طيران… لكن امرأة جاءت من هناك… تدفع عربة كبيرة… عليها حقيبتان… بدت مشتتة البال… تسير بعجل.
نظرت تلك المرأة… يمنة ويسرة… رأت اصطفاف المسافرين… أمام طاولة شحن الحقائب… دفعت عربتها بسرعة… لكن أرضية الصالة… لم تكن مرصوفة بطريقة جيدة… لأجل ذلك… وجدت نورة نفسها تتعثر في إحدى نتوءات الأرضية… ومع تعثرها ذاك… سقطت إحدى الحقائب… اهتمت نورة لما حدث… لكن شاباً يافعاً… في السابعة عشر من عمره… كان قريباً منها… وعندما رأى عثرتها… بدأ يردد :
- " بسم الله… بسم الله "
سارع الشاب نحوها… وباشر حمل الحقائب… ثم قال :
- " خذي حذرك يا سيدة… هذا المطار… من ذكريات الحرب… ناله من الضرر… ما نال كل شبر من هذا البلد "
ردت نورة بقولها :
- " شكراً لك ياسيد "
أراد الشاب المغادرة… ولكنه نظر ليدها… وقال :
- " أعطيني جوازك… كي أكمل لك إجراءات السفر… واجلسي في ذلك المقعد "
نظرت نورة للشاب بشكر… ثم قالت :
- " هل تعرف طريقة الحجز ؟ "
- " بالتأكيد… أنا ذاهب لأحجز لنفسي… الآن… يسعدني أن أقدم لك خدمة… هل أنت وحدك هنا؟ "
- " نعم… أنا وحدي "
تناول الشاب جواز نورة… ونقودها… ودفع عربتها أمامه… وذهب خطوط الطيران.
في حين بقيت نورة مكانها… ثم اتجهت للكرسي… لم يكن الكرسي بعيدا… وصلت إليه… وجلست.
ومن مجلسها ذاك… بقيت نورة… تتابع ببصرها… ذاك الشاب… لقد وثقت فيه ثقة كبيرة… أعطته حقائبها… وجوازها… ونقودها… إنه محل ثقة… هكذا قال لها قلبها… لكن… نظرات نورة للفتى… لم تكن مجرد نظرات عابرة… من امرأة لرجل ساعدها… ولكنها أعمق بكثير.
لم يطل الوقت… لقد بدأ الشاب يرفع الحقائب… ويضعها على السير المتحرك… كي تنتقل عبره للشحن.
أنهى الشاب المهمة… واستلم التذاكر… ثم عاد إلى نورة… وناولها جوازها وكرت صعودها الطائرة… وقال:
- " بعد نصف ساعة… تخرجين إلى الطائرة… مع تلك البوابة "
مر الوقت سريعا… نورة جالسة في مقعدها… جوار النافذة… لتوها صعدت الطائرة… الطائرة لم تقلع بعد… وجوارها مقعد فارغ… سألت نورة نفسها :
- " ترى… هل سيجلس شخص جواري؟… أم أن المقعد فارغ"
كانت نورة تتمنى أن تجلس جوارها امرأة… سيدركها الحرج… لو جلس جوارها رجل… ولكن تغير رأيها فجأة… عندما رأته قادماً من هناك… إنه الشاب عينه… الذي ساعدها من قبل… واستخرج لها بطاقة صعود الطائرة.
كانت الدكتورة نورة تظن أنه سيمر من جوارها… ثم يذهب إلى مؤخرة الطائرة… حدثت نفسها… بأنها آخر نظرة يمكن لها أن تلقيها عليه… لقد شعرت نحوه بمشاعر غريبة… ليست مشاعر الأنثى تجاه رجلٍ أعجبت به… كلا… إنها مشاعر من نوع آخر… مشاعر عاطفية من نوع خاص… لم تجد لها الدكتورة نورة أي تفسير… خاصة وأنها كانت تزيد في سنها عنه… خمسا وعشرين سنة… وتلك المشاعر… لا تبرير لها ولا معنى.
تودعه بعينها… ولكن… أدهشها… أنه يبحث عن رقم مقعده قريباً منها… إنه يبحث في أرقام المقاعد… في الأعلى… وأخيراً وقف عند المقعد المجاور لها… قرأ الرقم الذي معه… ثم رقم المقعد في الأعلى… ثم هز رأسه… وقال لها :
- " معذرة يا سيدتي… هذا المقعد لي… هل يسبب جلوسي هنا… أي حرج لك "
رقص قلب الدكتورة نورة… لهذا الخبر السار… هذا الفتى سيجلس جوارها… ازدادت نبضات قلبها وهي تقول له :
- " تفضل… تفضل بالجلوس… أهلاً بك"
جلس الفتى… بكل هدوء وأدب… لم يطل الوقت… ها هو يفتح حقيبة يده الصغيرة… ويخرج مصحفاً صغيرا… ويبدأ في تلاوة آيات من سورة الزمر… كان صوته منخفضا… بيد أن الدكتورة تسمعه بوضوح… أبحر الفتى مع تلاوته… وأبحرت نورة مع سماعها لصوته الشجي:
-" (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ… وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ… وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ… سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ… وَنُفِخَ فِي الصُّورِ… فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ… إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ… ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى… فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ… وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا… وَوُضِعَ الْكِتَابُ… وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء… وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ… وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ… وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ… وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ… وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا… حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا… فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا… وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا… أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ… يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ… وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا… قَالُوا بَلَى… وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ….)"
أقلعت الطائرة… مرتفعة في الجو… ونورة لا تحرم نفسها من إلقاء نظرة عابرة… أو مركزة… على قسمات وجه هذا الشاب جوارها… لحيته الخفيفة… التي يتعهدها بأنامله… بين الفينة والأخرى… ووجهه الوضيء… جداً… وشعره الكثيف… الذي ينساب خارج عمامته البيضاء… وثوبه الأفغاني الأبيض… وملامح البراءة والصدق… الطافرة من عينه… كل ذلك… أسر المرأة… التي لم يعد لها في الرجال من أرب.



2- معــــــاً
ها هي سماعات الطائرة… بعد رحلة طويلة… توقفت في أكثر من مطار… ثم واصلت سيرها… تذيع للركاب… اقتراب موعد الهبوط… وعليهم ربط الأحزمة.
ربطت نورة حزامها… وربط الشاب حزامه.
قال الفتي :
- " سيدتي… هل ستنزلين في هذه المدينة… أم أن لك محطة نزول أخرى "
- " بل سأنزل هنا… أنا من سكان هذه المدينة "
- " صحيح؟! "
- " نعم… وأنت ؟"
- " أنا كذلك… من سكان هذه المدينة… سوف أساعدك في وضع الحقائب الخاصة بك… في عربتك… لأني أنا أيضاً احتاج لوضع حقائبي في عربة… لا تشغلي نفسك بدخول زحمة التقاط الحقائب "
نظرت نورة للشاب…  نظرات ساهية… وشعرت أن قلبها ينبض بشيء أشبه بالحب… ولكنه حب من نوع آخر… قالت :
- " أكون لك شاكرة "
ها هو الشاب هناك… يدفع عربتين… وها هي الدكتورة هناك… تنتظره… وصل إليها… وقال :
- " أنا… سأكمل المشوار… وسأضع العربات جميعاً على سير التفتيش… لا تشغلي بالك… اذهبي فقط للجوازات… وأنهي إجراء الدخول "
لم يطل الوقت… ها هي نورة… عند الباب… هناك… وها هو الشاب… يدفع العربتين.
وصل الشاب إلى الباب… وسلم نورة عربتها… وابتسم… ودعا لها بالتوفيق… لم تكن بسمة الفتى تلك… لتمر مرور الكرام… على الدكتورة نورة… لقد هزت مشاعرها وكيانها… كانت تريد أن تطلب منه عنوانه… أو أي شيء عنه… بحثت عن كلمة تقولها… ولكنه ذهب… دفع عربته… وذهب… يا لها من خسارة… ودّعته بعينها… ثم دفعت عربتها… واتجهت لدورة مياه النساء.
في الخارج… يأتي سائقوا سيارات الأجرة… بعد أن يروا الدكتورة نورة… بحجابها… الذي لم يعد أفغانيا… وإنما هو حجاب خليجي… عباءة… وخمار رأس… وغطاء وجه… لا تبرز منه سوى العينان… كان سائقوا سيارات الأجرة يسألونها عن مقصدها… ولكنها تسألهم أولاً :
- " هل لديكم ركاب آخرون؟… أنا وحدي… ولا يمكنني الركوب وحدي… مع رجل"
وعندما يجيبون بالنفي… تقول :
- " الخلوة لا تجوز "
وأخيراً… جاءت سيارة من هناك… فتح سائقها الزجاج… وقال :
- " إلى أين يا أخت "
نظرت… داخل السيارة… أدهشها أن رأت الشاب عينه… يجلس في المقعد الأمامي… بجوار السائق… أعادت النظر بدهشة… تلكأت قليلاً… ثم قالت :
- " سأركب… على أن تنزلني أولا… قبل هذا الشاب… فالخلوة لا تجوز مع رجل "
نظر السائق للشاب… هز الشاب رأسه موافقا… ثم سألها عن الحي… أخبرته باسم الحي… في حين نظر السائق للشاب… وقال:


-       " الحي نفسه"
ركبت نورة… ولم تفهم مقصد السائق.


قلبها يخبرها بأشياء كثيرة… حول هذا الشاب… الذي يصاحبها في كل مكان… منذ دخولها مطار كابول… ولكن… لقد خلا قلبها من معاني العاطفة… منذ سنين… فلماذا هذا الشاب… بالذات؟… لماذا هو ؟… من هز قلبها من أعماقه" 
سارت سيارة الأجرة بمن فيها… واتجهت نحو الحي… الذي ستنزل فيه نورة أولاً… لم يطل الطريق… الجميع صامتون… إلا من نظراتها المصوبة نحو الشاب الجالس في الأمام.
وأخيرا… أصبحت السيارة داخل الحي… بدأت نورة توجه السائق… يمينا ويسارا… ثم وصلت السيارة منزل نورة.
يا لها من فيلا رائعة… تجتمع فيها الذكريات… بعد غياب طويل.
نزلت نورة… ونزل سائق السيارة… ليُنزل حقائبها… من مؤخرة السيارة… وبعد أن قام بذلك… عاد ليركب… لكن الشاب الجالس في مقعده في الأمام… بدأ يتأمل المكان… والشارع… والعمارة… تأملها في اهتمام بالغ… ثم نظر نحو سائق السيارة… وقال :
- " لو سمحت… أنا أيضا… سأنزل هنا "
فرح السائق… لأنه لن يكلف نفسه السير مسافة أطول… واتجه مسرعا نحو حقائب الشاب… لينزلها… خشية أن يغير الشاب رأيه… ثم أخذ أجرته وذهب.



3- من هو
واقفة جوار الباب… على الرصيف… وجوار حقائبها… تطالع الشاب بلهفة وحيرة… والشاب… واقف على الرصيف… ليس بعيداً عنها… وجواره حقائبه.
مشهد لا يخلو من ريبة… وعلى أحسن الأحوال… لا يخلو من تساؤل… لكن التساؤلات في ذهن نورة… أشد وطأة… إنها مندهشة عن سبب مصاحبة هذا الشاب لها… من أول دخولها مطار كابول… وحتى هنا… ثم ميلها… ميلها غير المبرر… نحوه… ثم… لماذا نزل من السيارة معها… وقف أمام هذا المنزل؟.
الشاب في الوقت ذاته… يتساءل… ربما عن وجود هذه المرأة هنا… أمام هذا المنزل بالذات… لم لا تذهب إلى منزلها… وهل هي يا ترى… عين المرأة… التي قدم لها الخدمات… من قبل… وكان مقعده في الطائرة… مجاوراً لمقعدها… ولكن… تلك المرأة… تلبس الزي الأفغاني… وهذه ملابسها مختلفة… لكنه الجسم ذاته… وربما حتى العينان… تبدوان ذاتها… والصوت… إنه يبدو ذات الصوت… الذي كان يسمعه من المرأة… هل تراها غيّرت ملابسها… مجاراة لتقاليد هذا البلد… نظر كل منهما للآخر… لكن نظراتهما كانت مليئة بالتساؤل… التساؤل عن أشياء كثيرة.
طالت النظرات… ولم يستطع أي منهما… أن يقرع بسؤاله أذن الآخر… كل منهما ينتظر البدء من الآخر… لكن أياً منهما… لم يشأ أن يكون هو الآخر.
وفي لحظات صمت وتحفز… ربما لو استمرت أكثر… لثار السؤال من أحدهما… انقطع الصمت… بصوت الباب… الذي كانا واقفين على جانبيه.
انفتح الباب… وخرج رجل في الرابعة والأربعين من العمر… يرتدي ثوباً أبيض ناصعا… وغترة بيضاء ناصعة… وله لحية سوداء طويلة… لا تخلو من شعيرات بيضاء متناثرة هنا وهناك… وشارب محفوف… وسجدة واضحة على الجبين… وسن مكسور… وشجه في الخد… وآثار حديثة للوضوء… ويرتسم لون مشرق على الوجه… الذي بدا بديع الوضاءة… لكن هذا الرجل… بدا على عجل من أمره… بمجرد خروجه من الباب.
لم يكترث الرجل الخارج من الفيلا… بشاب وامرأة… واقفان على رصيف منزله… ربما لأنه على عجلة من أمره… وربما لأنه لا يلقي بالاً لهذه الأمور.
سار بخطوات متسارعة… بعد أن أقفل باب المنزل… إلا أن الدهشة ارتسمت على وجه الشاب… الذي سرعان ما باغته بقوله :
- " يا أخ… يا أستاذ "
نظر الرجل للشاب… وابتسم في وجهه… وقال :
- " أنا على عجلة من أمري… انظر "
رفع الرجل يده… وأشار لساعته وهو يقول :


" لقد دخل وقت الأذان… وأنا الآن مؤذن المسجد… لا يمكنني أن أتأخر ثانية عن الآذن… إنه صوت الحق… من الأرض للسماء… ومن الأرض لقلوب المؤمنين… الحق بي للمسجد… وبعد الصلاة… أعدك أن ألبي كل ما تريد" 
مضى الرجل في طريقه… ناحية المسجد… ونظر الشاب يمنة ويسره.
المرأة هناك… مازالت مكانها… بقي الفتى واقفاً… مدة قصيرة… ثم ارتفع صوت الآذان… عالياً شجيا… قرر الفتى بعد سماع الأذان… الذهاب إلى المسجد.
لم تجد الألغاز التي ثارت في نفس نورة… أي إجابات… بل ازداد وقعها وأثرها:
- " من تراه هذا الرجل… الذي خرج من منزلها… وبهذه الصورة الغريبة… صحيح… لا غرابة أن يكون هذا الرجل… مؤذناً للمسجد… ولكن… الغرابة… لماذا سكن مؤذن المسجد… في منزلي؟… هل تم الحجر على المنزل… وبيعه؟… أم تراهم ضموه للأوقاف… خلال هذه السنوات التي عشتها بعيدة عنه؟… ولكن… صورة هذا الرجل… ليست بالغريبة… من يكون يا ترى… من يكون"
لم تغادر نورة مكانها… طيلة وقت الصلاة… إنها تحرس حقائبها… وحقائب الشاب… الذي تركها عند ذهابه للمسجد.



3- بعد الصلاة
مر الوقت سريعا… انقضت الصلاة… وخرج المصلون… وعند باب المسجد… يقف الشاب… ينتظر… لقد أدى الصلاة… وبعد دقائق… خرج المؤذن في خشوع… ولبس حذاءه… ثم تقدم نحو الشاب… ومد يده مصافحا… وهو يبتسم… وقال له :
- " أهلاً بك… اعذرني… كل شيء يمكن أن نؤخره… إلا هذه الصلاة… إنها حبل وصالنا الوحيد… ومتى انقطعت… انقطعنا… تفضل "
لم يُجب الشاب… لأنه أغرق عينه في ملامح هذا الرجل… لقد بدت مألوفة لديه… لحد كبير… إلا أن الرجل تركه… وسار متجها نحو المنزل.
تبعه الشاب… وسارت الخطوات متجاورة… وبقي الشاب يفكر في صورة الرجل… ويحاول تذكر ملامحها… ولم يصل إلى جواب.
وأثناء الطريق إلى المنزل… قال الرجل:
- " ستدخل عندي… وستكرمني باستضافتك… أنا أحب كل الأفغانيين… أحبهم أشد الحب… يا لهم من أمة عصامية… قوية… لا مجال… ستدخل معي المنزل… ونتناول الشاي… وأيضاً… ربما… ربما وجدت لك عملا… إذا لم يكن لديك مانع… هل أنت متعلم؟ "
لم يجب الشاب… لأنه مشغول باستراق نظرات سريعة… لوجه هذا الرجل… الذي بدا سريعاً في المشي.
وعندما اقترب الرجل والشاب من المنزل… قال الرجل :
- " هل تلك المرأة… قريبة لك؟ "
-" لا… لا… "
- " ولم هي هنا؟… غريب!… ربما كانت محتاجة!… لا ضير… قل لي ما اسمك؟"



4- تغير في ملامح الرجل
الدكتورة نورة جالسة على إحدى الحقائب… إنها تنتظر… وبفارغ الصبر… مجيء الرجل والصبي… وعندما أقبلا… من هناك… دق قلبها… وقامت.
 كانت تتابع قسمات الوجوه:


-       " إنهما يتحدثان… ولكن… فيم يتحدثان؟… وتُرا… هل سيأتيان إلى هنا… أم… إنهما سيغادران"
 وفي حال تفكير الدكتورة نورة… وانطلاقها… مع تلك الأبعاد… الموغلة في العمق… كان الرجل… قد سأل الشاب عن اسمه.
كانت نورة تنظر… للشاب والرجل… وربما… بدت نظرتها طبيعية… لولا ذلك التغير… الذي بدا… على وجه الرجل… فجأة.



5- اسمي جمال
كل شيء في الشارع هادئ… خطواتهما تسير بتتابع… وأعاد الرجل السؤال:
- " قل لي يا أخ… ما اسمك " ؟
- " أنا… أسمي جمال "
وقف الرجل… وطأطأ رأسه للأرض… لحظة… ثم وجه وجهه لوجه الشاب… وقال بصوت مرتفع :
- " جمال "
بدأ الرجل يدقق النظر… في ملامح الشاب… ثم قال… وهو يكاد ينتحب:
- " هذا الاسم… عزيز عليّ… نعم… نعم… جمال… آه… يا له من اسم "
وفي تأثر ملحوظ… قال الفتى:
- " وهل لك قصة… مع هذا الاسم؟ "
- " هيه… وأي قصة… إنه ابني… ابني "



6- هل أنت…
من هناك… كانت الدكتورة نورة… قد تركت المكان… الذي كانت واقفة فيه… بعد أن سمعت الرجل… وهو يرفع صوته… باسم (جمال)… وتقدمت نحوهما… بخطوات بطيئة… شيئاً فشيئا.
قال الشاب :
- " قل يا عم… ما قصتك؟ "
- " قصتي… قصتي… قصة طويلة "
بدأت عينا الرجل… تُدحرج حباتٍ كالمطر… ثم أكمل :
- " هيه… كنت في بلدك… أفغانستان… أنا وزوجتي… نوره… نوره… الله… يانوره… هناك… كنا في مهمة علمية… وكان معنا… ولدنا… الحبيب… جمال… وهجمت قوة الإرهاب العظمى… على ذلك البلد الأعزل… دمرته… وتفرقت الأسرة… أسرتي… تفرقت… وأخذوا ابني… ابني… أخذوه… من بين يدي… وأنا… أنا "
لم يكمل كامل… لأنه… رأى وجه الشاب… أمامه… يتقلّب… في ذهول… متأثرا… ولم يتمالك الشاب… نفسه… لقد… فرد ذراعيه… ليضم والده… وقال بصوت مؤثر :
- " أبي… أبي… أنا جمال… أنا جمال… يا أبي… كم اشتقت لك… وكم غبت عنك… تلك السنين"
دارت الدنيا… بعيني كامل… الذي قد أذاقته الدنيا… من كؤوس الحرمان… ما لا يمكن تحمله… ولم يكن ليصدق أبدا… أن هذا الشاب… الوسيم… فارع الطول… الملتحي… الوقور… ذو القسمات الصادقة… والطلعة المتدينة… هو… ذاته… جمال… الذي تركه هناك… بين أودية الجبال الوعرة… التي يعز على من رمي فيها… أن يبقى على قيد الحياة… هل تراها مزحة؟… أم حلم!… أم خيال… يراه من افتقد عقلَه… جراء آلام السجن والتنكيل؟… أم تراها الحقيقة!… الحقيقة… التي يختم الله بها لمن اتقاه؟… بأن يلم عليه شمله… ويفرج همه وغمه.
 وبعد نظرات سريعة… في قسمات ولده الشاب… ارتمى كامل… في أحضان جمال… الذي بدا أكبر حجما من أبيه… واشتبكت الدموع والدموع… وطالت الخدود والصدورَ.



7- السر
لم يكن من الواقفة… جوار المشهد المؤثر… هناك… أن تستمر في وقوفها… بعيدة عن أحداث جسام… هي أحد صناعها.
لقد فهمت كل شيء… المسالة سهلة للغاية… ذلك الشاب… الذي أسرتها نظراتها له… من أول ما طالعته في كابول… وبقى قلبها يرقص لحركاته وسكناته… ليس سوى جمال… جمال… ولدها الصغير… الذي كانت تحرص على تربيته… بطريقة مدنيّة مدللة.
ها هي تجارب الدنيا… تربيه الآن… بطريقة أخرى… غير ما أرادته والدته… فيخرج رجلاً آخر… غير ما كانت تريده من قبل… ولكنه… كما تريده الآن.
وذلك الرجل… المؤذن… الملتحي… الذي بدا صالحاً خاشعا… عميق الإيمان والتقوى… ليس سوى كامل… كامل… زوجها… وحبيبها… الذي كان ذات يوم… يتشدق بإلحاده… وبُعده عن كل صور الدين… ها هو الآن… وجهٌ آخر… وعقل آخر… وإنسان آخر.
وها هي أسرتها… أمام عينيها… هناك… تلتم… ليلتم مع التمامها… جرح الفراق الغائر… وجرح المعاناة العميق.
لم تجد نورة في نفسها القوة… للصبر والتجلد… ولو قليلاً… عن الدخول في الْتمام الشمل… الذي طال تفرقه.
وفي حالةٍ فريدة… هي الحالةُ ما بين العقل والجنون… انطلقت نورة بعباءتها… وحشمتها… لتحتضن الرجلين… الرجلين… الذين لا يعرفانها… تحتضنهما… بكل حب وإخلاص… ثم تبكي… وتوزع القبلات الحارة.
لم ينكشف خمارها بعد… لكن خمار أحزانها… التي رانت على قلبها… طيلة السنون الفائتة… ربما انكشف… ونورة… أثناء حالها ذاك… غارقة في عالم الأحضان… الذي طالما افتقدته… وتشعر أن جميع الحجب… انكشفت.
لكن كامل… الرجل المتدين… غاية التدين… اندهش جداً… لامرأة تضمه… وتقبله… وهو لا يعرفها… ولا تعرفه.
 لم يكن بوسع كامل… أن يحتمل… هذا الجنون… وكذلك الشاب… الحافظ لكتاب الله… لم يرقه هذا المشهد.
بدأ كامل… ينظر للمرأة… بريبة… ثم انفلت من بين يدي جمال… وأدخل يده في جيبه… وأخرج مفتاح المنزل… وقال لابنه بهمس :
- " خذ المفتاح… وافتح الباب… وادخل وسألحق بك… هذه المرأة مجنونة… لا شك… لقد قلت هذا منذ رأيتها… عند خروجي من المنزل"
أخذ جمال المفتاح… وانطلق نحو الباب… وفتحه.
في حين تخلص كامل… بالكاد… من أحضان المرأة… التي لازالت غارقة في بكائها… ثم انطلق مسرعاً… ودخل… وأغلقا الباب.
أدركت نورة الموقف… وأدركت المشهد… وبدأ تفكيرها يعود لها… شيئاً فشيئا… إنها في الشارع… وإن كامل وابنه… تفاجآ بما قامت به… فهما حتى الآن… لا يعرفانها… ابتسمت… ثم خطرت ببالها فكرة.
اتجهت لإحدى حقائبها… هناك… فتحتها… ثم فتحت حقيبة يد صغيرة… وأخرجت منها مفتاحين… ثم اتجهت إلى الباب… وبدأت تعالجه.
كامل وابنه… مندهشين… كل منهما ينظر للآخر… ولم لا… وهما يسمعان المفتاح… يدخل في القفل… ثم يفتحه… أي مجنونة هذه… التي قررت مسبقاً… أن تدخل… وأعدت مفتاحاً لذلك… وهي الآن… تدير المفتاح.
بقى كامل وابنه… في حالة استسلام كامل… وما هي إلا لحظات… ويُفتح الباب.
نعم… لقد فُتح الباب… ولكن… ليس عن وجه مجنونة… ولكن… عن وجه امرأة هادئة متزنة… وقفت على العتبة… ثم قالت :
- " السلام عليكم "
تراجع كامل وابنه… للخلف… قليلا… لكن المرأة… أقفلت الباب… واقتربت منهما أكثر… وكشف غطاء وجهها.
ملحمة رائعة… من ملاحم اللقاء… بعد الغياب الطويل… لا يدرك مدى عمق تفاصيلها… إلا أولئك الذين سُحقت قلوبهم… بمطرقة الحرمان… سنون عدّة.
وفي دهشة الوصال المذهلة… قالت المرأة :
- " أنا نورة… وها نحن نلتقي… بحمد الله… من جديد… ولكن… بقلوب أخرى… وأفكار أخرى… وبكنز الإيمان "
صمت كامل… وصمت جمال… وتحدثت العيون… لحظات… والتمّ الشمل من جديد… واحتضن جمال أبويه… وسُفحت دموع فرح غزيرة… على أعتاب باب شكراً لله.
وانتهت بهذا المشهد… تلك المعاناة… وانتهت صورة الإمبراطورية الظالمة… من عقول من آمن بها… ردحا من الزمن… وربما ستنتهي قريباً… من الواقع… طال المشهد… أو لم يطل… لكنه بالفعل… مشهد ساحرا… قادر بعون الله… على محو همومٍ جسام… كتبتها السنون العصيبة.
انتبه كامل للمشهد… وأدرك أنه وأسرته في الفناء… خارج المنزل… لذا… قال باهتمام :
- " هيا… هيا… لندخل "
ابتسمت نورة… وهي تمسح بيدها على لحيته الطويلة… وتقول :
- " لقد تغيرت كثيراً… لم أعرفك بادئ الأمر "
- " آه… هناك كلام كثير… سأقوله لكم "
قال جمال :
- " لا… لا… ليس بأكثر من الكلام… الذي سأقوله أنا لكم "
قالت نورة :
- " هيه لو تعلمون… أتحداكم جميعا… سيكون كلامي هو الأكثر "
سار الثلاثة… إلى باب المنزل… وبوصولهم… فتح كامل الباب… ودخلوا جميعا.
كل شيء كما هو… لقد وصل كامل للمنزل… منذ أسبوع… تقريباً… واستأجر من ينظفه… ولم يهتم بأي شيء آخر.
أدارت نورة عينها… وهي تقول :
- " الحمد لله… يا لها من تجربة "
في تلك الأثناء… نظر جمال هناك… في الجهة الغربية من الصالة… وانطلق بسرعة… ثم فتح الباب… ودخل… وأضاء النور.
إنها غرفته:
- " الله… كم طال غيابي عنك… وأنا أسكن حجرة الطين"
تأملها جمال بهدوء… كل شيء كما هو.
تبعه أبواه… ودخلا خلفه… كل منهما ممسك يد الآخر.
أدار جمال رأسه… ونظر لوالديه… وقال:
- " ها هي أمريكا… كانت في قلوبنا… هـ… هـ… هـ… والآن… سقطت من قلوبنا… وقريباً… سيُسقطها ظلمها "
لحظات… وارتفع صوت دوي قوي… وابتسم الجميع.
إنه تمثال الحرية… لقد رُمي على الأرض… وتحطم.
لا أحد يدري… من الذي رمى التمثال… وحطمه… أهو جمال… أم كامل… أم نورة… ولكن المؤكد… أنه أحد المعجبين به… يوماً ما.
وانتهت قصة الإمبراطورية… من قلوبهم… وربما قريبا… من العالم.
الجمعة, بين الأذانين,  9/5/1428هـ د. عبدالوهاب آل مرعي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق